رسالة إلى رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون

حضرة رئيس الجمهورية السيد جوزاف عون المحترم؛ بما أنّي مواطن لبناني أباً عن جد، ومنذ أكثر من 66 سنة، فإن من حقي أن أناقشك في سياستك الخارجية حيال الدفاع عن أرض البلاد وسيادتها وحماية أهلها.. وأنا منهم.

السيد الرئيس؛

استوقفني هذا الأسبوع هذا السيل من المواقف الإشكالية – الإشتباكية مع ثنائي حزب الله – حركة أمل؛ حتى أن إشارتك بالأمس أمام الهيئات الإقتصادية في القصر الجمهوري، إلى أنك لا ترفع قدماً عن أخرى، إلا بالتشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، لكأنك بذلك تريد أن تلجأ إلى لعبة قديمة جديدة جرّبها كثيرون منذ العام 2005 حتى يومنا هذا ولم تكن النتيجة إلا خيبة كل من راهن على فك “الثنائي” عن بعضه البعض.

قبل أيام قليلة، بادر رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو إلى القول إن ما يقوم به جيشه في جنوب لبنان من قتل وقصف وتدمير وجرف و”تعفيش” (وسرقة) لمنازل أهلنا هو من ضمن اتفاق بين “إسرائيل” والولايات المتحدة والحكومة اللبنانية.

وحتى كتابة هذه السطور، لم تنف حضرتك ذلك بل قلت، أمس (الأربعاء)، الآتي حرفياً:

“في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة (…). أما بالنسبة للانتقادات بأن لبنان وافق من خلال البيان الأميركي الذي صدر على اثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءتها على لبنان، فأقول إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في تشرين الثاني/نوفمبر 2024”.

لقد استوجب موقفك رداً سريعاً من رئيس مجلس النواب نبيه بري كنتَ بغنى عنه، ذلك أنه لا يُمكن أن يوافق أولاً على هكذا مذكرة لم يتجرأ أحد على تبنيها لبنانياً إلا سيادتك.

والنقطة الثانية تتمثل في وضع المذكرة-المسخ في خانة اتفاق 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وهو الأمر الذي استوجب من الرئيس بري الرد لأن القاصي والداني يعلم أن الاتفاق الموقع في خريف العام 2024، بمعزل عن ملاحظات كثيرين عليه، أعطى حق الدفاع عن النفس للبنان و”إسرائيل” في آنٍ واحد، برغم أن لبنان لم يستخدم هذا الحق إلا في الثاني من آذار/مارس 2026 للمرة الأولى. أما المذكرة التي صدرت عن وزارة الخارجية الأميركية، فإنها تعطي لـ”إسرائيل” حق الدفاع عن النفس وحدها في أي وقت ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية، أي أنها تُشرع للمرة الأولى في تاريخ الصراع بين لبنان و”إسرائيل” ما لم يُقدمه لها حتى اتفاق 17 أيار/مايو 1983 نفسه.

السيد الرئيس؛

دعني أعود إلى التصريح الصادر عنك، يوم الإثنين الماضي، والذي تزامن مع تصريح في اليوم نفسه للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، مع توضيحي المسبق أن لا علاقة شخصية تربطني بالأخير ولم أكن منتمياً في يوم من الأيام إلى حزبه.

يقول نتنياهو إن أعمال التدمير التي يقوم بها متفق عليها مع حكومتي لبنان والولايات المتحدة. ألا تعتقد أن اتفاقاً لبنانياً مع نتنياهو، إن ثبتت صحته، يُبيح دماء شعبنا وتدمير بيوته وأرزاقه، هو بحد ذاته فعل خيانة ترتكبه الحكومة عن سابق تصور وتصميم؟ هل من عاقل على وجه هذا الكوكب لا يرى في ذلك خيانة؟ هل من قانون دولي أو محلي يبيح هكذا اتفاق؟

أما في المضمون، فأنت تعتبر أن المقاومة هي من جرّت البلاد إلى الحرب، وفي ذلك فعل خيانة، متناسياً أن العدو قبل الثاني من آذار/مارس، وعلى مدى 15 شهراً، كان مستبيحاً للسيادة اللبنانية، براً وبحراً وجواً، وكان عدوانه متواصلاً على امتداد جغرافية البلاد، فتسبب في هذه المدة، التي كان يفترض أنها تحت اتفاق وقف إطلاق النار، باستشهاد أكثر من 500 لبناني وجرح 1500 آخرين وتدمير آلاف الممتلكات، وأنت كنت تراهن على الحلول الدبلوماسية لوقف هذا العدوان المتمادي لكن بلا أي نتيجة. ومع انخراط المقاومة بالحرب، فإنها على الأقل وضعت بلدنا على سكة المفاوضات الكبرى في المنطقة، بدل أن تكون كالأيتام على طاولة اللئام تنتظر فتات ما يقدمه العدو له، وهو أساساً ليس بوارد أن يقدم شيئاً.

