رسالة مفتوحة إلى الحكومة اللبنانية ممثلة برئيسها نواف سلام

أذكر أنه في أواخر عام 2019 وبدايات 2020؛ هذه المرحلة التي ما يزال اللبنانيون يختلفون حتى اليوم على تسميتها وتفسيرها، كانت حكومة سعد الحريري قد استقالت، وكانت البلاد تعيش حالة غير مسبوقة من الغليان السياسي والشعبي. يومها كنا مقتنعين بأن إسقاط حكومة فاشلة هو بحد ذاته إنجاز وضرورة. أما اليوم، وبعد سنوات من تلك الأحداث، أستطيع أن أقول إننا لم نكن نرى الصورة كاملة.

ربما كان ذلك بسبب حسن النية، أو السذاجة السياسية، أو ما يمكن تسميته بـ”نظرية المؤامرة”. لكن المؤكد أن حجم التعقيدات وقتها كان أكبر من قدرتنا على الفهم. فما بدا انتصاراً تبيّن لاحقاً أنه فتح الباب أمام فراغ سياسي عميق، وكرّس بصورة أو بأخرى هيمنة قوى كنا نظن أننا نجحنا في مقارعتها.

ومع ذلك، بدأت في تلك المرحلة محاولات جدية للتفكير ببديل عن السلطة لا مجرد الاعتراض على الأمر الواقع. تشكلت مجموعات متعددة، وتباينت الرؤى، لكن السؤال كان واحداً: إذا سقطت السلطة، فما البديل؟

في تلك الفترة حصلت نقاشات واسعة حول حكومة بديلة. أما أنا، فكنت أتجول حاملة نسخة من الدستور اللبناني، مقتنعة، بشيء من الاجتهاد وبكثير من السذاجة، بأن تشكيل الحكومات مسألة دستورية وتقنية يمكن أن تُدار بمعايير وكفاءات وبرامج، بمعزل عن موازين القوى والتعقيدات اللبنانية والإقليمية.

كانت الاجتماعات مستفيضة، وصارت مناقشة الأسماء والمعايير والكفاءات أشبه بفحص الـDNA، محاولين أن نجد أشخاصاً قادرين على تولي المسؤولية العامة. طُرحت أسماء عديدة لرئاسة الحكومة، وكنت أذكر أن اسمكم كان من بين الأسماء التي حظيت باحترام واسع وتوافق نسبي بين أطراف مختلفة. وكذلك عدد من الوزراء الذين ضمّتهم حكومتكم بعد ست سنوات.

أذكر ذلك اليوم لأن هذه الرسالة تبدأ من هناك.

***

السيد رئيس الحكومة؛

لم أكن أعرفكم شخصياً، لكنني كنت أعرفكم من خلال مسيرتكم المهنية ومواقعكم السابقة. وربما لأنني كنت أؤمن حينها بالمؤسسات الدولية وبمنظومة القيم التي تمثلها نظرياً، كنت أرى في وجودكم في الشأن العام أمراً إيجابياً، ليس لأن شخصاً واحداً يُغيّر بلداً، بل لأن الكفاءة والخبرة والنزاهة أفضل من غيابها.

أقول ذلك اليوم لأن المراجعة الصادقة تقتضي الاعتراف بالأوهام التي حملناها. كنت أعتقد أن المشكلة الأساسية هي في الأشخاص، وأن استبدالهم يُمكن أن يُغيّر المسار. أما اليوم فأعتقد أن المسألة أعمق: النظام نفسه قادر على هضم الكفاءات وإعادة إنتاج نفسه والحفاظ على ديمومته من دون أن يُحقق التغيير الذي نأمله.

***

بعد سنوات، أصبحتُم رئيساً للحكومة. ولا أريد الدخول في سجالات حول ظروف التسمية أو حجم التدخلات الخارجية، أو طبيعة الاختيارات السياسية في لبنان، فهذا جدل قديم ومتكرر وعقيم.

وليس الغرض هنا تقييم أداء الحكومة أو إصدار أحكام نجاح أو فشل بدافع الإعجاب أو الخيبة.

أدرك أنّ البعض سيعتبر أنني لم أذهب بعيداً بما يكفي في نقدكم إلى حدّ تخوينكم، والبعض الآخر سيُردّد أنني لم أذهب بعيداً بما يكفي دفاعاً عنكم وعن إنجازاتكم، في بلد اعتاد تحويل كل نقاش إلى اصطفاف، واختزال المواقف بين حدي التخوين والتصفيق.

جوابي أنّني أكتب هذه الرسالة إلى رئيس مجلس الوزراء؛ إلى الموقع الذي أصبح، بعد اتفاق الطائف، موقعاً أساسياً تُدار من خلاله شؤون البلاد والعباد وتُصاغ فيه الخيارات الكبرى التي تُحدّد مصيرنا كشعب.

