حماس برئاسة خليل الحية: التمسك بالثوابت.. والتكيف مع المتغيرات!

لا يُمثّل اختيار خليل الحية لرئاسة المكتب السياسي لحركة حماس مجرد انتقال في موقع القيادة، بل يأتي في مرحلة تعيد فيها الحركة النظر في موقعها الداخلي وخياراتها السياسية بعد الحرب التي غيّرت قطاع غزة والحركة نفسها والبيئة الإقليمية المحيطة بها.

من هذه الزاوية، يعيد اختيار الحية طرح أسئلة أساسية حول مركز صناعة القرار في حماس، وعلاقتها بحلفائها، ودورها في المرحلة المقبلة، وقدرتها على الموازنة بين متطلبات المقاومة وحسابات السياسة في بيئة إقليمية ودولية سريعة التحول.

وتتجاوز دلالات اختيار الحية شخصه إلى طبيعة المرحلة التي تدخلها الحركة. فالمسألة لا تتعلق بمن يتولى الموقع الأول فحسب، وإنما بمركز الثقل الذي سيؤثر في صناعة القرار، ومدى حضور القيادات الأكثر ارتباطًا بغزة في رسم الخيارات السياسية، فضلًا عن مستقبل شبكة علاقات حماس مع الأطراف العربية والإقليمية والدولية المؤثرة.

ولا يمكن قراءة صعود الحية بمعزل عن التحولات العميقة التي فرضتها الحرب. فحماس لا تواجه فقط تحدي إدارة تداعيات مواجهة عسكرية قاسية دشنها “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وإنما تواجه سؤالًا أكبر يتعلق بموقعها السياسي في المرحلة المقبلة، ومستقبل حضورها في قطاع غزة، ودورها داخل النظام السياسي الفلسطيني، وقدرتها على إعادة صياغة علاقاتها الخارجية.

ويُعد خليل الحية (أبو أسامة) من أبرز قيادات حماس التي جمعت بين العمل التنظيمي والحضور السياسي، إذ راكم خلال العقود الماضية خبرة داخل مؤسسات الحركة، إلى جانب ارتباط مباشر بملفات غزة. وتكتسب هذه الخبرة أهمية خاصة لأنها تجمع بين معرفة البنية الداخلية للحركة والتعامل مع الملفات الميدانية، وبين القدرة على إدارة قنوات الاتصال والتفاوض في مرحلة تحتاج فيها حماس إلى إعادة ترتيب أولوياتها.

وبرز اسم الحية خلال السنوات الماضية في عدد من الملفات التفاوضية الحساسة، وخصوصًا المفاوضات المتعلقة بالتهدئة وتبادل الأسرى والاتصالات غير المباشرة مع الوسطاء. ومن هنا، فإن حضوره السياسي يقوم على معادلة دقيقة: الحفاظ على الثوابت الأساسية للحركة، وفي الوقت نفسه التعامل مع المتغيرات التي فرضتها الحرب.

وستبقى هذه المعادلة موضع اختبار، خصوصًا مع انتقال مركز الاهتمام من إدارة المواجهة العسكرية وحدها إلى التعامل مع نتائجها السياسية والإنسانية والإقليمية. وتمنح خبرة الحية في التعامل مع الوسطاء الإقليميين ميزة مهمة في مرحلة تحتاج فيها حماس إلى إدارة علاقاتها الخارجية بحذر، كما يمكن قراءة صعوده داخل دوائر القرار بوصفه محاولة لتعزيز الصلة بين القيادة السياسية والواقع الذي أنتجته الحرب، وليس مجرد تعديل في الهيكل القيادي.

من يملك مركز القرار؟

يعيد اختيار خليل الحية طرح سؤال قديم داخل حماس بصيغة جديدة: أين يقع مركز الثقل الحقيقي في صناعة القرار؟ هل في الخارج الذي تولى تاريخيًا إدارة العلاقات السياسية والإقليمية، أم في القيادات الأكثر التصاقًا بغزة، حيث تتركز التداعيات المباشرة للحرب؟

منذ انتقال جزء من قيادة حماس إلى الخارج خلال تسعينيات القرن الماضي، حافظت الحركة بدرجات متفاوتة على صيغة تجمع بين مستويين من العمل: قيادة خارجية انشغلت بإدارة العلاقات السياسية والحضور الإقليمي والدولي، وقيادة داخلية كانت أكثر التصاقًا بالتنظيم والواقع الفلسطيني، وخصوصًا في قطاع غزة.

