ها هو محمد نعمة فقيه يطلّ اليوم بروايته «كسر المخرز»، مستعيرًا عنوانًا يستفزّ المخيّلة الشعبية، ويستحضر المقولة الشائعة: «العين لا تقاوم المخرز». لكن العنوان يقلب المعادلة، ويدعونا إلى التساؤل: هل تستطيع العين، على ضعفها، أن تكسر المخرز؟ وهل تنجح الرواية في إقناعنا بإمكان انتصار المستضعف على قوة تبدو عصيّة على الكسر؟
تقع الرواية في 160 صفحة، وتأتي في إخراج أنيق، بطباعة متقنة وورق جميل، وغلاف بلون زيتيّ تتوسطه صورة ثلاثة رجال، توحي ملابسهم بأنهم ينتمون إلى حقبة الستينيات من القرن الماضي. وخلفهم سيارة صغيرة، فيما يتصاعد لهيب انفجار هائل، كأن الغلاف يختصر منذ اللحظة الأولى عالم الرواية: رجال عاديون يواجهون قوة عاتية، ومقاومة تبحث عن سبيل إلى اختراق جدار الاحتلال.
وتبدأ «كسر المخرز» من نابلس، المدينة الفلسطينية التي تختزن في أسمائها المتعاقبة طبقات من التاريخ الفلسطيني. فمن «شكيم» الكنعانية، التي ارتبط اسمها بالمكان المرتفع، إلى «نيابوليس» الرومانية، أي المدينة الجديدة، وصولًا إلى «نابلس» في العربية، تتبدّل الأسماء وتبقى الأرض شاهدة على تعاقب الحضارات والغزاة.
وليس استحضار نابلس في مستهل الرواية مجرد اختيار جغرافي؛ فالمدينة، بتاريخها وذاكرتها، تشكّل مدخلًا إلى حكاية تتشابك فيها مصائر الأفراد مع مصير شعب كامل، وتتحوّل فيها المأساة الخاصة إلى جزء من مأساة وطن.
طفل مخطوف يشعل فتيل الحكاية
تنهض الحبكة على اختطاف طفل حديث الولادة، يُدعى «سالم»، من أسرته في القدس المحتلة، على يد عصابة تعمل في خدمة الاحتلال. ومن هذه الواقعة تتفرّع الأحداث، وتتشابك الشخصيات والمواقف والمعارك، في مسار روائي تتداخل فيه العاطفة العائلية مع المواجهة الوطنية.
والطفل، على الرغم من أنه لا يؤدي دورًا فعليًا في مجريات الأحداث، يبقى محورها الخفيّ؛ فغيابه هو الذي يحرك الآخرين، ويوقظ فيهم إرادة البحث والمواجهة واستعادة ما سُلب منهم.
ومن خلال هذه الحكاية، يستعيد فقيه محطات من التاريخ الفلسطيني اللبناني، من مجزرة صبرا وشاتيلا في العام 1982 إلى اتفاق أوسلو عام 1993، وتحرير الجنوب اللبناني عام 2000، واقتحام آرييل شارون باحات المسجد الأقصى في العام 2000 حين كان زعيمًا للمعارضة الإسرائيلية.
هكذا لا تبدو الرواية منفصلة عن التاريخ، بل تتحرك في ظلاله، وتستعير منه شخصيات وأحداثًا لتمنح حكايتها بعدًا يتجاوز المصير الفردي لأبطالها.
ويُمكن القول إن رواية «كسر المخرز»، في جانب منها، موجّهة إلى أولئك الذين لم يعيشوا التجربة الفلسطينية، أو لم يعرفوا حجم المعاناة التي رافقت الاحتلال منذ عام 1948.
شخصيات تتقاطع عند حدود المقاومة والعمالة
على امتداد خمسة وعشرين مشهدًا، تتعاقب شخصيات الرواية وتتداخل مصائرها، وفي مقدمتها «شهاب»، القيادي المقاوم المتقدم في السن، الذي فقد أفراد عائلته جميعًا، لكنه لم يفقد إيمانه بقضيته. ومن وراء المشهد، يدير المواجهة بصبر وصلابة، جامعًا بين التجربة الطويلة والإرادة التي لم تنكسر.