وبما أنك لم توضّح في كلامك ما إذا كنت تقصد أن المقاومة جرّت البلاد إلى الحرب في الشهر الماضي أو في حرب الإسناد لغزة، وبعد أن أوضحنا الموضوع الأول، نعود إلى إسناد غزة. دعني أذكّرك أن قادة العدو، وعلى لسان أكثر من مسؤول فيهم، قالوا إن مجزرة أجهزة “البيجر” واللاسلكي جرى العمل عليها قبل ثماني سنوات من تنفيذها، أي أن العدو كان يعدّ العدة للبنان، بمعزل عن إسناد غزة أو عدمه. وهو، كعادته، لا يحتاج إلى ذريعة لشن عدوان.

لقد قُلتَ، يوم الإثنين الماضي، إن الخيانة “يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية، وهدفي هو الوصول إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة” (1949).

إن كلامك المذكور ما هو إلا استكمال لما أطلقته منذ أول عهدك بأن ما يحصل هو “حرب الآخرين على أرضنا”، أي أن المقاومة تدافع عن أرضها لأسباب غير لبنانية، وفي ذلك ظلم لأكثر من عشرة آلاف شهيد ومثلهم لا بل أكثر من الجرحى؛ هل هؤلاء تصنفهم مرتزقة مثلاً، ولو كان الأمر كذلك، ألا يستوقفك كلام قامة إعلامية مثل ماغي فرح التي دعت إلى احترام تضحيات من يقومون بالدفاع عن أرضهم وبلدهم بمعزل عن دوافعهم ومنطلقاتهم.

وأبعد من كلامك عن “حرب الآخرين على أرضنا” و”الخيانة” وتعريفك المشوَّه لها، هو أن كلامك ينمّ عن أحد أمرين: إما معرفة، وهنا نحن أمام كارثة بأفضل تعبير أو توصيف أو عدم معرفة بطبيعة العدو الذي نواجهه، وطبيعة مشاريعه وأطماعه بأرضنا ومائنا وسمائنا، وهو الذي ذكرّنا بها مراراً وتكراراً، وكانت آخر مرة عندما أطل نتنياهو العام الماضي من على منبر الأمم المتحدة ورفع بكلتا يديه ما أسماه خريطة “إسرائيل الكبرى”، والتي أظهرت أنها تضم كل فلسطين وأجزاء من لبنان وسوريا والعراق ومصر والسعودية، هل تتذكر ذلك جيداً حضرة السيد الرئيس؟

إقرأ على موقع 180  صورة فلسطين في فرنسا.. حالةٌ من التشكُل الدائم

أما عن مبادرتك بالذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع العدو؛ بطبيعة الحال، أية مفاوضات عادة تكون بين أعداء وليس بين أصدقاء، وألف باء التفاوض هي أن يجمع كل طرف ما يملك من أوراق قوة لاستخدامها على الطاولة. من الواضح أن العدو يذهب إلى المفاوضات وأوراق قوته واضحة، وهي أولاً الحماية الأميركية له عسكرياً وأمنياً ودبلوماسياً واقتصادياً، وثانياً قوته العسكرية العاتية والهمجية. لذا، دعنا نرى ما هي أوراق القوة التي نذهب بها؟ أول ورقة قوة هي الاعتراف الرسمي بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين، فقد كان من شأن مجرد الجلوس مع العدو على طاولة المفاوضات أن يكون ورقة قوة، وقد فرّطنا بها وذهبنا إلى التفاوض المباشر معه، وفي ذلك اعتراف علني وصريح ورسمي بما يعتبره حقه على أرض فلسطين، وهذا الاعتراف نُقدمه للعدو بلا مقابل، أي أننا حتى من ضمن فن التفاوض لم نستخدم الاعتراف كورقة نستطيع عبرها الحصول على أمر ما.

السيد الرئيس؛

تريد أن تذهب إلى المفاوضات بلا أي صديق أو حليف أو حتى وسيط نزيه، فأنت تعرف أن الولايات المتحدة هي راعية العدو وحاميته، وتضع على رأس سلم أولوياتها مصالحه. وإن كان لديك شك في ذلك، إطلب من مستشاريك أن يقدموا لك تقريراً مفصلاً عن تصريحات المسؤولين الأميركيين على الأقل في العام المنصرم، وليس على مدى عمر هذا الكيان. وهنا كان يمكن أن يشكّل وجود حليف عربي أو دولي للبنان، ما يمكنه من أن يُعدّل كفة الميزان ولو قليلاً، حتى وإن كان هذا الحليف من الذين يعترفون بالكيان الصهيوني وعلى علاقة دبلوماسية معه مثل مصر أو تركيا، حتى لا أقول لك إيران أو الصين أو روسيا.

