لاحظنا أمورًا أخرى من الجدير بنا، كطرف ثالث، الانتباه إليها ونحن نستعد لاستقبال نجاح هذه القمة أو فشلها. كثيرة هي التطورات والمتغيرات المحيطة بانعقاد هذه القمة، والمتوقع منها التأثير في نتائجها. أختار، فيما يلي، بعضها، وهو البعض الذي أثار اهتمامي أكثر من غيره:
أولًا: جرى استثناء الاستعدادات الجارية منذ شهور عديدة للتحضير لهذه القمة من دور واضح أو صريح لأسماء أشخاص مرتبطين بالرئيس الأميركي عائليًا أو بمصالح شخصية، مع العلم بأنهم لازموا معظم، إن لم يكن كل، الاتصالات أو المفاوضات التي جرت بين إدارة ترامب ودول وجماعات في الإقليم. وتشير أكثر هذه المفاوضات إلى أنها لم تحقق نجاحًا يُذكر، فاستحق هؤلاء المبعوثون أو المتفاوضون الشخصيون، حسب رأي سائد، صفة “مهرجي القصر”، وفي رأي آخر “صيادي الصفقات”.
ثانيًا: لم يمنع وجود هؤلاء الأشخاص جماعات المصالح التقليدية والطارئة من ممارسة ضغوطها على الجهة المنوط بها الاستعداد والتحضير لهذه القمة. وتصدرت هذه الضغوط ضغوطٌ من حكومة تايوان، وجماعة المزارعين الأميركيين، وإسرائيل بمختلف أذرعها المندسة في كل مكان في النظام السياسي الأميركي، وبقيت الصدارة المطلقة في هذه الضغوط لمن يُطلق عليهم “الخمسة الكبار”، وأقصد الخمسة المسيطرين على صناعة التكنولوجيا الأحدث والأكثر تطورًا والأهم دورًا بين جماعات الضغط.
ثالثًا: في الوقت الذي لم يكن لدى الصين انشغال خارجي جاد وخطير يشتت جهود الإعداد المتوازن للقمة، كانت الولايات المتحدة منشغلة كليًا بحرب ضد إيران دفعتها إليها إسرائيل بالاشتراك مع جماعة ضغط ما ظل لعقود يُعرف بالمجمع الصناعي العسكري.
رابعًا: كالمعروف عن صنع السياسة في الصين، أتصور أن تستمر الأجهزة الصينية المخصصة للاستعداد للقمة تعمل ضمن قواعد ثابتة وأطر مؤسسية منضبطة، وضغوط أغلبها مشتق من التزام بالمصلحة “القومية” العليا، وهو الالتزام الذي لازم، أو التصق لزمن ممتد، بالمصلحة “الشيوعية” العليا، قبل أن ينفصل تحت مسمى “العقيدة الاشتراكية ذات الطابع الصيني”، كتعبير عن سياسات رأسمالية المضمون مطعّمة بضمانات اشتراكية، وخاضعة لرقابة حزب لا ينام حراسه.
وكالمعروف عن صنع السياسة في عهد حركة “الماغا”، أو “أميركا أولًا”، احتفظ الرئيس ترامب لنفسه بحق إدارة دفة الحكم تبعًا لمزاجه وتقلبات أهوائه ونزعاته الأقرب إلى نزعات المصابين بداء النرجسية المشبع بميول المتقدمين جدًا في العمر وبعض السلوكيات غير الرشيدة.
خامسًا: أتوقع ارتباكًا شديدًا في تصرفات الجانب الأميركي خلال لقاءات القمة، وفي رد فعل الجانب الصيني، مع تكرار مؤلم ومهين لما حدث خلال زيارة ملك بريطانيا للولايات المتحدة قبل أيام قليلة. ولم أجد مبالغة في حجم رد الفعل البريطاني لتجاوزات الرئيس الأميركي خلال الزيارة الملكية، سواء من ناحية المراسم أو من ناحية الجوهر، مثل مضمون الخطاب. إذ يتردد في وسائل الإعلام ما معناه أن الهزيمة الشنيعة لحزب العمال البريطاني الحاكم في الانتخابات المحلية جاءت نتيجة، وإن متأخرة، لفشل الزيارة الملكية لأميركا.