وإلى جانبه، تحضر عائلة منصور، التي يشكّل اختطاف طفلها سالم الشرارة الأولى للأحداث، وعائلة بديع، ومجموعة من الشبان الذين يتطوعون لمساعدة منصور على استعادة وليده.
وفي الضفة المقابلة، تبرز شخصية «هارون الصفرا»، الذي تُقدّمه الرواية بوصفه أحد الوجوه المرتبطة بشبكات الجريمة العاملة لمصلحة الاحتلال، وتطلق عليه وصف «اليد القذرة للاحتلال».
ويستطرد الكاتب في رسم الخلفية العائلية والتجارية لهارون، مستحضرًا أسماء من التاريخ المصرفي والتجاري لبيروت، ومنها يعقوب صفرا ومصرفه الذي نشأ في عشرينيات القرن الماضي، فضلًا عن مؤسسات ومحال تجارية ارتبطت بذاكرة المدينة. وهنا يمتزج المتخيّل الروائي بإشارات إلى وقائع وأسماء تاريخية، في محاولة لإضفاء عمق زمني على شخصية الخصم وشبكة علاقاته.
أما «نورا» اللبنانية و«محمود» السوري، الملقّب بـ«الجوكر»، فيعملان مع «إستير»، لكنهما ينتظران الفرصة المناسبة للفرار من عالم فُرض عليهما بالقوة. وتكشف الرواية أنهما كانا من ضحايا الاختطاف على أيدي مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا، قبل أن يجدا نفسيهما داخل شبكة تستهدف الأطفال العرب والفلسطينيين، وتعمل على تجنيدهم لخدمة الاحتلال، مستفيدة من ملامحهما العربية ولهجتهما الفلسطينية وقدرتهما على الاندساس في التظاهرات الوطنية.
ومن خلال هذا التشابك، لا تعود المواجهة بين مقاوم ومحتلّ فحسب، بل تمتد إلى عالم من الخداع والاختراق والولاءات الملتبسة، حيث يصعب أحيانًا التمييز بين الضحية والأداة التي تستخدم ضد ضحايا آخرين.
بين القاموس الديني واللغة الوطنية
من الأمور التي تستوقف القارىء في «كسر المخرز» ابتعادها النسبي عن الشعارات الوطنية المألوفة، وحسنًا فعل محمد نعمة فقيه حين تجنّب إغراق السرد بالخطابة المباشرة؛ فالرواية ليست منشورًا سياسيًا، وقيمتها الأدبية لا تُقاس بعدد الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على تحويل القضية إلى بشر وأحداث ومصائر.
لكن هذا الابتعاد عن الخطاب الوطني التقليدي يقابله حضور كثيف للقاموس الديني، وخصوصًا على لسان «شهاب»، القيادي المقاوم شديد البأس، الذي تبدو لغته أقرب إلى لغة الحركات الإسلامية المقاومة منها إلى التعبيرات التي عرفتها الحركتان الوطنية اللبنانية والفلسطينية بمختلف تياراتهما.
ولفت انتباهي أيضًا تكرار كلمة «حماس». فهل أراد الكاتب، من خلالها، الإيحاء بالحركة التي تقاتل اليوم في غزة؟ أم أن الأمر مجرد تلاقٍ لغوي لا يحمل قصدًا سياسيًا مباشرًا؟
لا أملك جوابًا حاسمًا، لكن كثافة التعابير الدينية، واستحضار مفردات من قبيل «الإخوان المجاهدون في سبيله»، يجعلان القارئ أمام عالم تعبيري ذي مرجعية إسلامية واضحة. وتبدو شخصية “شهاب”، في هذا الجانب، أقرب إلى صورة القيادي في المقاومة الإسلامية المعاصرة، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو لبنان.
