ما الذي لن يتغير في الشرق الأوسط.. برغم شنّ الحرب على إيران؟

تُعيد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران رسم خريطة الشرق الأوسط بسرعة وقوة لم يشهدهما منذ عقود. لكن خلف كل ما حدث ويحدث، ثمة معادلات وثوابت راسخة لا تستطيع الحروب والقنابل ـ مهما بلغت دقتها ـ أن تزيلها أو تغيّرها.

لم يتوقف الخبراء والمحللون عن الجزم بصورة المنطقة بعد توقف القتال. يذهب البعض إلى التأكيد أن هذه الحرب ستعيد رسم الشرق الأوسط، وتسقط المحاور، وتنتج نظامًا إقليميًا جديدًا. وبعض هذا صحيح، فتاريخيًا تترك الحروب الكبرى شروخًا وتحولات عميقة في الخرائط والأنظمة والديموغرافيا. غير أن ثمة وهمًا منهجيًا يرافق كل حرب، يتمثل في الاعتقاد بأنها قادرة على محو كل شيء، وإنتاج صفحة بيضاء تُكتب عليها نقطة بداية جديدة للتاريخ، في حين يُكذّب التاريخ هذه الأوهام.

أثبت الشرق الأوسط، بقِدمه وحضاراته وسكانه، أنه منطقة استثنائية في قدرتها على استيعاب الهزات الكبرى وإعادة إنتاج نفسها. لقد شهد الفتح الإسلامي، والغزو المغولي، والحروب الصليبية، والاستعمار الأوروبي، ووصلته الحروب الباردة، وموجات التطرف والحروب الأهلية. ومع ذلك، بقي الشرق الأوسط عصيًا على التغيّر إلا في ما هو عضوي وطبيعي.

***

اليوم، مع بشائر انتهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، يبدو السؤال الأكثر غيابًا هو: ما الذي لن يتغيّر؟

أولًا: الجغرافيا الاستراتيجية. منذ أن وجد الإنسان نفسه في هذه البقعة من الأرض، حكمته الجغرافيا. مضيق هرمز لا يزال يتحكم في مرور ما يقارب خُمس نفط العالم، وقناة السويس لا تزال أحد أهم مراكز حركة التجارة الدولية، ومنطقة الهلال الخصيب لا تزال تربط آسيا بأوروبا. هذه الجغرافيا قدرٌ لا خيار، ولا تملك أي قوة عسكرية تغييرها.

إيران ستبقى دولة تتحكم في مضيق هرمز حتى بعد انتهاء الحرب، واليمن سيظل البوابة الجنوبية لأحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم، ومصر ستبقى مسيطرة على قناة السويس. في بعض الحالات، قد تغيّر الحرب من يحكم هذه المواقع، لكنها لا تستطيع تغيير ما تمثله جغرافيًا. وطالما بقيت هذه الجغرافيا، فإن الصراع على من يتحكم فيها سيبقى هو أيضًا.

ثانيًا: الجرح الفلسطيني لا تُهمّشه الحرب. وربما يكون أشد ما تكشفه الحرب على إيران من أوهام هو الاعتقاد بأن تدمير «محور المقاومة» سيزيل القضية الفلسطينية من الطاولة الإقليمية. هذا وهم هيكلي يخلط بين الأداة والجوهر. إيران استثمرت القضية الفلسطينية ووظفتها أيديولوجيًا وأمنيًا، لكنها لم تخترعها ولا تملك مفتاح إنهائها.

القضية الفلسطينية وُلدت قبل أن تولد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وستبقى حاضرة سواء نجح النظام الإيراني أو استمر أو فشل. وواقع معاناة ما يقرب من 9 ملايين فلسطيني يقاومون الاحتلال الغاشم لن تؤثر فيه عملية تدمير برنامج إيران النووي أو اغتيال المرشد الأعلى لثورتها الإسلامية.

