قد يكون من المبكر، بناء تصورات قطعية حول شكل الإقليم بعد جولة الحرب الأخيرة، أو تحديد ملامح الأفق الاستراتيجي للتوازنات في غرب آسيا؛ إلا أنّ تحليل المشهدية الراهنة يسمح بتسجيل عدد من الخلاصات الأولية، التي يصعب تجاهلها.
أولاً: سقوط هدف إنهاء «الأذرع»
عند بداية الحرب كان الحديث يدور عن تفكيك ما يسمى: «الأذرع الإيرانية»، من لبنان إلى العراق واليمن وفلسطين. وكان يُفترض أن تؤدي الضربات العسكرية إلى إخراج هذه القوى من المعادلة الإقليمية، أو بالحد الأدنى إضعافها وقطع ارتباطها بطهران.
ما حدث كان العكس تقريباً. فبعد الحرب لم يعد النقاش يدور حول إنهاء هذه القوى، بل حول كيفية التعامل معها وإدراجها في أي ترتيبات مقبلة. وهذا بحد ذاته اعتراف بأن مشروع تصفيتها لم ينجح.
«لم يعد الهدف الأطلسي المركزي كيف يتم إنهاء النفوذ الإيراني، بل كيف يتم تنظيمه»
ثانياً: من الأذرع إلى الدّيار
التحول الأهم، ربما لم يكن عسكرياً بل مفاهيمياً. فمفهوم الأذرع يفترض وجود مركز وأدوات تابعة له. أما ما كرّسته الحرب فهو تصور مختلف للأمن القومي الإيراني، يقوم على فكرة أن المجال الحيوي لا تحدده الجغرافيا وحدها، بل شبكة الانتماءات العقائدية والسياسية الممتدة في الإقليم.
بكلمات أخرى، انتقلت إيران من الدفاع عن حلفائها، الذين يصنفهم الخطاب السياسي لخصومها «أذرعاً»، إلى تثبيتهم كركيزة بنيوية في فضاء أمني وسياسي أوسع. فضاء يقترب من مفهوم «الديار»، الذي يجد تأصيله الفكري في الطروحات العقائدية التي تستند إليها الفلسفة السّياسية للجمهورية الإسلامية. وقد يكون هذا أحد أهم المكاسب السياسية التي خرجت بها إيران من الحرب.
ثالثاً: لبنان بين مشروعين
كان لبنان من أبرز الساحات التي عُوّل عليها لتحصيل نتائج سياسية كبرى. فقد راهنت قوى عديدة، على أن الحرب ستفتح الباب أمام إعادة صياغة التوازن الداخلي بصورة تعيد الغلبة إلى القوى الأقرب إلى الغرب وإسرائيل، وربما إلى فرض نسخة جديدة من “المارونية السياسية” لفتح الباب للتطبيع. الأمر كان يستهدف بالتتابع، انهاء وزن تيار الممانعة في المشهد السياسي اللبناني، بنفسه اليساري والعروبي – العابر للطوائف – وثقله الشيعي، المهيكل في ثنائي حزب الله وحركة أمل.
لكن الحرب انتهت من دون تحقيق هذا الهدف. وما ظهر حتى الآن، هو عودة الجميع إلى منطق التسويات والتوازنات، لا إلى منطق الغلبة والحسم.
رابعاً: إسرائيل من المركز إلى الذراع
هذه هي النتيجة الأكثر دلالة. فإسرائيل دخلت الحرب وهي تتصرف باعتبارها القوة الصاعدة، التي ستعيد رسم الإقليم. وكان الخطاب السائد داخل اليمين الإسرائيلي يقوم على أن لحظة التحول التاريخي قد وصلت. لكن متابعة كيفية إنهاء الحرب، تكشف صورة مختلفة تماماً. فالقرار النهائي، لم يصدر من تل أبيب بل من واشنطن. والإعلانات الحاسمة، لم تأت من الحكومة الإسرائيلية بل من الإدارة الأمريكية. وظهر وقف إطلاق النار كأنه قرار أمريكي يُبلّغ للحلفاء، أكثر مما هو نتيجة تنسيق وتشاور بينهم.
وهنا تظهر المفارقة: الحرب التي رُفعت فيها راية القضاء على «الأذرع»، انتهت بإظهار إسرائيل نفسها كذراع تنفيذية للسياسة الأمريكية في المنطقة.
الحرب انتهت باظهار إسرائيل كذراع تنفيذية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط
تقدير موقف
الملفات الخلافية بين واشنطن وطهران ما زالت قائمة، ومخرجات التفاوض تحتمل النجاح والفشل. وقد يكون من التسرع الحديث عن تبلور أسسِ نظامٍ إقليمي جديد والاقتراب من تسوية تاريخية. أمّا ما يمكن قوله منذ الآن، هو أن الحرب تُشكِّل قطيعة حِقبيّة. الهدف الأطلسي المركزي، لم يعد كيف يتم إنهاء النفوذ الإيراني، بل كيف يتم تنظيمه. ولم يعد التقييم الاستراتيجي لموقع إسرائيل، يستشرف أفق تحولها لقوة مركزية وحيدة في المنطقة، وإنّما يستمزج حجم الدور الذي بإمكان الولايات المتحدة تأمينه لحليفها الإسرائيلي، ضمن ترتيباتها الجيوسياسية الدولية.
لهذا، يعتبر الاتفاق الإطاري الحالي أكثر من مجرد نهاية لجولة عسكرية، بل إعلاناً عن انتقال سياسي ومفاهيمي. مرورٌ من زمن الحلفاء (الأذرع حسب توصيف الخصوم) إلى زمن «الدّيار» في عقيدة الأمن القومي الإيرانية، ومن طموح المركز إلى وظيفة «الذراع» في الحالة الإسرائيلية.