هذا الاختيار للشخصيات بقدر ما أراه حقًا مشروعًا للكاتب إلا أنه لا يمنع من السؤال عن طبيعة الخطاب الذي تريد الرواية أن تنقله إلى الأجيال الجديدة: هل هو خطاب مقاومة وطنية جامعة، أم خطاب مقاومة يتخذ من المرجعية الدينية أساسًا لتعريف ذاته والعالم المحيط به؟
الاختراق الأمني
من الأسئلة التي تثيرها الرواية أيضًا سؤال الاختراق الأمني، وهو سؤال لا يقل أهمية عن المواجهة العسكرية المباشر، وبخاصة في ضوء التجربة الممتدة من حرب الإسناد حتى يومنا هذا. فماذا يقصد فقيه بالتنصّت على الهواتف، وبالكاميرات التي تسجّل وتراقب، وبالمقاومة السرية في مرحلة ما بعد عام 2000؟ وهل يريد، من خلال هذه العناصر، الإشارة إلى بعض النكسات التي تعرّضت لها المقاومة في لبنان وفلسطين بسبب التجسّس والإهمال والثقة غير المحسوبة؟
تستوقفني هنا العبارة التي يوردها الكاتب عن «العاطفة التي أدمت العقول». إنها عبارة ذات دلالة عميقة؛ لأن العاطفة، حين تحجب القدرة على التمييز والتدقيق، قد تتحوّل من مصدر قوة إلى منفذ للضعف. وربما تكون إحدى الرسائل التي تسعى الرواية إلى إيصالها أن الإيمان بعدالة القضية، مهما بلغ من الصدق، لا يعفي أصحابه من مقتضيات الحذر والانتباه والمحاسبة.
رواية تبحث عن شاشتها
منذ الصفحات الأولى، راودتني فكرة أن «كسر المخرز» تصلح لأن تتحوّل إلى «سباعية» تلفزيونية. فمقوّمات العمل الدرامي حاضرة فيها: عائلة تتعرض لفاجعة، وطفل مخطوف، ومقاومون يسعون إلى استعادته، وشبكات من العملاء والمتورطين، وشخصيات تتقاطع مصالحها ومصائرها، وصولًا إلى مواجهة تتصاعد مشاهدها تباعًا.
وتملك الرواية، فضلًا عن ذلك، عناصر بصرية واضحة، بدءًا من المشاهد التي توحي بها لوحة الغلاف، وصولًا إلى عمليات المطاردة والمراقبة والمواجهة. كما أن تقسيمها إلى خمسة وعشرين مشهدًا يعزّز الإحساس بأن الكاتب يفكر بالصورة والحركة والحوار، بقدر ما يفكر بالسرد والوصف.
لكن هذه الخاصية نفسها تطرح سؤالًا نقديًا. فالحبكة، على ما فيها من تشويق، تميل أحيانًا إلى الحلول الميسّرة، وتتجه نحو خاتمة تبدو متوقعة سلفًا. وربما يخفف هذا الوضوح من التوتر الدرامي، خصوصًا لدى القارئ الذي يعرف أن الواقع الفلسطيني لم يكن، في معظم مراحله، بهذه السهولة أو السخاء في منح الانتصارات.
فالحياة لا تمنح أبطالها دائمًا النهايات التي يستحقونها، والتاريخ لا يستجيب بالضرورة للعدالة التي تتوق إليها النفوس.
غير أن هذا التحفّظ لا يلغي حق الروائي في أن يفتح لقارئه نافذة أمل. بل لعلّ التحدي يكمن في كيفية جعل الانتصار مقنعًا فنيًا، لا مجرد مكافأة معنوية تُمنح للشخصيات لأنها تقاتل في سبيل قضية عادلة.
الرواية، بما تستحضره من وقائع وأحداث وشخصيات، تتيح مدخلًا إلى ذاكرة الصراع مع الاحتلال، وإن ظلّ التخييل الأدبي فيها بحاجة إلى التمييز عن الوثيقة التاريخية.
وما يمنح العمل قيمته أنه لا يقدّم المقاومة بوصفها شأنًا عسكريًا معزولًا عن المجتمع، بل يحاول إظهارها في صلتها بالبيت والعائلة والأرض والطفل والذاكرة. فالمقاومة هنا ليست شعارًا معلقًا في الهواء، وإنما محاولة لاستعادة حياة سُلبت، وكرامة انتُهكت، وحقّ أُريد له أن يضيع.
وإذا كانت الرواية تمتلك الكثير من العناصر الدرامية، فهل نجد مخرجًا بارعًا ينقلها إلى الشاشة، ويحافظ على روحها الوطنية والإنسانية، ويمنح شخصياتها من العمق ما يجعلها تعيش خارج صفحات الكتاب؟
ذلك سؤال أتركه مفتوحًا، كما أترك للقارئ متعة اكتشاف ما تخبئه «كسر المخرز» بين صفحاتها.
