يكتسب هذا المعنى دلالة خاصة في لبنان، حيث لم تكن أزمة السيادة ناتجة دائمًا عن قوة المحتل أو الوصي الخارجي، بل أيضًا عن استعداد قوى في الداخل لاستدعاء الخارج أو مقايضته على جزء من القرار الوطني مقابل تثبيت مواقعها أو إقصاء خصومها. فالانتداب والاحتلال والوصاية لم يدخلوا جميعًا من أبواب كسرها الأجنبي بالقوة؛ بل فُتح بعضها بطلب من رؤساء وزعماء وأحزاب اعتقدوا أن بإمكانهم استخدام الخارج مؤقتًا، قبل أن يتحول هذا الخارج إلى شريك في الحكم أو وصي عليه وعليهم!
تعود هذه الإشكالية اليوم مع “الاتفاق الإطاري” الذي وقعه لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن في 26 حزيران/يونيو 2026. فقد وصفه رئيس الجمهورية جوزاف عون بأنه خطوة أولى نحو استعادة السيادة، ورأى رئيس الحكومة نواف سلام أنه يفتح الطريق أمام الانسحاب الإسرائيلي وعودة المهجرين، فيما اعتبره رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع فرصة تاريخية، وقال رئيس حزب الكتائب سامي الجميل إن لبنان خرج منه منتصرًا.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز الاتفاق نفسه: هل يشكل هذا الاتفاق استعادة للسيادة، أم أنه يعكس، بصيغة جديدة، الإشكالية التاريخية التي رافقت الدولة اللبنانية منذ نشأتها؟
تعريف السيادة
ليست السيادة في التاريخ مفهومًا قانونيًا فحسب، فالسيادة تُعرّف بأنها السلطة العليا للدولة داخل إقليمها، واحتكارها المشروع للقوة، وقدرتها على حماية حدودها، واختيار حكامها، وإدارة مؤسساتها ومالها العام، وصوغ سياستها الخارجية بحرية. لكن تطبيق هذا المفهوم على التجربة اللبنانية يكشف فجوة مزمنة بين سيادة قانونية يعترف بها المجتمع الدولي، وسيادة فعلية توزعت، بدرجات متفاوتة، بين الطوائف والأحزاب والقوى المسلحة والدول المؤثرة في الشأن اللبناني.
لذلك، لا يعود السؤال: هل لبنان دولة مستقلة قانونيًا؟ فهذا الأمر حُسم منذ الاستقلال والجلاء. السؤال الأهم هو: هل امتلكت الدولة اللبنانية يومًا قرارها السياسي والأمني والاقتصادي بصورة كاملة،أم بقيت السيادة تُرفع شعارًا في مواجهة الخصوم، ثم يجري التنازل عن جزء منها عندما يصبح الخارج حليفًا أو ضامنًا لبقاء السلطة؟
ضمان السيادة أم الانتقاص منها؟
ينص “الاتفاق الإطاري” على أن يستعيد الجيش اللبناني سلطته على الأراضي اللبنانية، لكن ضمن عملية متدرجة ومشروطة، يرتبط فيها الانسحاب الإسرائيلي بالتحقق من نزع سلاح الجماعات غير الحكومية وتفكيك بنيتها العسكرية.
وفي “المناطق التجريبية” المتفق عليها، لا يبدأ الإعمار ولا يعود السكان إلى قراهم إلا بعد التأكد من تنفيذ هذه الالتزامات الأمنية. كما ينشئ الاتفاق مجموعة تنسيق عسكرية بمشاركة الولايات المتحدة، ويجعل جزءًا من المساعدات المقدمة إلى الجيش اللبناني مرتبطًا بمراحل تنفيذ قابلة للتحقق والرقابة.
والأكثر دلالة أن عودة اللبناني إلى منزله لا تظهر في الاتفاق حقًا أصيلًا لمواطن هجّرته الحرب، بل نتيجة مؤجلة ترتبط باستيفاء شروط أمنية. وبهذا المعنى، يتحول الاحتلال إلى أداة ضغط، والمهجرون إلى ورقة تفاوض، والإعمار إلى مكافأة مرتبطة بالأداء.
