يُعرّف “الردع الممتد” نظريًا، كما طوّره منظّرو الردع مثل توماس شيلينغ (Schelling) وفرانك زاغاري (Zagare)، بأنه التزام دولة ما بحماية حليف لها عبر تهديد خصمه باستخدام القوة ضد أي اعتداء عليه، أي أن وظيفة الردع تنتقل من حماية الدولة لنفسها فقط إلى حماية حلفائها أيضًا، بحيث يصبح أي اعتداء على الطرف الحليف محفوفًا بإمكانية تدخل أطراف أخرى لرفع كلفة الهجوم ومنع تحقيق أهدافه.
يقوم هذا المفهوم على إقناع الخصم بأن الحرب لن تبقى محصورة في ساحة واحدة، بل قد تؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة، جغرافيًا ووظيفيًا، بما يفرض أثمانًا إضافية على المعتدي. وخلال الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، أظهر التنسيق العملياتي الميداني بين ساحات المقاومة تطوّرًا مفاهيميًّا لـ”الردع الممتد”، من صورته التقليدية بوصفه “مظلّة حماية” توفّرها دولة راعية لحليف، إلى بنية شبكية متعددة الساحات تقوم على ترابط الجبهات وتوزيع أدوار الردع بينها.
إذاً، لم تعد المواجهة قائمة على معادلة ردعية ثنائية، بل على تداخل عدة ساحات إقليمية ضمن شبكة مترابطة من الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية. فاستهداف إيران لم يعد يُقرأ باعتباره تهديدًا لساحة منفصلة، بل كحدث قابل لاستدعاء ردود فعل متزامنة أو متدرجة من العراق ولبنان واليمن والبحر الأحمر والخليج، بما ينقل الحرب من إطارها المباشر إلى فضاء إقليمي أوسع.
ووفق النموذج الذي ما زلنا نشهد فصوله منذ تاريخ الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، لا يتمثّل الردع فقط في امتلاك القدرة العسكرية، بل في خلق معادلة إدراكية لدى الخصم تقوم على أن أي تصعيد ضد ساحة محددة قد يؤدي إلى تفعيل ساحات أخرى بصورة متزامنة أو متدرّجة. وبهذا، تحوّلت “وحدة الساحات” خلال الحرب على إيران من خطاب سياسي إلى آلية عملياتية لإنتاج ردع إقليمي متبادل، يقوم على تشتيت الموارد، وتوسيع نطاق التهديد، ومنع تحقيق الحسم السريع عبر فتح احتمالات التصعيد على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
ضمن هذا الإطار، تحوّل العراق إلى ساحة ردع أساسية قيّدت الحركة الأميركية خلال الحرب، إذ لم يهدف استهداف القواعد ومراكز الإمداد إلى إيقاع خسائر مباشرة فحسب، بل إلى تشتيت الموارد الدفاعية ومنع تركيزها ضد إيران أو دعم الكيان الصهيوني. كما أدى تقييد استخدام الأراضي والأجواء العراقية إلى حرمان واشنطن من منصة عمليات إقليمية أساسية، فيما تحوّلت الجغرافيا العراقية إلى ممر يوسّع نطاق تهديد الصواريخ والمسيّرات.
أما اليمن، فقد قدّم نموذجًا مختلفًا للردع عبر نقل الصراع إلى المجال الاقتصادي–البحري. فتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وتعطيل ميناء إيلات، ورفع كلفة التأمين والشحن، وسّعت آثار الحرب لتطال التجارة العالمية والطاقة وسلاسل الإمداد. كذلك أدى استمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات إلى استنزاف الدفاعات الإسرائيلية وفرض حالة استنزاف نفسي واقتصادي متواصل.
في الحالة الإيرانية، لم تعتمد طهران فقط على التهديد الصاروخي المباشر، بل استخدمت أيضًا ورقة مضيق هرمز التي جعلت الإقتصاد العالمي أسير معادلة جغرافية وعسكرية لا يسهل كسرها أو تجاوزها. هنا تحوّل “الردع الممتد” إلى أداة سياسية، حيث استُخدمت الساحات الحليفة ضمن عملية تفاوضية أشمل هدفت إلى منع عزل أي جبهة أو استفرادها. كما أن الجمع بين التهديد في الخليج والضغط في البحر الأحمر عبر باب المندب خلق معادلة ردع مترابطة رفعت كلفة الحرب على الولايات المتحدة وأوروبا وحلفائهما اقتصاديًا واستراتيجيًا.
في المقابل، مثّلت الجبهة اللبنانية نموذجًا للردع الممتد القائم على الاستنزاف البري والجوي خلال المواجهة. فاستنزاف القوات الإسرائيلية في الجنوب، وإجبارها على نشر قوات كبيرة على الحدود الشمالية، خفّف الضغط عن الساحات الأخرى ومنع تركيز الجهد العسكري الكامل ضد إيران. كما أن إشغال منظومات الدفاع الجوي بالصواريخ القصيرة المدى والطائرات المسيّرة ساهم في إضعاف فعالية الاعتراض أمام الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى. وبهذا، ساهمت الجبهة اللبنانية ضمن شبكة الردع الإقليمية، في تشتيت الموارد العسكرية للخصم ورفع كلفة أي توسع للحرب.
ومع هذه البنية الرباعية الأبعاد، اتخذ الردع الإقليمي المشترك طابعًا شبكيًا قائمًا على توزيع الأدوار. فالعراق قيّد الحركة الأميركية، واليمن هدّد الملاحة الدولية، ولبنان استنزف الجبهة الشمالية للكيان، فيما استخدمت إيران قدراتها الصاروخية وتحكمها بمضيق هرمز لفرض معادلات ردعية أوسع.
وتكمن أهمية هذه البنية في أنها منعت الاستفراد بأي ساحة، وحوّلت أي تصعيد موضعي إلى احتمال لحرب إقليمية متعددة الجبهات، بما رفع الكلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية على الخصم ومنع تحقيق الحسم السريع.
بذلك، تطوّر “الردع الممتد” من مفهوم يرتبط بحماية الحليف إلى منظومة إقليمية متداخلة تنتج ردعًا متبادلًا متعدد الساحات.. وفي هذا السياق، تمايز نمط الردع تجاه الكيان عن نمط الردع تجاه الولايات المتحدة؛ إذ قام الأول على استنزاف الجبهة الداخلية وخلق حالة خوف وتعطيل للحياة الطبيعية، بينما قام الثاني على رفع كلفة النفوذ العسكري وتهديد المصالح الاقتصادية العالمية وممرات الطاقة والقواعد العسكرية الأميركية.
هكذا، تحوّلت “وحدة الساحات” خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران من خطاب سياسي إلى بنية عملياتية أعادت صياغة قواعد الاشتباك الإقليمي عبر ربط الجبهات ببعضها ضمن معادلة “ردع ممتد” ومتبادل؛ تفرض على العدو إعادة الحسابات وتساهم في إعادة تشكيل موازين القوى بعدما عرقلت هندسة الإقليم وفق الرؤية الصهيو-أميركية.