لكن الحرب أحدثت تغييرًا عميقًا في هذه المعادلة، ليس فقط لأنها أعادت الاعتبار إلى أهمية الميدان في صناعة القرار، وإنما لأنها أصابت أيضًا البنية القيادية للحركة وأعادت تشكيل أولوياتها وآليات عملها. لذلك ربما يكون الأدق النظر إلى اختيار الحية باعتباره جزءًا من عملية إعادة تركيب مركز القرار داخل حماس، لا مجرد انتقال للثقل من «الخارج» إلى «الداخل».

ارتبطت قيادة الخارج، وكان خالد مشعل أحد أبرز وجوهها، تاريخيًا بإدارة العلاقات السياسية وتوسيع حضور الحركة عربيًا وإقليميًا. أما الحية فيمثل تجربة قيادية أكثر اتصالًا بملفات غزة وتحدياتها المباشرة، من دون أن يعني ذلك وجود اختلاف جذري في الأهداف الأساسية للحركة.

فالاختلاف يتعلق بدرجة كبيرة بالخبرة والأولويات التي يفرضها الموقع والمرحلة. وإذا كانت قيادة الخارج قد منحت حماس مساحة أوسع للحركة السياسية والدبلوماسية، فإن التطورات الأخيرة جعلت الخبرة المرتبطة بالميدان وبملفات التفاوض الناتجة من الحرب عاملًا أكثر حضورًا في تحديد شكل القيادة الجديدة.

إيران والعالم العربي: معادلة الحية الصعبة

قد يكون أول اختبار سياسي أمام قيادة خليل الحية هو إدارة شبكة العلاقات الإقليمية التي أعادت الحرب تشكيلها، وفي مقدمتها العلاقة مع إيران، بالتوازي مع العلاقات الضرورية مع مصر وقطر ودول عربية أخرى مؤثرة في الملف الفلسطيني.

لم تُبنَ العلاقة بين حماس وإيران على تطابق فكري أو مذهبي، بل على تقاطع استراتيجي فرضته بصورة أساسية المواجهة مع إسرائيل. وهذا ما يفسر استمرار العلاقة على الرغم من مرورها بمحطات من التوتر والاختلاف، وكان أبرزها الخلاف الذي أعقب اندلاع الأزمة السورية.

وتمثل حماس بالنسبة إلى طهران حالة مختلفة عن عدد من حلفائها الإقليميين، فهي حركة فلسطينية سنية تمتلك قاعدة تنظيمية وحضورًا شعبيًا، ما يمنح العلاقة معها قيمة سياسية ورمزية تتجاوز البعد العسكري، ويسمح لإيران بتقديم تحالفاتها الإقليمية ضمن خطاب يتجاوز الانقسام المذهبي. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى حماس بوصفها جزءًا من شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني، وإن كانت طبيعة علاقة الحركة بطهران أكثر تعقيدًا من اختزالها في كونها مجرد «ذراع» إيرانية.

إقرأ على موقع 180  ترامب وإيران: حربٌ ربحت المعارك وخسرت الأهداف!

ويعزز اختيار الحية الاعتقاد بأن العلاقة مع إيران ستظل عنصرًا مهمًا في سياسة الحركة، وخصوصًا بالنظر إلى دوره السابق في إعادة تنشيط قنوات الاتصال بعد مرحلة الفتور التي أعقبت الأزمة السورية.

غير أن التحدي الحقيقي أمام الحية لا يتمثل في الحفاظ على العلاقة مع طهران فحسب، وإنما في منعها من التحول إلى قيد على قدرة الحركة على المناورة عربيًا. فحركة حماس تحتاج إلى شبكة تحالفاتها في معادلة القوة، لكنها تحتاج، في الوقت نفسه، إلى المجال العربي في معادلة السياسة والتفاوض والإعمار ومستقبل غزة.

وتحتفظ مصر بدور محوري بحكم الجغرافيا وعلاقتها المباشرة بملفات المعابر والتهدئة والتفاوض، فيما تضطلع قطر بدور بارز في الوساطة والملفات الإنسانية والسياسية. كما يمثل تعزيز التواصل مع دول عربية أخرى حاجة سياسية للحركة، خصوصًا بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه الدول في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بغزة أو بالقضية الفلسطينية عمومًا.

ومن هنا، يكمن أحد أصعب تحديات الحية في تجنب تحويل علاقات حماس الإقليمية إلى خيارات متعارضة. فالحركة تحتاج إلى الحفاظ على التحالفات التي تعتبرها استراتيجية، لكنها لا تستطيع، في الوقت نفسه، الاستغناء عن الانفتاح على محيطها العربي إذا أرادت الاحتفاظ بدور سياسي مؤثر.