كما تلزم المادة الحادية عشرة لبنان والولايات المتحدة بمنع وصول الأموال إلى الجهات أو الأفراد المرتبطين بالجماعات المسلحة غير الحكومية، ومنع استفادة هذه الجهات والكيانات المتصلة بها من أموال الإعمار، بما يجعل تنظيم حركة المال وإدارة عملية إعادة الإعمار جزءًا من ترتيبات أمنية دولية، لا شأنًا يخضع حصريًا للقانون اللبناني ومؤسساته الرقابية.
وتضيف المادة الثالثة عشرة بعدًا آخر، إذ تلزم لبنان وإسرائيل بوقف الأعمال “العدائية أو السلبية” في المحافل السياسية والقانونية الدولية، بما يقيّد قدرة لبنان على ملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية أمام الهيئات الدولية، وهو ما يطرح تساؤلات تتعلق بحدود حرية الدولة في استخدام الأدوات القانونية التي يتيحها القانون الدولي للدفاع عن حقوقها.
السيادة اللبنانية في مرآة التاريخ
لم تظهر السيادة في لبنان، منذ قيام دولة لبنان الكبير سنة 1920، بوصفها حالة مستقرة ومكتملة، بل باعتبارها مسارًا تاريخيًا متعثرًا، تعرّض باستمرار لضغوط الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية. وبين السيادة القانونية التي كرّستها النصوص، والسيادة الفعلية التي مارستها الدولة، اتسعت فجوة رافقت مختلف مراحل التاريخ اللبناني الحديث.
ولذلك، يصعب تفسير انتهاك السيادة اللبنانية باعتباره فعلًا خارجيًا محضًا. فقد أسهمت بنية النظام الطائفي، وارتباط قسم من النخب السياسية والدينية والاقتصادية بعواصم عربية وأجنبية، في تحويل الخارج إلى عنصر دائم في معادلة التوازن الداخلي. ولم يكن السفراء والقناصل في كثير من المحطات مجرد ممثلين لدولهم، كما لم تكن الدولة الأجنبية مراقبًا محايدًا؛ بل تحولت أحيانًا إلى ممول أو وسيط أو ضامن، يُستعان به في انتخاب رئيس الجمهورية، ومواسم الانتخابات وتشكيل الحكومات، وتسوية النزاعات، ورسم الخيارات الأمنية والاقتصادية الكبرى.
ولادة دولة ناقصة السيادة
وُلد لبنان الكبير سنة 1920 تحت سلطة الانتداب الفرنسي، فكانت مؤسساته الناشئة تعمل تحت إشراف المفوض السامي الذي بقي المرجعية السياسية العليا. ولم يكن إعلان الدولة يعني امتلاكها سيادة كاملة، لأن القرار النهائي ظل بيد سلطة الانتداب.
وعندما حاول اللبنانيون التخلص من بقايا هذه الوصاية سنة 1943، ردّت السلطات الفرنسية باعتقال رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح وعدد من الوزراء. ولم يكتمل الجلاء إلا سنة 1946، بعد ضغوط عربية ودولية كان لبريطانيا، عبر الجنرال سبيرز، دور بارز فيها.
وهكذا، جاء الاستقلال ثمرة نضال وطني، لكنه تأثر أيضًا بموازين القوى الدولية التي رافقت نهاية الحرب العالمية الثانية.
أزمة 1958.. أول اختبار للاستقلال
كشفت أزمة العام 1958 مبكرًا أن الدولة اللبنانية لم تكن قادرة وحدها على إدارة انقساماتها الداخلية. فقد اتهمت حكومة الرئيس كميل شمعون الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) بدعم المعارضة عبر الحدود السورية، في حين تلقت القوى المؤيدة للرئيس شمعون بدورها دعمًا من أطراف خارجية.
