يمكن فهم الدور الذي لعبته باكستان في الدفع نحو هدنة لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة، تمهيداً لعقد جولات تفاوضية في إسلام آباد بين الجانبين، بوصفه دورًا وسيطًا وظيفيًا أكثر منه قرارًا حاسمًا في مسار أزمة عمرها عقود من الزمن. فإسلام آباد لم تكن الطرف الذي يفرض شروط الهدنة أو يصوغها منفردًا، بل أدّت دور القناة المقبولة لنقل الرسائل وتدوير الزوايا بين أطراف متنازعة تفتقر إلى الثقة المباشرة. ولا تكمن أهمية هذا الدور في قدرته على الحسم، بل في قدرته على جعل التهدئة ممكنة في لحظة عالية الحساسية، مستفيدة من موقعها الوسطي الذي يوازن بين علاقاتها مع إيران، وصلاتها مع الولايات المتحدة، وارتباطاتها الوثيقة بدول الخليج، ولا سيما مع المملكة العربية السعودية.

غير أن هذا الدور لا يمكن فصله عن حسابات المصلحة الذاتية. فباكستان، وإن لم تكن في قلب دائرة الضرر المباشر للحرب، كانت ضمن نطاق التأثر غير المباشر، خصوصًا في ما يتعلق بأسواق الطاقة والاستقرار المالي. إلا أن الدافع الأعمق لتحركها يرتبط بتجنّب سيناريوهات التصعيد الواسع. فاندلاع حرب إقليمية شاملة، أو إغلاق مضيق هرمز، كان من شأنه أن يفرض ضغوطًا اقتصادية وأمنية كبيرة على الداخل الباكستاني، ويضعها أمام خيارات صعبة في بيئة إقليمية مستقطبة. من هنا، يمكن القول إن تحركها لم يكن استجابة لأزمة قائمة بقدر ما كان محاولة استباقية لاحتواء أزمة أكبر، حيث يصبح منع الانفجار الشامل بحد ذاته مصلحة استراتيجية مباشرة.

