بهاء الحريري.. والزعامة المستحيلة

بالأمس، أطل علينا بهاء الحريري ببيان سياسي يحتاج إلى مكتب سياسي لصياغته، فمن أين إستولد كل هذه القدرات والإمكانات ومن أعطاه تفويض النطق بإسم ثورة 17 تشرين/أكتوبر في بيروت والشمال؟

كانت إطلالته الأولى في لحظة الإنفجار الكبير الذي أودى بحياة رفيق الحريري في منتصف شباط/فبراير 2005. تلك اللحظة التاريخية، فَجَّرت مكنونات من غضب الطائفة السنية وكثير من اللبنانيين رفضاً لإغتيال صانع الأحلام. لحظة إختلطت فيها مشاعر الإحباط والألم والخوف والغضب. هتف الناس بإسم بهاء وريثاً شرعياً، فأطل عليهم بعبارته المأثورة “يا قوم”. عبارة تدل على خواء سياسي وثقافي لا يليق بصورة والد مارد طبع الحياة السياسية اللبنانية لأكثر من عقدين من الزمن.

لم يطل الإنتظار. في العشرين من نيسان/أبريل 2005، صدر القرار العربي والدولي، ولو أنه كان مذيلاً بتوقيع “عائلة الحريري”. سعد الحريري تُناط به “القيادة التاريخية لكل الشؤون الوطنية والسياسية”. هذا القرار جاء مغايراً لمشاعر الناس وصيحاتهم العفوية. البيان رقم 1: سعد هو الوريث السياسي. أما نازك الحريري، فتتولى “الإشراف على الأعمال الخيرية والإنسانية”.

ماذا كانت النتيجة؟

غاب قسراً من إختارته حناجر الناس وعاطفتهم لمصلحة من إختارته “الدول” ومصالحها. غاب كأنه لم يكن وريثاً أو حتى إبناً. في قرارة نفسه، كان لا بد أن يحمل غصة ظلّت تتراكم طيلة عقد ونصف من الزمن، حتى تبدت مؤخراً كأنها جبل من حقد دفين وليس مجرد غصة.

15 عاماً من غياب النجل الأكبر، لمصلحة “الولد الثاني”، حملت في طياتها إنكسارات كثيرة لعل أبرزها غياب سعد القسري ثم الطوعي عن المشهد السياسي لخمس سنوات. سقوط حكومته، وهو على باب البيت الابيض؛ نهاية أسطورة “سعودي اوجيه”، وهي  صانعة الإرث والمجد بفعل التفسخات التي دشّنها إنسحاب بهاء المبكر منها قبل أن ينسحب ما فعله على باقي إخوته؛ تردي أوضاع المؤسسات الإجتماعية، نتيجة تردي أوضاع “سعودي أوجيه”؛ ثم كرّت سبحة الإنحدارات، فأقفلت المؤسسات الإجتماعية ومنها المستوصفات التي بلغ عددها 29 مستوصفاً في مختلف المناطق اللبنانية وبيعت أراضيها المملوكة من سعد ومن إخوته. لم يعنهم، لا من قريب ولا من بعيد، إزالة إسم أبيهم وإطفاء أنوار مؤسساته التي ساهمت على مدى سنوات في إضاءة إسمه وتراكم رصيده. بدا في لحظة من اللحظات، أن الناس أحرص على إسم رفيق الحريري وعلى صورته، من عائلة تتنازع ثروة سرعان ما بدّدتها. لم يكن ذلك إلا نكراناً للأب الذي طبع إسمه وعائلته عميقاً في وجدان اللبنانيين.

مع هذه الإنكسارات المتتالية، شهدت الحريرية، بما تمثل، تراجعاً في بيئتها، بفعل خيارات سياسية كما إدارة تنظيمية. لم يعمل سعد وفق مبدأ لكل زمان دولة ورجال، لا بل أخطأ في عدم فرض معادلته وفريقه. إعتمد على ذكائه الفطري و”كاريزماتيته”، من دون أي تعمق في التاريخ الذي يمكن أن يكشف له أسرار اللعبة السياسية في لبنان.

تحمّل سعد الحريري مسؤولية خيارات جاءت مخالفة للإرادة الإقليمية التي تأتي منها المشروعية عادةً. خالف تصوراتها وقواعد إشتباكها، ولا سيما بإنخراطه في تسوية سياسية أتت بميشال عون رئيساً للجمهورية في العام 2016. فجأة، وجد سعد نفسه وحيداً دون سند إقليمي ودون ثروة تحمي خياراته السياسية. كانت النتيجة يُتمٌ سياسي بينما كان يعتقد أن التسوية يمكن أن تشكل مفتاحاً لإعادة تلميع صورته محلياً وخارجياً.

لكن ما كان مأمولاً حصل عكسه. للسعودية رأيٌ آخر. فالراعي الإقليمي للحريرية يخوض حروباً إقليمية متعددة، وينزف دماً، فكان أن قرر رفع الغطاء عنه. وبلغ الأمر حد إعتقاله وإكراهه على تلاوة بيان إستقالته من قلب العاصمة السعودية.