وأتوجه أيضاً إلى شريحة واسعة أشعر أن أحداً لم يعد يتحدث باسمها؛ شريحة متضرّرة مباشرة وغير مباشرة من كل ما جرى ويجري في البلاد لكنها في الوقت نفسه ما تزال ترى في الدولة ملاذها الوحيد، وتؤمن بأن أمنها وكرامتها ومستقبل بناتها وأبنائها لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال دولة عادلة وقادرة.

شريحةٌ لا تجد نفسها ضمن الاصطفافات القائمة ولا في الشعارات المطلقة. شريحةٌ لا ترى نفسها في الانقسامات الحادة التي تملأ الشاشات والمنابر السياسية. شريحةٌ لا تُريد أن تُختصر هويتها السياسية بالاختيار بين مشروعين متقابلين، ولا أن يُطلب منها كل مرة أن تصطف بالكامل خلف هذا المعسكر أو ذاك. شريحةٌ تشعر أنها خارج النقاش العام، أو أنها أُخرجت منه قسراً.

وهذا ليس موقفاً نابعاً من اللامبالاة. وليس تعبيراً عن يأس أو انسحاب أو استسلام.

على العكس تماماً.

أنه نابع من خوف عميق، ومن قلق حقيقي على مستقبل بلدنا. لأنني أخشى أن يكون اختفاء هذا الحيز المشترك بيننا بالرغم من اختلافنا واختلافاتنا، من أخطر ما نخسره اليوم.

من هنا، ما يعنيني اليوم هو الواقع الحالي. فالمنطقة كلها تمر بتحولات سريعة، ولبنان يجد نفسه مجدداً في موقع شديد الهشاشة.

***

السيد رئيس الحكومة؛

من الطبيعي أن يفرض ملف المفاوضات اللبنانية الجارية مع إسرائيل نفسه على أي نقاش حول المستقبل.

وأود أن أوضح أنني لا أكتب لأدين أو أبرّر هذه المفاوضات، فالدول تتفاوض بطبيعتها. في حين أنّ السجال الدائر حول توصيف ما يجري على أنّها مفاوضات سلام أم استسلام، أم فرصة للخروج من صراع طويل، أم ذريعة لإعادة رسم التوازنات والحدود في المنطقة، هو مشروع وضروري، إلاّ أنني أعتقد أن هناك أسئلة أكثر إلحاحاً تسبق كل ذلك. أسئلة لا تتعلق فقط بنتائج أي تفاوض، بل بالطريقة التي يُدار بها، وبالأسس التي يُبنى عليها، وبالوجهة التي يُراد لبلدنا أن يسلكها من خلاله.

وربما أكثر مشهد يختصر نهج إدارة هذه المفاوضات هو ما شاهدناه خلال افتتاح مطار رينيه معوض في القليعات.

أعترف أنني، وأنا أتابع المشهد، تخيلت شاشة مقسمة: البقاع يشتعل، الجنوب يشتعل ويُنكّل به وتنتهك سيادته، الضاحية مدمرة، وفي المقابل احتفال رسمي بافتتاح مطار جديد في شمال لبنان.

إقرأ على موقع 180  فصل جديد من فصول الحروب السرية بين طهران وتل أبيب

لا انتقاصاً من المشروع أو من حق الإنماء، ولا اعتراضاً على مبدأ اللامركزية الإنمائية والإدارية في منطقة الشمال، لكن ما لم أستطع تجاوزه هو توقيته، وكيف يمكن أن يُستقبل وأن يُفسّر محلياً وإقليمياً على المستوين السياسي والعسكري، لا سيما أنّه جاء في مرحلة تمرّ فيها المنطقة بظروف بالغة الحساسية حيث أن عشر مساحة بلدنا مهدّد بالاحتلال وبأن تصبح أرضه غير قابلة للحياة.

في اليوم نفسه، كان جنود وضباط من الجيش اللبناني قد استشهدوا في وضح النهار. لم يكونوا مقاتلين في حزب الله. لم يكونوا عناصر في الحرس الثوري الإيراني. وما جعل المشهد أكثر إيلاماً أنّه جاء بعد يوم من الجولة الرابعة من مفاوضات واشنطن وعلى مسافة ساعات من توجه قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى إسلام آباد تلبية لدعوة رسمية من نظيره الباكستاني المشير عاصم منير..

قد نختلف حول التقييم، لكن ما أربكني هو التناقض بين واقع دموي على الأرض ومشهد رسمي يوحي بأن الأمور طبيعية.

وأمام هذا كله، أشعر أن لا أحد يملك قراءة كاملة لما يجري. العالم ومن ضمنه منطقتنا يتغير بوتيرة تكاد تتجاوز قدرة الناس على استيعابها، وما كان ثابتاً لم يعد كذلك وما كان مستحيلاً أصبح ممكناً.

***

أكتب رسالتي هذه من موقع الحيرة أكثر مما أكتب من موقع اليقين.

أكتب من موقع القلق أكثر مما أكتب من موقع المعرفة.