دبلوماسية الأزمات

لطالما ارتبطت قنوات الوساطة التقليدية في الملف الأميركي الإيراني بدور سلطنة عُمان التي لعبت عبر السنوات دوراً محورياً في فتح خطوط تواصل غير رسمية بين واشنطن وطهران، وهو ما أسهم في نهاية المطاف في التوصل إلى الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015. كما سعت قطر إلى ترسيخ موقعها كمنصة دبلوماسية للحوار والوساطة في أزمات المنطقة، مستندة إلى سياسة خارجية تقوم أساساً على إدارة النزاعات واحتضان المفاوضات.
غير أن المشهد الحالي لا يشبه الظروف التي نجحت فيها تلك الوساطات التقليدية. هناك من قرّر التحرك ليس في سياق تفاوضي هادئ، بل في سياق تصعيد عسكري متبادل كاد أن يبلغ ذروته في الساعات الأخيرة لو نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته بخوض حرب الطاقة ضد إيران ورد الأخيرة عليه. كما جاء تحرك الوسطاء هذه المرة في ظل تهديد يمس بأحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، وهو مضيق هرمز. وفي مثل هذه اللحظات، تتحول الدبلوماسية من إدارة حوار طويل الأمد إلى “دبلوماسية أزمة” تعمل تحت ضغط الزمن والتهديدات العسكرية المباشرة.
لماذا باكستان؟
هنا يبرز منطق مختلف لاختيار الوسيط. فالمطلوب في هذه المرحلة ليس مجرد دولة محايدة قادرة على نقل الرسائل، بل طرف يمتلك عناصر قوة إضافية: نفوذ عسكري، علاقات مباشرة مع واشنطن وطهران ودول الخليج. هذه المعادلة المعقدة جعلت باكستان دولة تمتلك مجموعة من الخصائص الهيكلية التي تجعلها مرشحة لهذا الدور.
أول هذه الخصائص يرتبط بالبعد الاجتماعي والمذهبي. فباكستان تضم ثاني أكبر تجمع للشيعة في العالم بعد إيران، حيث يقدّر عددهم بعشرات الملايين، ما يخلق جسراً اجتماعياً وثقافياً لا يتوافر لكثير من الدول ذات الأغلبية السنية في المنطقة. هذا العامل يمنح إسلام آباد قدرة أكبر على التواصل مع طهران دون أن يُنظر إلى ذلك بوصفه اصطفافاً سياسياً كاملاً.
إلى جانب ذلك، تتمتع باكستان بعلاقات استراتيجية متشابكة مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ولا سيما المملكة العربية السعودية، حيث وقّعت معها اتفاقية تعاون دفاعي خلال الفترة الماضية، ما عزّز مستوى الثقة المتبادلة مع كل من الرياض وواشنطن. وبذلك تصبح إسلام آباد طرفاً مقبولاً نسبياً لدى معسكرين إقليميين متقابلين.
لكن العنصر الأكثر حسماً ربما يكمن في طبيعة الدولة الباكستانية نفسها. فهي ليست مجرد دولة وسيطة صغيرة، بل قوة نووية تمتلك خبرة طويلة في إدارة التوازنات الحساسة. فوجودها بين قوة عظمى تسعى إلى منع الانتشار النووي مثل الولايات المتحدة الأميركية، ودولة تسعى إلى تطوير قدرات نووية مثل إيران، يمنحها فهماً عملياً لتوازن الردع وحسابات القوة المرتبطة بالملفات النووية.
كما أن العلاقات الشخصية بين القيادة الباكستانية والإدارة الأميركية لعبت دوراً إضافياً في تعزيز هذا الاحتمال. فقد برز اسم قائد الجيش الباكستاني عاصم منير بعد سلسلة اتصالات مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال جهود التهدئة بين باكستان والهند، وهو ما فتح قناة اتصال شخصية مع البيت الأبيض، في مرحلة أصبحت فيها العلاقات الشخصية بين القادة أداة دبلوماسية لا تقل أهمية عن القنوات المؤسسية التقليدية.
العامل الجغرافي
إلى جانب هذه المعطيات السياسية، يفرض العامل الجغرافي نفسه بقوة. فباكستان تشترك مع إيران بحدود تمتد لنحو 900 كيلومتر عبر إقليم بلوشستان، وهي منطقة حساسة أمنياً لكلا البلدين بسبب التوترات المرتبطة بالقومية البلوشية. وفي ظل انشغال طهران بإدارة صراعات متعددة في الإقليم، من اليمن إلى لبنان والعراق وغزة، فإن فتح جبهة توتر إضافية على حدودها الشرقية مع باكستان سيكون عبئاً استراتيجياً كبيراً تسعى إيران لتجنبه.
من هذا المنظور، تمتلك إسلام آباد ورقة تأثير غير مباشرة لا تتوافر لدى الوسطاء التقليديين. فهي قادرة نظرياً على تخفيف الضغوط عن إيران عبر الحفاظ على استقرار حدودها الشرقية، كما أنها قادرة – في حال تدهور العلاقات – على خلق تعقيدات أمنية إضافية لطهران، وهو ما يدركه صانع القرار الإيراني حتى دون التصريح بذلك.
كما أن باكستان، لكونها ليست دولة خليجية، توفر لإيران ساحة تفاوضية مختلفة لا يُنظر إليها داخلياً باعتبارها تنازلاً سياسياً أو خضوعاً لضغط إقليمي. فالتعامل مع دولة ذات ثقل استراتيجي مستقل قد يبدو بالنسبة لطهران خياراً أكثر توازناً من الانخراط في وساطات مرتبطة مباشرة بالمنظومة الخليجية.
أما على المستوى الداخلي، فقد حاولت القيادة الباكستانية خلال السنوات الأخيرة إعادة صياغة صورتها الدولية. فقد اتخذت الحكومة خطوات حازمة ضد بعض الحركات المتشددة، ومن بينها حظر حزب “لبيك باكستان” عندما تحول إلى أداة ضغط داخلي. كما صدرت تصريحات واضحة تؤكد أن الدولة الباكستانية لن تسمح بتحويل أراضيها إلى ساحة صراع طائفي أو نفوذ خارجي، في رسالة موجهة في آن واحد إلى واشنطن والرياض وطهران.
وفي الوقت نفسه، سعت إسلام آباد إلى الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية، حتى خلال الأزمات الكبرى مثل الحرب في غزة، حيث واجهت ضغوطاً شعبية كبيرة لقطع العلاقات مع الولايات المتحدة، لكنها حافظت على القنوات المؤسسية مع واشنطن دون التخلي عن مواقفها السياسية الداعمة للفلسطينيين.
كل هذه المعطيات، جعلت باكستان وسيطاً مختلفاً عن الوسطاء التقليديين في الأزمة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. فهي ليست مجرد قناة لنقل الرسائل، بل دولة تمتلك مزيجاً من العلاقات المتقاطعة والنفوذ الجغرافي والعسكري الذي قد يسمح لها بالتأثير في مسار هكذا أزمة.
ومع ذلك، تبقى حقيقة أساسية: نجاح أي وساطة لا يعتمد فقط على قدرات الوسيط، بل على استعداد الأطراف المتصارعة لتخفيف مستوى التصعيد. ولذلك فإن الدور الباكستاني، مهما بدا واعداً في التحليل النظري، سيظل رهناً بتوازنات أوسع تحكم الصراع الإقليمي والدولي في هذه المرحلة الحساسة.