وهذه ليست عملية توازن سهلة. فكلما اقتربت حماس أكثر من إيران قد تضيق أمامها مساحة الحركة في بعض العواصم العربية، وكلما ابتعدت عن طهران قد تخسر جزءًا من شبكة الدعم الاستراتيجي التي اعتمدت عليها طويلًا. وبالتالي، سيكون التحدي في إدارة المسافتين معًا، لا في اختيار إحداهما وإلغاء الأخرى.

ثلاثة مسارات أمام القيادة الجديدة

تتبدى أمام قيادة حماس الجديدة ثلاثة مسارات رئيسية، ليست بالضرورة متعارضة بصورة كاملة، لكنها تعكس مفاضلات ستحدد طبيعة حضور الحركة في المرحلة المقبلة.

المسار الأول هو الاتجاه إلى مقاربة أكثر براغماتية في إدارة الملفات السياسية، تقوم على الحفاظ على ثوابت الحركة مع اعتماد مرونة أكبر في التعامل مع الاستحقاقات التي تفرضها المرحلة، بما يشمل وقف إطلاق النار، نزع السلاح، تبادل الأسرى، إدارة المساعدات، إعادة الإعمار، والترتيبات السياسية المتعلقة بمستقبل القطاع.

لكن لهذه البراغماتية كلفتها أيضًا؛ إذ سيظل نجاحها مرتبطًا بقدرة القيادة على إقناع القاعدة التنظيمية بأن المرونة السياسية ليست تراجعًا عن الثوابت، وبقدرتها في المقابل على إقناع الأطراف الخارجية بأن الحركة قادرة على تقديم التزامات سياسية قابلة للتنفيذ.

المسار الثاني يتعلق بمستقبل دور حماس في إدارة قطاع غزة. فاستمرار تحمل المسؤولية المباشرة عن الملفات المدنية والسياسية قد يزيد الضغوط عليها ويحملها كلفة إعادة إعمار قطاع تعرض لدمار هائل، فيما قد يؤدي الابتعاد الكامل عن الإدارة إلى تراجع نفوذها السياسي.

لذلك قد تسعى الحركة إلى دعم صيغة فلسطينية توافقية تتولى إدارة الملفات المدنية وإعادة الإعمار، مع محاولة الاحتفاظ بدور سياسي وأمني مؤثر. غير أن هذه الصيغة بدورها تطرح سؤالًا بالغ الحساسية: إلى أي مدى يمكن الفصل بين التخلي عن أعباء الحكم والاحتفاظ بأدوات النفوذ؟

أما المسار الثالث، فقد يعكس اختيار الحية توجهًا نحو تعزيز الترابط بين القيادة السياسية والواقع الميداني. فقد أظهرت الحرب أن القرارات السياسية أصبحت أكثر ارتباطًا بالمعطيات الأمنية والتنظيمية، ما قد يدفع نحو نموذج قيادي يمنح القيادات الأكثر اتصالًا بغزة وزنًا أكبر، مع استمرار الحاجة إلى قيادة خارجية قادرة على إدارة شبكة العلاقات والاتصالات العربية والإقليمية والدولية.

والتحدي هنا أن تغليب الميدان على السياسة قد يضيق هامش المناورة، فيما قد يؤدي الفصل بينهما إلى تكرار مشكلة تعدد مراكز القرار. لذلك ستكون إحدى مهام القيادة الجديدة بناء صيغة تستطيع فيها حماس تحويل ما تبقى لها من عناصر قوة إلى نفوذ سياسي، بدل أن يصبح كل من السياسي والميداني عبئًا على الآخر.

ما بعد انتخاب الحية

لن يُنظر إلى اختيار خليل الحية بوصفه حدثًا تنظيميًا عابرًا، بل اختبارًا لاتجاه الحركة في السنوات المقبلة. فالحرب لم تغير قطاع غزة وحده، بل غيرت البيئة التي تعمل فيها حماس، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى القوة وجدواها وحدودها. لذلك، فإن ما سيحدد موقع حماس في المرحلة المقبلة ليس فقط مقدار ما بقي في يدها من أدوات القوة، وإنما قدرتها على الإجابة عن السؤال الأصعب: كيف يمكن تحويل القوة التي مكّنت الحركة من البقاء على قيد الحياة إلى سياسة تُمكّنها من التأثير في شكل اليوم التالي؟

 

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  رهانات "المحور" ويقظة العرب