بكين التي عَرفتُها.. بكين في زمن الانحدار الأميركي

كل ما يتعلق بالصين يستهويني، حتى أيام الحرمان والفقر، وذكرياتي مع العصافير والذباب، وأمسياتي مع زوجة على وشك الإنجاب في شقة بمبنى سكن الأجانب، أثاثها سرير في غرفة النوم، وكرسيان من الخشب الخالص المحفور في صالة استقبال وانتظار، ومائدة كموائد لعب الورق في غرفة تنتظر مولوداً. كلها وغيرها كانت في عهدة مستر “كان”، الطباخ صاحب التجارب المديدة في قصور أثرياء العهد الديموقراطي. ما كان ينقصنا، وهو كثير، موجود في مكان ما. قيل لي من زميل سبقني إن هذا الموجود سوف يصبح متاحاً لي ولأسرتي فور الانتهاء من دراسة أو تحقيق يُجرى عن ميولي وسلوكي وأهداف حياتي في جمهورية الصين الشعبية.

ما أحلى أن تقف وراء نافذة تطل على ساحة وزارة حكومية، خرج بعض موظفيها إلى ساحة فضاء شاسعة ليصطفوا، متباعدين الواحد عن الآخر، لمدة نصف ساعة، والثلج الأبيض يتساقط في دعة وبهاء، فيباشرون ما يشبه التمرينات الرياضية، لكنها ليست كذلك. اعتدت رؤيتهم كل صباح وتقليد بعض حركاتهم غير المفيدة عضلياً، لكنها، كما سألت وعرفت، تمارين روحانية ونفسية ترقى إلى مستوى الأيديولوجيا. تذكرت أنني رأيت مثلها في نيودلهي، يمارسها رجال من مختلف الأعمار، كلٌّ يحتل ناصية أو ركناً من الشارع. بمعنى آخر، هي طقوس آسيوية، وبالمناسبة نراها الآن على الشاشات ونسمع عنها من شباب وشيوخ الأقارب والزملاء، يمارسونها تحت دعاوى مختلفة. أظن، بل وأثق، أنها نوع من الأيديولوجيا المستوردة أو المستخلصة من فلسفات أصولها هندوسية أو بوذية أو صوفية، أو مزيج منها مجتمعة، أو من فلسفات لا أصول لها.

***

كانت بكين أول مدينة صينية أراها أو أهبط فيها، باستثناء إطلالة من شباك فندق على مدينة كانتون في أقصى جنوب الصين، وإقامة لأيام في هونغ كونغ، المدينة الهجين، قبل أن يتولى الحزب الشيوعي الصيني أمر إعادتها صينية “نقية”. حدث هذا قبل أن يكتمل العقد الأول لتولي الحزب شؤون البلاد. سمعت من أستاذ علّمني شيئاً عن عالم الاستعمار الغربي، وأذكره يؤكد ضرورة أن نرى بأعيننا الصين قبل الثورة أو نقرأ عنها. وقد رأيت وقرأت، وأستطيع الآن أن أعزز نصيحة أستاذي وأضيف أن ما رأيت وقرأت ما زال يساعدني على فهم سلوك الرئيس الحالي “شي”، ومن قبله بعقود عديدة الرئيس المؤسس “ماو”.

عشت في بكين وقرأت عنها، ومررت بشنغهاي وقرأت عنها. عشت في بكين عندما كانت لافتة “ممنوع دخول الصينيين والكلاب” ما تزال تستقبلنا عند مداخل المساحة الشاسعة التي كانت تحتلها مباني ومدارس ونوادي الطبقة الإنجليزية ذات النفوذ الواسع في الصين، في عهد انحدار الإمبراطورية الصينية. قرأنا عن حرب فرضها الإنجليز على حكام الصين الذين تجاوزوا السلطات الممنوحة لهم من المحتل البريطاني، فراحوا يمنعون تجارة الأفيون التي كانت تكسب قوى الاستعمار من ورائها مداخيل هائلة لا تقل عن عائدات احتكار تجارة الشاي. قرأت عن شنغهاي، الميناء الذي تحكمت فيه جميع الدول الاستعمارية، بما فيها اليابان وأميركا وروسيا القيصرية. قرأت عن كيف كانوا يجمعون سنوياً آلاف جثث الأطفال الرضع الملقاة في خزانات النفايات، ويبيعون الزوجات وبناتهن.