وهنا لا بد من الوقوف قليلاً عند كلامك في بداية عهدك عن عودة لبنان إلى الحضن العربي، فكيف لك في أمر بهذه الأهمية الاستراتيجية أن تقفز فوق الحضن العربي وتذهب عارياً إلى مفاوضات لا معين لك فيها ولا مجير؟ أليس في الأمر خيانة، ليس فقط وطنية، بل أيضاً خيانة لـ”الحضن” العربي؟

أيضاً، ومن باب استخدام ما أمكن من أوراق قوة، محلياً، وبمعزل عن رأيك بالمقاومة التي تسطر ملاحم بطولية تاريخية على أرض الجنوب، ألا ترى أن استخدام بطولات المقاومة وقدراتها التي تؤلم العدو يمكن أن يكون ورقة قوة لديك على طاولة المفاوضات؟ بالإضافة إلى ذلك، وبمعزل عن رأيك بإيران، فإن استخدام ورقة دعمها للبنان كان يمكن أن يكون ورقة قوة لديك وفق منطق “عدو عدوك صديقك”. وهنا من الواضح أنك أيضاً تخليت عن ورقتي القوة هاتين بلا مقابل أيضاً، وقررت أن يذهب وفدك عارياً إلى المفاوضات بلا حليف ولا حضن عربي ولا صمود أسطوري للمقاومة وبيئتها. أليس ذلك خيانة ونية مبيتة بالتنازل للعدو عن السيادة الوطنية؟

السيد الرئيس؛

قبل الجلسة التفاوضية الأولى في مقر وزارة الخارجية الأميركية، كنت قد ذكرت أنك لن تذهب إلى المفاوضات تحت النار، ولكنك أخليت بهذا الوعد وذهبت، فكافأك العدو بيوم الأربعاء الأسود عبر غارات على امتداد الوطن، زهقت خلال عشر دقائق أرواح أكثر من 350 مدنياً لبنانياً وجرحت أكثر من 1200 آخرين، بينهم أطفال ونساء وعجزة. والأنكى هنا أنك لم تسجل انسحابك من المفاوضات على الأقل كخطوة احتجاجية على هذه المجزرة. ألا يُصنَّف ذلك فعل خيانة وطنية؟

لقد اعتبرتَ اغتيال الزميلة الصحافية الشهيدة آمال خليل واستهداف الإعلاميين بشكل مباشر “هدفه إخفاء حقيقة ارتكابات “إسرائيل” العدوانية ضد لبنان، فضلا عن كونها جرائم ضد الإنسانية تعاقب عليها القوانين والأعراف الدولية وتشكل حافزاً لتدخل المجتمع الدولي لوضع حد لها”؛ لكنك في اليوم نفسه، لم تعطِ تعليماتك للوفد المفاوض من أجل تعليق الجلسة التفاوضية الثانية في واشنطن مع ممثل “المجرم ضد الإنسانية”؛ ألا تعتقد حضرة الرئيس أنك لو أقدمت على خطوة رمزية من هذا النوع، لكان منسوب احترام الغرب والشعب الأميركي لك قد زاد أضعافاً مضاعفة، ناهيك بشعبك الذي كان سيُقدر لك مثل هذه الخطوة الإستثنائية، لا سيما وأنك لطالما كنت تتباهى بإنتمائك الجنوبي، فضلاً عن خدمتك العسكرية في معظم أقضية الجنوب.

السيد الرئيس؛

إن سجالاتك مع حزب الله بشكل شبه يومي تُعطي إشارة بأنك حسمت خياراتك. أي أنك لا تريد أن تكون رئيساً لكل اللبنانيين، لأنه ليس من الطبيعي أن ترتضي أن تكون رئيساً لهؤلاء “الخونة”، وأنت بكلامك صنّفت أولئك الذين يقدمون الغالي والنفيس للدفاع عن سيادة البلاد وحمايتها من الأطماع الصهيونية على أنهم “خونة”، هم وأهلهم ومناصروهم. وإن كان تعريفك لهؤلاء بأنهم “خونة” و”آخرون” على أرض لبنان، فاسمح لي أن أقول لك إنني أحد هؤلاء الخونة الآخرين.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الصحافة العبرية: إسرائيل لاعب ثانوي في المواجهة بين طهران وواشنطن!