وفي حين عُقدت الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020 على فرضية محورية مفادها أن إيران تمثل التهديد الوجودي المشترك الذي يجمع إسرائيل والدول العربية الخليجية في خندق واحد، وأن هذا التقارب الأمني كافٍ لتجاوز القضية الفلسطينية وتهميشها، فإن اندلاع الحرب على إيران كشف زيف هذه المعادلة وهشاشة بنيانها.

من جانبها، نجحت إيران في تصوير نفسها ضحية للعدوان الإسرائيلي ـ الأميركي، ما أعاد لها بعضًا من التعاطف الشعبي العربي الذي فقدته بسبب تدخلاتها في سوريا واليمن والعراق. وهذا يعقّد الرواية التي تقول إن إيران هي العدو الأول للعرب.

ومن ناحية أخرى، فإن الرأي العام العربي، من المحيط إلى الخليج، ومن جيل الشباب الذي يعيش في دول يجمعها سلام رسمي بإسرائيل، يظل مرتبطًا بهذه القضية بصورة تتجاوز الحسابات الرسمية للحكومات. ومن هنا، فإن أي ترتيب إقليمي لا يعالج الوضع الفلسطيني سيحمل بذور عدم الاستقرار في داخله.

ثالثًا: الانقسام الطائفي حقيقة باقية.. بنية تحتية لا تُهدم.

أسهمت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في تعميق التوترات الطائفية في أكثر من دولة في المنطقة، مثل العراق ولبنان واليمن وغيرها. لكن هذه التوترات لم تنشأ مع الثورة الإيرانية، ولن تنتهي بهزيمتها. الحرب ستضعف قدرة إيران على توظيف هذا الانقسام، وستغيّر ربما موازين القوى بين المكونات الطائفية في العراق ولبنان واليمن، لكنها لن تزيل الانتماءات الطائفية ذاتها. فالمجتمعات الشيعية في البحرين والعراق ولبنان والسعودية لها مظالمها ووجودها الاجتماعي المستقل عن طهران، وستواصل تشكيل المشهد السياسي في بلدانها بصرف النظر عن مصير الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

رابعًا: هشاشة الدولة العربية. ما لن تغيّره الحرب، وما لم تتسبب فيه أصلًا، هو الأزمة البنيوية للدولة الوطنية العربية. فالدول التي تعاني من تراجع المؤسسية السياسية، وضعف مؤسسات العدالة، وتضخم الأجهزة الأمنية على حساب مؤسسات الرعاية والتنمية، والاقتصاد الريعي غير المنتج، كانت هشّة قبل الحرب وستبقى هشّة بعدها، بل ثمة خطر أن تُعمّق الحرب هذه الهشاشة؛ فهي تشغل الحكومات العربية بمعارك أمنية وتحالفات ظرفية، وتؤجل أسئلة الإصلاح السياسي والاقتصادي التي تمس حياة المواطن العادي. والدول التي استثمرت في ملفات المواجهة مع إيران بدلًا من الاستثمار في أنظمتها التعليمية واقتصاداتها التنافسية تجد نفسها أمام فاتورة داخلية ضخمة بعد توقف القتال.

إقرأ على موقع 180  إدارة أزمة كورونا بالـ"ديليفيري".. مكانك راوح!

خامسًا: المتغطّي بأميركا يظل عريانًا. فمنذ ما قبل احتلال العراق عام 2003، تعرض النموذج الأميركي في المنطقة لتآكل متراكم في الثقة. فالشارع العربي ـ حتى في الدول الحليفة لواشنطن ـ ينظر إلى السياسة الأميركية بمزيج من الاستياء والاستهانة أحيانًا. وقد تعيد الحرب على إيران شيئًا من الهيبة الأميركية في عيون بعض الحكومات التي كانت تخشى هيمنة طهران، لكنها لن تعيد الثقة في الرؤية الأميركية للشرق الأوسط لدى الرأي العام العربي الواسع.

ولم تعد الهيمنة العسكرية قادرة بالضرورة على بناء الثقة السياسية. وأميركا تعلم ذلك من أفغانستان والعراق، وقد لا تستوعبه مرة أخرى في إيران.

(*) المصدر: “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  عن النبي يوسف في القرآن وسفر التكوين (3)