زيارة إلى القدس.. أهميتها الدينية والسياسية في الإسلام

كلما توغلنا في الزمن، نكتشف أهمية القدس، دينياً وتراثياً وسياسياً وتاريخياً، وكيف كان يتم تخصيصها من قبل المسلمين بالزيارة وممارسة الشعائر فيها، الأمر الذي ميّزها عن الكثير من المدن الإسلامية.

يقول الكاتب الاصفهاني (ت. 1201) أنه عند ورود الخبر إلى دمشق باستيلاء جيش السلطان نور الدين على مصر في سنة 1169 (قاد الحملة أسد الدين شيركوه وبصحبته ابن أخيه صلاح الدين)، جاء إليه الحافظ ابن عساكر (ت. 1176) وطلب منه نقل رسالة إلى نور الدين، فحواها قصيدة ألّفها ابن عساكر لتهنئته بالفتح العظيم. هنا نصّ القصيدة:

لمّا سمحت لأهل الشّام بالخشب         عُوّضت مصر بما فيها من النَّشَب
وإن بذلت لفتح القدس مُحتسباً            للأجر، جوزيت خيراً غير محتسَب

وطهّر المسجد الأقصى وحوزته        من النجاسات والإشراك والصُّلب

عساك تظفر في الدنيا بحسن ثنا          وفي القيامة تلقى حُسن مُنقلب

ميزة القصيدة أنّها تربط فتح مصر (حكمها الفاطميون) بتحرير مدينة القدس (تحت سيطرة الفرنج). إذاً التهنئة بـ”الفتح” ليست إلاّ تذكيراً من ابن عساكر لنور الدين عن مسؤوليته الكبرى، وهي إعادة القدس كمدينة إسلامية.

لماذا هذه الأهمية للقدس؟

الجواب أن أهمية مدينة القدس في الإسلام هي في الدرجة الأولى دينية وتراثية، وبسبب ذلك هي أيضاً سياسية بامتياز. عندما كتب المسلمون الأوائل تاريخهم (طبعاً من منطلق العقيدة الإسلامية، وليس التاريخ الأكاديمي)، اعتبروا التاريخ التوراتي – المسيحي جزءاً من تاريخهم وتراثهم الديني. لذلك نجد شبه إجماع عند المسلمين أنّ التاريخ الإسلامي يبدأ من يوم الخلق إلى يوم القيامة، مروراً بفترة النبي محمد وما بعده. وأيّة قراءة في التراث الإسلامي المكتوب، مجزّأة كانت أم وافية، تشير إلى أنّ المسلمين عرّفوا أهمية القدس على أساس أحداث التوراة التي جرت في الأرض المقدّسة ومدينة القدس، كقصص الإسرائيليّات التي تمّ “أسلمتها” في كتب التراث (أي أخرجت من مصادرها الأولى ووضعت في أخبار منسوبة إلى النبي والصحابة وشخصيات إسلامية أخرى). مع الوقت، أضاف المسلمون إليها بعداً إسلامياً أخذوه من تجاربهم في القدس، مثل قصة إسراء النبي إليها ومعراجه منها، زيارة بعض الصحابة والتابعين لها أو سكناهم فيها، وكذلك الأمر مع بعض مشاهير الإسلام مثل أبو حامد الغزالي (ت. 1111).

تقديس القدس

ظهور أدبيات فضائل القدس (ككتب وأخبار متفرقة) – والتي تعددّ ميزات المدينة كأعزّ مكان عند الله أو كنقطة البداية والنهاية للعالم، وما يحصّله زائر هذه المدينة من الكرامات والمكاسب في هذه الدنيا وفي الآخرة – هو دليل على أهمية القدس. نرى تأثير ذلك مثلاً في ما يقوله الرحالة ناصر خسرو (ت. 1088) عند زيارته للقدس في شهر رمضان من سنة 1047: “وأهل الشام وأطرافها يسمّون بيت المقدس القدس، ويذهب إلى القدس في موسم الحج من لا يستطيع الذهاب إلى مكة من أهل هذه الولايات، فيتوجّه إلى الموقف ويُضحّي ضحيّة العيد كما هي العادة، ويحضر هناك لتأدية السنة في بعض السنين أكثر من عشرين ألف شخص في أوائل ذي الحجّة ومعهم أبناؤهم”. يعطينا هذا الوصف فكرة واضحة عن أهمية القدس وتخصيصها من قبل المسلمين بالزيارة وممارسة شعائر فيها تميّزها عن الكثير من المدن الإسلامية.

من دون شك، قام بعض العلماء المسلمين والولاة باستخدام هذه الأهمية الدينية والتراثية لمدينة القدس لأغراض سياسية. فاستخدمها العلماء، كما رأينا مع ابن عساكر في القصيدة أعلاه، للضغط على السلاطين من أجل تحريرها أو رعايتها. واستخدمها السلاطين أيضاً من أجل الحصول على شعبية وقبول عند الناس أو دفعهم للقيام بأمور معينة تحقق مبتغاهم ولا تفيد بالضرورة المدينة بشيء.

