إذا كان هدف دونالد ترامب حتى نهاية أيلول/سبتمبر الجاري، استخدام معركة النفط لقطع الشريان المالي لإيران التي تصدّر 90 بالمئة من نفطها إلى الصين مع حسم في الأسعار يراوح بين 30 و40 بالمئة، فإن السلاح المتوافر لديه هو العقوبات التي تتناول محطات التكرير الصينية والتهديدات المتمحورة على مصالح من يخرق العقوبات. وهنا تواجه الصين احتمالين:
الأول؛ أن تبدي مرونة وتلجأ إلى الحد من مشترياتها النفطية من إيران تجنباً للعقوبات، ما يؤدي إلى ارتفاع قليل في أسعار النفط الذي تسورده بكين من جهة وخسارة إيران سيولة نقدية من جهة ثانية، وعندها يمكن لترامب أن يقول قبل استحقاق تشرين الثاني/نوفمبر أن خطته تحقق الهدف المنشود.
الثاني؛ أن يرفض الرئيس الصيني شي جين بينغ الرضوخ لمنطق العقوبات ويواصل شراء النفط الإيراني، بل أن يذهب إلى التسديد بالعملة الصينية (اليوان). وفي هذه الحالة، تواجه خطة ترامب انسداداً بمعنى أنه لا يمكنه الذهاب بعيداً في العقوبات لأن ذلك من شأنه أن يفجّر حرباً تجارية بين الصين وأميركا في خضمّ الحملة الانتخابية الأميركية، الأمر الذي يُثير استياءً شعبياً واسعاً في الولايات المتحدة.
ويُعتبر فاصل تشرين الأول/أكتوبر “شهر كل المخاطر” لأن إسرائيل ستقترع للكنيست الجديد في السابع والعشرين من هذا الشهر، وقد ينتهز بنيامين نتنياهو هذه الفرصة ليدفع ترامب إلى “إظهار نتائج” الحرب على إيران. بدورها، تقترع الولايات المتحدة في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر، وفي حال بلغ سعر غالون البنزين عتبة الـ 5 دولارات بسبب أزمة مضيق هرمز فإن الحزب الجمهوري وزعيمه ترامب يخسران الانتخابات النصفية.
من جهة أخرى، يُعتقد أن إيران المأزومة اقتصادياً قد تقرر الانتقال إلى الهجوم على جبهتين:
الأولى؛ جبهة هرمز عبر التعرض لناقلات نفط، ما يجعل أسعار النفط تحلق عالياً، ويفرض على ترامب أن يرد عسكرياً قبل 15 يوماً من موعد الانتخابات النصفية.
الثانية؛ إعلان طهران رفع التخصيب النووي إلى مستوى 90 بالمئة، وبالتالي دفع الرئيس الأميركي إلى الاكتفاء بالظهور بمظهر الضعيف، أو العودة إلى القصف الجوي.
وها نحن نصل إلى الفاصل الثالث، وهو مطلع تشرين الثاني/نوفمبر وامتحان “الحساب الانتخابي” حيث يواجه ترامب نوعين من التحدي متقاطعين: الأول، الظهور أمام الناخبين بمظهر العاجز في وجه إيران ومشكلة الطاقة، وهذا أمر لا يمكن لقاعدته الشعبية أن تتسامح معه؛ والثاني، المجازفة بشن حرب قبل أسبوع من الانتخابات وخسارة الكونغرس تحت وطأة ارتفاع أسعار المحروقات.
ما هو السيناريو الأكثر ترجيحاً؟
من المحتمل أن تنتهج الصين خطاً وسطياً يقضي بأن تفاوض تجنباً للعقوبات، وأن تواصل في الوقت نفسه شراء النفط الإيراني. والنتيجة أن “النصر” لن يكون في جعبة ترامب الذي سوف يلجأ من باب التعويض إلى تصعيد الضغط السياسي والعسكري في منطقة الخليج، وذلك لإثارة الخوف من دون إطلاق النار، علماً أنه لا يمكن استبعاد “حادث ما” في المضيق في منتصف تشرين الأول/أكتوبر، وعندها فإن الأجندة الانتخابية قد تطغى على الاستراتيجية.
لماذا نفترض أن ترامب سوف يتراجع عوض أن يتقدم أو يهاجم؟
أولاً؛ هناك الحسابات الانتخابية، فإذا تبيّن في منتصف تشرين الأول/أكتوبر أن سعر البنزين يحلّق نتيجة عملية عسكرية أو أزمة مضيق هرمز، فإن الحزب الجمهوري يخسر الكونغرس. ثم إن ترامب يفضل ألف مرة أن يبدو ضعيفاً بشأن إيران على أن يخسر مجلس النواب، وإن كانت قاعدته الانتخابية قد تتقبل بسهولة تراجعاً سياسياً أكثر من التأقلم مع خمسة دولارات لغالون البنزين.
ثانياً؛ لم يعد لدى ترامب خطة عسكرية بديلة بعد فشل خطة “الموساد” لإسقاط النظام الإيراني، فضلاً عن أن خيار الخنق الاقتصادي لإيران لا يتحقق في ظل ممانعة الصين.
ثالثاً؛ احتمال اندلاع حرب حقيقية، لكن أحداً في واشنطن لا يريد ذلك قبل ثلاثة أسابيع من الاقتراع، بل حتى أن جنرالات البنتاغون يعملون لقطع الطريق على هذا الاحتمال. كذلك فإن ترامب سوف يبيع التراجع الاستراتيجي على أنه “نصر” ويزينه بخطاب يدّعي فيه أنه “بفضل الضغط الأقصى الذي مارسه فقد تم تركيع إيران. الصين تفاوض ونواصل النجاح، من دون حرب”.
يبقى احتمال وقوع “حادث ما” في حال التعرض لناقلة نفط من جانب إيران أو مجموعة مسلحة لا تأتمر بأوامر طهران، وعندها سوف يُجبر ترامب على الرد ولن يكون لديه خيار التراجع.
الخلاصة أن الصين هي التي تُقرّر ما إذا كان ترامب يمكن أن يصمد حتى تشرين الثاني/نوفمبر المقبل من دون حرب، فإذا اختارت عدم التحرك، سيكون على ترامب المفاضلة بين المجازفة بفشل عسكري، أو خسارة ماء الوجه.