ومع اتساع رقعة المواجهات، طلبت الحكومة اللبنانية تدخل الولايات المتحدة، فنزلت قوات المارينز إلى شواطئ بيروت في تموز/يوليو 1958. ولم تُحسم الأزمة داخل المؤسسات الدستورية وحدها، بل جاءت التسوية نتيجة تفاهم إقليمي ودولي شاركت فيه الولايات المتحدة والرئيس المصري جمال عبد الناصر، وأفضى إلى انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية.
كشفت تلك الأزمة أن الاعتراف الدولي بسيادة الدولة لا يمنع تحولها إلى ساحة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية عندما تعجز مؤسساتها عن إدارة خلافاتها الداخلية.
بنك إنترا.. واتفاق القاهرة
شكّل انهيار بنك إنترا سنة 1966 أكثر من أزمة مصرفية؛ فقد مثّل تحولًا في بنية القطاع المصرفي والمالي اللبناني. ومع انتقال القسم الأكبر من الودائع إلى المصارف الأجنبية وفروعها، تقلصت قدرة الرأسمال المصرفي الوطني على توجيه المدخرات والاستثمارات، واتسع النفوذ المالي الخارجي داخل الاقتصاد اللبناني.
ولم يكن ذلك الحدث معزولًا عن أزمة السيادة، لأن السيطرة على القرار الاقتصادي تُعد أحد وجوه السيادة الحديثة، تمامًا كما هو الحال في القرارين السياسي والأمني.
وبعد عامين فقط، هاجمت إسرائيل مطار بيروت الدولي ودمّرت عددًا من طائرات أسطول طيران شركة الميدل إيست، في مشهد عكس محدودية قدرة الدولة على حماية أحد أهم مرافقها السيادية.
ثم جاء اتفاق القاهرة سنة 1969، بين الدولة اللبنانية ممثلة بقائد الجيش ومنظمة التحرير الفلسطينية، برعاية الرئيس جمال عبد الناصر، لينظم الوجود الفلسطيني المسلح داخل المخيمات وعلى الحدود الجنوبية. ورأت السلطة اللبنانية فيه تسوية اضطرارية لتجنب انفجار داخلي، لكنه مثّل، عمليًا، تنازلًا عن جزء من احتكار الدولة لاستخدام القوة، بمجرد تشريع العمل الفدائي الفلسطيني عبر الحدود الجنوبية.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح داخل الدولة تنظيم مسلح يمتلك قيادته وقراره العسكري وعلاقاته الخارجية، وهو ما شكّل سابقة في تاريخ الدولة اللبنانية الحديثة.
ولم تنهَر السيادة اللبنانية دفعة واحدة مع اندلاع الحرب الأهلية سنة 1975، بل كانت قد بدأت تتآكل تدريجيًا خلال السنوات السابقة، حين قبلت الدولة بقيام سلطة أمنية موازية، إما لعجزها عن مواجهتها، وإما لأن قوى داخلية وخارجية وجدت في ذلك مصلحة مرحلية.
من الحرب الأهلية إلى الحقبة السورية
ومع اندلاع الحرب اللبنانية، لم تعد الدولة تحتكر القوة. فقد أنشأت الميليشيات إداراتها الخاصة، وأقامت الحواجز والمرافئ والسجون، وجبت الضرائب والرسوم، وربطت مناطق نفوذها بعلاقات مباشرة مع دول إقليمية ودولية.
وفي عام 1976، دخل الجيش السوري إلى لبنان بطلب من الرئيس سليمان فرنجية، وبدعم من قوى يمينية لبنانية رأت في هذا التدخل وسيلة لمنع انهيار موازين القوى العسكرية. وقد أسهم التدخل السوري في منع سقوط مناطق واسعة كانت تحت سيطرة القوى المسيحية، لكنه لم يؤد إلى استعادة الدولة لسيادتها، بل أضاف مركز قرار جديدًا إلى المشهد اللبناني.
ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي سنة 1978، قبل أن يتوسع بصورة شاملة عام 1982 ويصل إلى العاصمة بيروت. وفي ظل الاحتلال، انتُخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية، ثم وُقّع اتفاق 17 أيار(مايو) 1983 في عهد الرئيس أمين الجميل برعاية أميركية، قبل أن يسقط لاحقًا تحت ضغط سوريا وحلفائها.