مرة أخرى يتدخل الاستعمار في دولة آسيوية فيعطل مسيرة تقدمها. والتاريخ الاستعماري يسجل لنا أن أمتين، هما الهندية والصينية، كان مجمل الناتج القومي لكل منهما، قبل وصول الاستعمار الغربي والياباني، أعلى من ناتج أي دولة غربية كبرى. تحطمت إمكاناتهما، وبخاصة البشرية، وتعطل نهوضهما قروناً. كلاهما، على كل حال، مستفَزّ الآن، ولدرجة قصوى، للنهوض بسرعة وكفاءة لتعويض ما فُقد.

أشهد، مع كثيرين، أننا نعيش مرحلة قد تستحق تسميتها بالقرن الآسيوي في التاريخ السياسي المعاصر، باعتباره القرن الذي يشهد سلسلة من محاولات النهوض وتعويض ما فات وفُقد على أيدي دول غربية، ويشهد أيضاً، كما هو الحال في إفريقيا والشرق الأوسط، محاولات لقمع هذا النهوض بإثارة نعرات قومية وطائفية، وبالوقيعة بين دول الإقليم، وتهديد سلامة النظم الحاكمة وقياداتها. حتى الاغتيالات واختطاف المسؤولين أُعيدت ممارستها.

***

في ظل هذا الوضع المتفجر، وبعضه عن عمد، تشهد الهند ما يستحق أن يُطلق عليه ثورة ثقافية، لا تقل أهمية تاريخية عن ثورة الصين الثقافية التي أطلقها الرئيس ماو تسي تونج خلال العقد الأخير من حياته. والمرجع في الحالتين واحد، وهو الاعتماد على جذور أيديولوجية وتراثية ودينية.

اعتمدوا في الصين على مصادر وينابيع الماركسية اللينينية، مزودة بخلاصة الفكر الفلسفي الصيني، وأقصد تحديداً تدوير لحظات التوقف في مسيرة تطور الأشياء والحركات الثورية، بحيث لا تجد القوى المعادية للثورة فرصة للهجوم عليها أو تعطيل تطورها وديمومتها. أما في الهند، فقد ذهبوا بعيداً في الزمن ليستعيدوا جوهر وأصول الفكر في زمن سابق على وصول المغول، بطلائع فكرهم الغاطس في أصوله الآسيوية، وهي الأصول التي ساهمت في صنع ما يسمى الآن بالإسلام الآسيوي.

***

وقعت آخر هذه التطورات بينما كانت الولايات المتحدة، الدولة الأقوى في العالم المعاصر، تستعد لمرحلة انحدار أثّرت في كثير من معالم الزعامة والهيمنة وفي كل ما حولها. وكانت علامات الانحدار وأسبابه كثيرة، منها ما يلي:

-الدخل الفردي الحقيقي للمواطن الأميركي يتراجع.

-انتشر الفساد وتعدّدت أساليبه، وخصوصاً في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب الراهنة.

-تابعنا، وبالقلق الشديد، السلوك الشخصي للرئيس ترامب، وبخاصة سرعة انفعاله، وتناقض تصريحاته، وميله إلى إطلاق تهديدات عنيفة، غير مدرك، أو مدرك، أن القدر من القلق والتوتر الذي تتعرض له دوائر العدو يصيب أحياناً دوائر الرأي العام الأميركية المتعاملة معه وكذلك حلفاءه.

إقرأ على موقع 180  حرب الإبادة الصهيونية-الأميركية على غزة: الخلفية التاريخية والمآلات (1)

-فقدان متسارع لكثير من عناصر القوة الناعمة الأميركية.

-اندفاع الرئيس وراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والقوى المالية الصهيونية، التي يتردد أنها دفعته، برغم المعارضة الشعبية، إلى شن الحرب.

-الوقوع أكثر من مرة في أخطاء بروتوكولية أو تتعلق بمسائل حساسة داخل أميركا وخارجها، منها مثلاً التعدي الصارخ على مكانة بابا الفاتيكان، ومنها أيضاً التصرفات غير المقبولة أثناء الزيارة الرسمية لملك المملكة المتحدة.

-وبسبب هذا الانحدار، تضاف الآن حقيقة أن الولايات المتحدة لم تكسب حرباً واحدة شنتها منذ حملة أفغانستان، والتدخل العسكري المستمر حتى الآن ضد العراق. كذلك يحتج مناصرون لترامب على عملية اختطاف رئيس دولة فنزويلا، فضلاً عن تهديداته المتكررة ضد كندا والمكسيك وبنما وغرينلاند وكوبا وغيرها.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الشرق الأوسط الآسيوي.. الجديد!