في هذا السياق، تكتسب محاولات السلطة السياسية الراهنة دلالة خاصة. فمع سعي رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام إلى إعادة تفعيل دور المؤسسات وضبط بعض مفاصل الإدارة والاقتصاد، يبرز سؤال أساسي، هل تمثل هذه الخطوات بداية خروج من حالة الاستثناء، أم أنها تظل محكومة بسقف توازنات قائمة تعيد إنتاج الخلل نفسه؟
لا يبدو أن السؤال يقتصر على ما إذا كان لبنان قادرًا على الخروج من حالة الاستثناء، بل عمّا إذا كانت هذه الحالة قد أصبحت جزءًا من نمط عمله السياسي
ذلك أن أي محاولة لإعادة الاعتبار للإنتظام السياسي تصطدم بواقع لا تزال فيه السلطة موزعة، والقرار خاضعًا لتوازنات تتجاوز مؤسسات الدولة؛ ما يجعل الإصلاح، مهما بدا جديًا، معرضًا لأن يتحول إلى إدارة للأزمة، لا إلى تجاوز لها.
وفي هذا الإطار، يكتسب اللقاء اللبناني–الإسرائيلي، في واشنطن، دلالة تتجاوز طابعه السياسي المباشر، ليغدو اختبارًا فعليًا لطبيعة النظام القائم، من حيث تحقيق هذا المسار ضمن مؤسسات الدولة وقرارها السيادي أم في سياق توازنات تفرضها وقائع تتجاوزها. فالمسألة لا تتعلق بمضمون اللقاء بقدر ما تتعلق بالإطار الذي يُعقد ضمنه. إذ يكشف هذا الحدث، مرة جديدة، عن التوتر القائم بين منطق الدولة، الذي يفترض وحدة القرار ووضوح مرجعيته، ومنطق موازٍ تتحكم فيه اعتبارات القوة والتوازنات، حيث لا يكون القرار نتاج المؤسسات بقدر ما هو نتيجة تقاطع إرادات متعددة.
من هنا، لا يشكل اللقاء بحد ذاته خروجًا من حالة الاستثناء، بقدر ما قد يكون تعبيرًا عنها، إذا لم يُدرج ضمن مسار يعيد الاعتبار لمركزية الدولة واحتكارها للقرار. وإلا، فإن أي خطوة سياسية، مهما بدت مفصلية، تبقى معرضة لأن تُقرأ كحلقة إضافية في إدارة الاستثناء، لا كمدخل لإنهائه.
في ضوء هذه المتغيرات، لا يبدو أن السؤال يقتصر على ما إذا كان لبنان قادرًا على الخروج من حالة الاستثناء، بل عمّا إذا كانت هذه الحالة قد أصبحت جزءًا من نمط عمله السياسي. فبين محاولات إعادة تفعيل المؤسسات، واستمرار توازنات تتجاوزها، يتكرّس واقع هجين، لا هو دولة مكتملة السيادة، ولا هو انهيار كامل، بل مساحة رمادية تُدار فيها السلطة خارج أطرها التقليدية.
وفي هذا السياق، قد لا يكون التحدي في استعادة القواعد بحد ذاتها، بقدر ما هو في إعادة تعريف الإطار الذي يمنحها معناها وفاعليتها. إذ إن أي تحول فعلي يفترض انتقالًا من إدارة الاستثناء إلى إنهائه، ومن تعدد المرجعيات إلى وضوحها، ومن توازنات القوة إلى مرجعية الدولة.
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى لبنان معلقًا بين منطقين: منطق دولة لم تكتمل، ومنطق استثناء لم يعد مؤقتًا، بل يكاد يكون القاعدة. وعليه هل هذا النموذج اللبناني سيشكل نعمة إلى حد اللعنة في ظل المتغيرات الراهنة في المنطقة؟