لكن ما يبدو واضحاً أن لبنان هو الخاسر الأكبر في هذا المسار.

ومن هنا، لا تهدف هذه الرسالة إلى تقديم حلول أو سجالات، بل إلى طرح أسئلة أكثر من الأجوبة؛ فإذا كانت المفاوضات الجارية في واشنطن اليوم تنطلق، من دور محوري للمؤسسة العسكرية اللبنانية، وإذا كان جزء أساسي من المقاربة المطروحة يقوم على تعزيز دور الجيش وحصر السلاح بيد الدولة، فهناك أسئلة أساسية يقتضي طرحها ومعالجتها:

-ما هي الخطة البديلة عن إعادة التموضع التي فُرضت على الجيش اللبناني في مجلس الوزراء؟ هل توجد خرائط واضحة بكل الأراضي المتنازع عليها أو المحتلة؟ وهل قُدمت رسمياً إلى الجهات الراعية والصديقة؟ وماذا عن قدرات الجيش والدعم والضمانات التي حصلت عليها الدولة؟ وما هي الالتزامات التي تلقتها من الدول التي سارعت إلى مباركة هذا المسار؟ وهل بدأ ذلك يترجم دعماً سياسياً أو مالياً أو عسكرياً ملموساً؟

وأريد هنا أن أكون واضحة تماماً. بالنسبة لي، لم يعد هناك من نقاش جدي أو مجدٍ حول مدى استقلالية القرار العسكري لدى حزب الله وشرعية حصره في يد الدولة. ما جرى خلال السنوات الماضية، وما جرى خلال هذه الحرب تحديداً، يكفي لإثبات أن قرار الحرب والسلم لم يكن قراراً لبنانياً مستقلاً، بل ارتبط بحسابات واستراتيجيات إيرانية إقليمية تتجاوز لبنان نفسه ومصلحة شعبه وحقه بالمقاومة.

وثمة من يعتبر أن المشكلة الأساسية تكمن في أن قرار حزب الله ولا سيما من خلال الغطاء السياسي الذي تؤمّنه له بدعة “الثنائي” في الداخل وعلى صعيد المؤسسات الدستورية يرتبط، بدرجات متفاوتة، بحسابات وقوى خارجية، وفي مقدمتها إيران.

لكن المشكلة أن هذا ليس كل المشهد. والخشية أن يبقى قرار السلم والحرب رهينة لصراع المحاور نفسه مهما تبدّلت أطرافه، سواء أكانوا رابحين أم خاسرين.

فإذا كانت الدولة اللبنانية اليوم تعتبر أن مسألة السلاح ومستقبل الدور العسكري لحزب الله هما من الملفات المحورية التي تعمل على معالجتها، فلماذا يبدو المشهد أحياناً وكأن الدولة تتفاوض مع الخارج أكثر مما تتحدث مع المواطنين اللبنانيين المعنيين مباشرة بنتائج هذه العملية؟

أنا لا أتحدث هنا عن قيادة حزب الله أو “الثنائي”، بل أتحدث عن شريحة واسعة من اللبنانيين، لها وجود اجتماعي وثقافي وسياسي ومناطقي لا يمكن شطبه بقرار، ولا تجاهله بخطاب، ولا اختزاله فقط بعنوان أمني. هؤلاء مواطنون لبنانيون أيضاً. من حقهم أن يسمعوا من دولتهم مباشرة، لا من الإسرائيليين ولا من الأميركيين ولا من التسريبات الإعلامية، ما هو المشروع المطروح لمستقبل المناطق التي يعيشون فيها وللمستقبل الذي ينتظر أولادهم؟

***

إن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في ماهية القرارات التي قد تُتخذ، أو تُفرض، بل ربطاً بالصورة التي تتشكل أمامنا، وهي صورةٌ توحي أحياناً بأن النقاش حول فئة من الناس وأجزاء من الوطن يجري خارج لبنان أكثر مما يجري داخله. صورةٌ توحي أحياناً بأن الدولة تتفاوض حول هذه الشريحة أكثر مما تتحدث معها.

قد يكون هذا الانطباع خاطئاً، وأتمنى ذلك. لكن ما أراه اليوم هو فجوة تتسع بين ما يُقال وما يُعاش، وبين روايات مختلفة داخل البلد نفسه.

فالدولة لا تُبنى فقط باستعادة الأرض أو بتوقيع الاتفاقات، بل أيضاً عندما يشعر مواطنوها أنهم جزء من القرار، وأن تصوّر مستقبلهم يُناقش معهم لا بالنيابة عنهم.

المشكلة ليست أنني لا أعرف. المشكلة أننا جميعاً لا نعرف. وهذا، في لحظة كهذه، لم يعد هذا الأمر تفصيلاً. إنه جزء من الخطر الوجودي نفسه.

 

 

Print Friendly, PDF & Email
نايله جعجع

محامية لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  فصل جديد من فصول الحروب السرية بين طهران وتل أبيب