وخلال تلك المرحلة، لم تعد السيادة مفهومًا واحدًا تمارسه الدولة، بل أصبحت موزعة بين سلطات متنافسة، لكل منها مرجعيتها السياسية ورعاتها الخارجيون، فيما تراجعت مؤسسات الدولة إلى موقع الطرف الأضعف في معادلة القوة.
ومع نهاية الحرب الأهلية في العام 1990 وحتى العام 2005، أصبحت دمشق مرجعية في تشكيل الحكومات، وصياغة القوانين الانتخابية، وتوزيع المناصب الأمنية والإدارية، وتسوية الخلافات بين الرؤساء، بل وفي التمديد للرئاسات. صحيح أن الدولة استعادت مبانيها ووزاراتها وجيشها، لكنها لم تستعد استقلالية قرارها. وبعبارة أخرى، انتهت حالة انهيار الدولة، لكن السيادة لم تنتقل كلها إلى المؤسسات؛ بل انتقل قسم كبير منها من حلقة الميليشيات إلى النظام الأمني السوري–اللبناني.
وبعد الانسحاب السوري عام 2005، لم تنتهِ المشكلة، بل انتقلت البلاد من وصاية غالبًا ما امتلكت مركزًا واحدًا إلى وصايات متنافسة. أصبح فريق يستند إلى سوريا وإيران، وفريق آخر إلى السعودية والولايات المتحدة وفرنسا، وتحوّلت السفارات إلى جزء شبه علني من عملية انتخاب الرؤساء وتشكيل الحكومات وخوض الانتخابات.
الخاتمة
لا تُقاس السيادة بما تنص عليه الدساتير أو الاتفاقات، ولا بمجرد الاعتراف الدولي بالدولة، بل بقدرتها الفعلية على احتكار القرار والموارد داخل حدودها. ومن هذه الزاوية، يبدو تاريخ لبنان الحديث سلسلة من المحاولات المتعاقبة لبناء سيادة وطنية، بقدر ما هو تاريخ لتنازعها بين الدولة والقوى الداخلية والخارجية.
ولا يعني ذلك أن لبنان كان استثناءً في التاريخ، فدول كثيرة عرفت احتلالًا أو وصاية أو تدخلًا خارجيًا، لكن خصوصية التجربة اللبنانية تكمن في أن الانقسامات الداخلية جعلت من الخارج، في أكثر من محطة، طرفًا في معادلة الحكم، لا مجرد عامل ضغط عليها.
وفي هذا السياق، لا يبدو “الاتفاق الإطاري” قطيعة مع الماضي بقدر ما يمثل حلقة جديدة في تاريخ طويل من الجدل حول حدود السيادة اللبنانية وكيفية ممارستها. ولذلك، فإن استعادة السيادة لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بقيام دولة تحتكر وحدها القرار والسلاح والموارد، وتستمد شرعيتها من دستورها ومؤسساتها، لا من توازنات الخارج.
فالسيادة ليست شعارًا يُرفع عند الأزمات، ولا امتيازًا تمنحه الدول الأخرى، بل ممارسة يومية لا تكتمل إلا عندما تصبح الدولة المرجعية النهائية لجميع مواطنيها، ويغدو الاحتكام إلى مؤسساتها بديلاً عن الاستقواء بأي وصاية خارجية.
باختصار، لا تكتمل السيادة من دون دولة مواطنة تطوي صفحة النظام الطائفي، ومن دون استراتيجية وطنية دفاعية لبنانية تهدف إلى دمج جميع القدرات المسلحة في الدولة، أما وضع البلد كله تحت رقابة خصم يحتل أرضنا، فإنه أكثر من استباحة للسيادة. إنّه الفتنة التي تُحوّل البلد إلى ساحة قتال بين اللبنانيين، وهذا هو جوهر التحذير الذي أطلقه رئيس مجلس النواب نبيه بري.