مع تفشي ظاهرة تقديس القدس، كما نرى في وصف ناصر خسرو (وغيره كثيرون)، طالها نقد وصل إلى حدّ التكفير. كما في كثير من المواضيع، لم يكن هناك اتفاق بين المسلمين حول قدسيّة مدينة القدس، وأشد نقد عليها جاء من ابن تيميّة (ت. 1328) الذي يزعم في رسالته قاعدة في زيارة بيت المقدس: “وما يذكره بعض الجهّال فيها من أنّ هناك أثر قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم وأثر عمامته وغير ذلك فكلّه كذب. وأكذب منه من يظنّ أنّه موضع قدم الرب. وكذلك المكان الذي يُذكر أنّه مهد عيسى عليه السلام كذب، وإنّما كان موضع معمودية النصارى، وكذا من زعم أنّ هناك الصراط والميزان أو أنّ السور الذي يضرب به بين الجنة والنار هو ذلك الحائط المبني شرقي المسجد، وكذلك تعظيم السلسلة أو موضعها ليس مشروعاً”.

نظرية التوراة جاءت من جزيرة العرب، باعتراف كمال الصليبي، بحاجة لتنقيب اثري حتى تعطينا البرهان إذا كانت صائبة أم لا. لكن كما هو معلوم، فالسعودية منعت منذ ظهور كتاب الصليبي أي بحث أو عمل أثري في المنطقة التي عرّفها المؤرخ اللبناني والعربي الكبير، كجغرافية بني إسرائيل القدماء.

يجب فهم هذه الآراء على أنّها كانت جزءاً من النقاش الذي حصل (ويحصل دائماً) في الإسلام حول كثير من الأمور بما فيها المعتقدات والعبادات والعادات. فما يقوله أمثال ابن تيميّة هو رأي في الإسلام وليس كل الإسلام أو حتى ليس بالضرورة الإسلام الصحيح إلاّ عند من يؤمن بذلك. وتقديس القدس هو رأي في الإسلام مبني على تراث ديني كبير (آيات قرآنية فسّرت على أنّها تشير إلى القدس، أحاديث نبوية، أحاديث للصحابة والتابعين، الخ). وحتّى ابن تيميّة، اعترف بجزء من هذا التراث ولم يكن هدفه تهميش القدس أو حذفها من القاموس الإسلامي بل تصويب نظرة المسلمين إليها وإبطال ما سماه بأمور غير مشروعة يقومون بها في المدينة وأماكن مشابهة.

كما ذكرت آنفاً، أنتجت الأهمية الدينية والتراثية للقدس في الإسلام أهمية سياسية للمدينة. أكثر من ذلك، أهّلتها لأن تصبح جزءاً أساسياً من هوية المسلمين الدينية والثقافية والسياسية، كما هو الحال عند اليهود والمسيحيين. وهذا الأمر ينطبق على يومنا هذا أيضاً إذ من المستحيل تجاهل أنّ القدس هي في جوهر الهوية الفلسطينية، مسلمة كانت أم مسيحية أم يهودية، دينية أم علمانية. والقدس هي عاصمة فلسطين في الوعي الفلسطيني، والعربي، والإسلامي وإن لم يكن ذلك شيء ملموس أو معترف به في النظام العالمي الحالي.

القدس وجغرافية تاريخ بني إسرائيل القديم

لا نجد في التراث الإسلامي المكتوب أراء تدحض تاريخية أحداث التوراة أو أنّ جغرافيتها كانت في الأرض المقدسّة ومدينة القدس. مثلاً، يقول ابن تيمية في كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: “والمؤمنون أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هم المتبعون للمسيح عليه السلام، ومن سواهم كافر به فأمة محمد صلَّى الله عليه وسلم فوق اليهود والنصارى إلى يوم القيامة، ولهذا لما جاء المسلمون يقاتلون النصارى غلبوهم، وأخذوا منهم خيار الأرض – الأرض المقدسة – وما حولها من مصر والجزيرة”. فابن تيمية لا يدحض مثلاً أنّ قبر إبراهيم في مدينة الخليل وما شابه من الأحداث التوراتية. كل ما يزعمه أنّ المسجد الذي بُنيَ على قبر النبي إبراهيم، بناه الفرنج في زمن الحروب الصليبية وأنّ زيارته كما باقي القبور والأماكن المقدسة عند أهل الكتاب ليست من العادات الإسلامية الصحيحة ولا يحل للمسلمين القيام بها.