سادسًا: ما نزال، كغيرنا من المهتمين والمتابعين، ندرس الخلاصات التي أسفرت عنها، وما تزال تسفر، تطورات الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران. هذه الحرب التي نزلت علينا، وكنا شهودًا، كالصاعقة. لم تترك أخدودًا كان أم ثقبًا في جدار العرب إلا ونفذت منه لتخرب وتدمر وتنشر الوقيعة، وتعمق خلافات قائمة، وتزيد الفقراء فقرًا، وتسلب من الأغنياء هناءهم وغناهم، وتشتت الفكر والإرادة، وتشكك في مسلمات، وتدحض قناعات راح الظن بها إلى أنها كانت قد استقرت عقائد وتقاليد راسخة.
صحيح أن الحرب لم تحقق لناشبيها جل أهدافهم منها، إلا أنه صحيح أيضًا أنها صنعت أسوأ ما في كوابيس أحلام السياسة، ما لم يتخيله سياسي أميركي من قبل. نستطيع أن نقرر، بالنسبة لما نحن بصدده الآن، أن الولايات المتحدة الأميركية استعدت لعقد قمة مصير طال انتظارها، وهي تعاني من أزمة ثقة مع الذات ومع الغير بطبيعة الحال. بالتالي، لا شك في أن دولًا آسيوية عديدة واقعة على الطريق الموصل بين الصين وأميركا أصابها بعض رذاذ هذه الحرب سيئة الطالع وسيئة الغرض، وأن تحالفات دولية بعينها قد يصيبها داء الانفراط أو التحول في الولاءات، مهددة بذلك الاستقرار الدولي والإقليمي لسنوات أو عقود قادمة.
سابعًا: يبدو لنا من على البعد أن قادة الحكم في “بيجيبنج”، أقصد في بكين، الاسم الذي تعودت عليه منذ أيام تتلمذي في مجال السياسة، ثم أيام قضيتها في العاصمة الصينية أتدرب كملحق دبلوماسي على العمل في مهنة لعلها بين أعظم وأقدم المهن في التاريخ، يبدو أنهم استطاعوا إقناع واشنطن بأهمية وقف الحرب ضد إيران، ولو على الأقل خلال فترة الاستعداد للقمة وخلال انعقادها. والمثير في هذا الموضوع انضمام قادة روسيا إلى هذه اللفتة الذكية من جانب قادة الصين، وتلقفها من جانب قادة الولايات المتحدة. بدت لنا هذه التصرفات كما لو كانت القمة الدولية تُجرّب نفسها من جديد. وبدت لنا أيضًا كما لو أن الصين انتهزت الفرصة لتعلن جاهزيتها لممارسة دورها كقطب فاعل وقابل للتصديق، ولتعلن أيضًا رفضها لسياسات تعتمد “قانون الغابة” أسلوبًا وسلاحًا في العمل الدولي.
ثامنًا: لا يغفل أحد عن الحضور غير المرئي، ولكن النشط، لروسيا في قمة بكين. فروسيا، على امتداد أربع سنوات، تحارب أوروبا، عدوها التقليدي والتاريخي. وهدفها منع أوروبا من أن تحقق حلمها بأن تصبح القطب الرابع في نظام دولي يجري تشكيله، وهو هدف تشترك فيه مع الولايات المتحدة، ولا تقف الصين ضده.
تاسعًا: توقفنا طويلًا أمام ما أطلق عليه بعض الخبراء “رسالة المرشد العام الجديد”؛ رسالةٌ أظن أنها، لو صحّت، موجهة أساسًا إلى قادة دول الجامعة العربية، وبخاصة إلى مصر. يتحدث المرشد العام عن “الخليج” باعتباره “هبة إلهية ورأسمالًا استراتيجيًا وامتدادًا لهوية حضارية”. وهي شروط أو سمات ضرورية ومتوافرة، في ظن من صاغها، للتعريف بالخليج العربي جزءًا من “نظام خليجي إقليمي” كبير ومتفرد.
***
يبقى واضحًا، لنا على الأقل، أن ترامب لن يعود وقد حقق لنفسه ولحركة “ماغا” ــ (جعل أميركا عظيمة مرة أخرى) ــ حلمهما المشترك، بمعنى أنه لن يعود من قمة بكين وأميركا ما تزال مهيمنة على العالم.
ولت بعيدًا، ولا شك، فرصة أن تعود أميركا، أو أي قطب آخر، دولة مهيمنة. وأنتظر من قمة بكين أن تكون خير دليل.
(*) بالتزامن مع “الشروق“