مع قيام دولة إسرائيل واحتلالها للقدس (في سنة 1948، ثم كامل المدينة في سنة 1967)، ظهر رأي بين المسلمين ينفي علاقة التوراة وتاريخ بني إسرائيل القديم بمدينة القدس وفلسطين. هذا الرأي ليس له أساس في التاريخ الإسلامي. من الممكن أن نبنيه على التاريخ كعلم أكاديمي، لا على التاريخ الإسلامي. وما يزعمه البعض مثلاً أنّ المسجد الأقصى المذكور في الآية الأولى من سورة الإسراء (17) ليس مسجد الحرم القدسي الشريف بل مسجد الجعرانة هو أمر نظري لا حقيقة تاريخية. فالمؤرّخ (أعني من يدرُس التاريخ كعلم وليس كإيمان) ليست لديه قدرة على ترجيح روايات أساسها العقيدة إلا بوجود براهين علمية. استخدام الإيمان لترجيح الروايات التاريخية هو نوع من السفسطة يقوم به للأسف الكثير من المؤرخين. نعم كان هناك في البدء خلاف حول إسراء النبي (هل كان حلماً رآه أم إسراءً بالروح، أمّ إسراءً بالجسد) وعن مكان المسجد الأقصى (هل كان في السماء أو قريباً من مكّة أو في القدس). مع الوقت، أصبح الاعتقاد أنّ الإسراء كان جسدياً وإلى مدينة القدس شائعاً عند المسلمين. فالخلاف وإن دلّ على شيء مفيد للمؤرخ، هو أنّ المسلمين لم يكونوا في البدء على اتّفاق حول موضوع المسجد الأقصى ومكانه. أمّا موضوع الإسراء، فهو ليس حدثا تاريخيا بل حدثا إيمانيا لا يؤهّلنا كمؤرّخين على الجزم بمكان المسجد الأقصى في غياب أدلّة علمية.

تاريخيّة التوراة وجغرافيتها.. والصليبي

كذلك النقاش حول تاريخيّة التوراة وجغرافيتها. فعندما يقول كثير من المؤرخين المعاصرين (وأقصد هنا تحديداً في معاهد وجامعات أوروبا وأميركا الشمالية) أنّ التوراة كتاب خرافي، فهذا مبني على خلط بين قناعتهم الدينية والبراهين العلمية. من جهة، هم مقتنعون ومصرّون (على أساس المعتقد الديني والتراثي) أنّ تاريخ بني إسرائيل القديم حدث في فلسطين، ولكن ليس هناك من دليل علمي يربط أحداث بني إسرائيل القديمة بفلسطين والقدس (وهذا شيء لافت ومذهل إذا أخذنا في الاعتبار عشرات الالاف من الحفريات الاثرية في فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر والتي كان هدفها إثبات صحّة أحداث التوراة وتاريخ بني إسرائيل القدماء). فمثلاً ليس هناك أثر أو دليل علمي على وجود الهيكل في مدينة القدس الذي شيّده النبي سليمان حسب رواية التوراة والتراث الإسلامي.

إذاً من المهم التفرقة بين الإيمان والحقيقة التاريخية. وهذه التفرقة تحتّم على المؤرّخ عدم الجزم في التاريخ المبني على الإيمان إلاّ إذا كانت لديه أدلّة علمية. فأنا كمؤرّخ لا يمكنني القول أنّ الهيكل لم يبنَ بتاتاً أو لم يكن موجوداً في القدس أو هو في مكان آخر. الشيء الوحيد الممكن قوله إنه ليس لدينا دليل علمي على وجوده في القدس. وهذا مختلف عن نظرية المؤرخ الراحل كمال الصليبي أنّ التوراة جاءت من جزيرة العرب، وهي مبنية على قراءة لغوية جديدة للتوراة تختلف عن القراءة الإيمانية. فهو يقلب المعادلة: بدل الإصرار على صحيّة الجغرافية وخطأ النصّ، كما هو الحال الآن عند كثير من المؤرخين، فهو يعطي لنص التوراة قدرة أن يكون صحيحا في جغرافية أخرى (من دون الدخول في صحة كامل التفاصيل التي تسردها التوراة). هذه النظرية، باعتراف كمال الصليبي، بحاجة لتنقيب اثري حتى تعطينا البرهان إذا كانت صائبة أم لا. لكن كما هو معلوم، فالسعودية منعت منذ ظهور كتاب الصليبي أي بحث أو عمل أثري في المنطقة التي عرّفها المؤرخ اللبناني والعربي الكبير، كجغرافية بني إسرائيل القدماء.

إذاً قدّم كمال الصليبي قراءة على المؤرخين المهتمين تأكيدها أو دحضها بالأدلّة العلمية، لا بالأدلة الإيمانية. المهم أن نكون واضحين في ضرورة الفصل بين المعتقد والإيمان من جهة وبين التاريخ كعلم من جهة أخرى. لكن يجب أن نكون واضحين أيضاً أنّ التاريخ الأكاديمي ليست له القدرة (أو قدرته ضعيفة جداً) في تغيير الهوية التي بنيت على معتقدات راسخة وتراث عميق.

سليمان مراد

أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة سميث في نورثهامبتون في الولايات المتحدة الأمريكية، وعضو مشارك في معهد نانت للدراسات المتقدمة في فرنسا

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course