 تعكس حركة بهاء طبيعته، فهو ـ كما يصفه بعض عارفيه ـ “رجل إنفعالي مزاجي أرعن يلعب بخفة وينسحب بصلافة. حاول اللعب في ذكرى إستشهاد والده، فكان أن حوّل الضريح الذي كان عنوان وحدة اللبنانيين إلى عنوان إنقسامي، قبل أن تتوالى خطاياه”

فجأة، أطل اسم بهاء، إذ حاولت السعودية تسويق إسمه وريثاً لأخيه دون إدراك – وهذه سمة الإنفعال – أن ظروف لبنان مختلفة ولا يمكن تسويق رجل بلا أدنى رصيد وحضور، عدا عن أن جمهور رفيق الحريري الذي تعلق بسعد وعاش غياب بهاء ليس بقادر على هضم عملية إقصاء زعيمه بهذا الشكل الدراماتيكي المفضوح. دفع نادر الحريري ثمن حرية إبن خاله سعد، أما الأخير، فقد عاد إلى موطنه وموقعه مُحبطاً ومثقلاً بالمرارة ومحملاً بأعباء الخوف الذي أربك خطواته وصولاً إلى اندلاع ثورة 17 تشرين/أكتوبر.

في إطلالته الثانية، حاول بهاء الحريري، ركوب موجة الثورة. إختار رمزية ضريح والده منبراً. أوحى للناس أنه يخاطبهم، لكنه كان فعلياً يُصفّي حساباً مؤجلاً مع شقيقه سعد، ويعيّره بالتسوية الرئاسية، ومن خلالها مهادنته لحزب الله. خطاب لم يترك أثراً جدياً بفعل غياب صاحبه الكلي عن المسرح السياسي وقلة خبرته من جهة وركاكة الفريق الذي يعتمد عليه محلياً من جهة ثانية.. بهذا المعنى، تعكس حركة بهاء طبيعته، فهو ـ كما يصفه بعض عارفيه ـ “رجل إنفعالي مزاجي أرعن يلعب بخفة وينسحب بصلافة. حاول اللعب في ذكرى إستشهاد والده، فكان أن حوّل الضريح الذي كان عنوان وحدة اللبنانيين إلى عنوان إنقسامي، قبل أن تتوالى خطاياه. إختار بهاء المحامي نبيل الحلبي ليشكّل ظلّه في لبنان، وهذا الرجل الذي لا يمت بصلة الى تيار المستقبل صعد إسمه مع أحداث عرسال والمفاوضات مع الشيخ “ابو طاقية” و”جبهة النصرة”، وقبل ذلك مع جمعية “لايف” المشتبهة بصلاتها مع أجهزة استخبارات إقليمية ودولية”.

قرّر الحلبي الإستثمار في بيئات جاهزة. إنفتح على مجموعات مستقبلية الهوية سابقاً ولديها مطالب مالية وخدماتية لا يوفرها سعد الحريري، وعلى مجموعات تريد الثأر من مرحلة الوصاية وإمتداداتها الحالية (أي حزب الله)، فضلا عن التواصل مع مجموعات تنتمي إلى “الثورة السورية” وتراهن على “قانون قيصر” من أجل الثأر من النظام السوري وحلفائه في لبنان.

وكان لافتاً للإنتباه أن بهاء إختار إبن إقليم الخروب دانيال الغوش المعروف بإسم “جيري ماهر” مستشاراً إعلامياً، وهو شاب مشتبه بعلاقاته الإستخباراتية، ويقيم في إحدى الدول الاسكندنافية. ثنائي الحلبي ـ الغوش يريد حجز موقع لبهاء الحريري في قلب ثورة تشرين مع شعارات تستهدف حزب الله وصولاً إلى تبني القرارات الدولية (ولا سيما 1559). هذه الصياغات والفبركات الإعلامية والسياسية تشي بتحضيرات قد تترافق والانفجار الاجتماعي الكبير المرتقب.

في إطلالته الثالثة، ببيان مكتوب يتم توزيعه على الإعلام اللبناني وتعتمده مواقع إلكترونية متوجاً بعبارة “sponsored “، وهي مهمة لا تحتاج سوى إلى بضعة مئات من الدولارات، إنبرى بهاء الحريري يُندد بما أصاب وسط بيروت، وأيضا مدينة طرابلس. هنا مكمن الغرابة: إطلالة أولى تكاد تنتهي بتحطيم ضريح والده وإطلالة ثانية تأتي بعد تكسير وسط بيروت الذي يعرف بهاء رمزيته عند والده، متجاهلا حقيقة أن بعض شبان “منتدياته” كانوا شركاء في الحرق والتدمير في بيروت كما في طرابلس، لكأنه يريد الإنتقام من شقيقه بقتل أبيه ووسط بيروت الذي كان حلم رفيق الحريري!

ثمة تساؤلات عديدة تتمحور حول “المنتديات” التي يدعمها بهاء الحريري وحراكها وبيئاتها الحاضنة ومنها ما يرتبط بعلاقة نبيل الحلبي مع الاستخبارات التركية والقطرية، وما توفره من دعم مالي وان كان ما ظهر منه حتى الآن، ما يزال بسيطاً قياساً لجهة الإستهداف.. ثمة سائل أين السعودية من حراك بهاء وهل يمكنه أن يتحرك من دون غطاء منها وهي التي سعت إلى تسويقه قبل ذلك أثناء إعتقال شقيقه. حتى الآن، توحي السعودية ومعها الامارات، أنهما يغضان الطرف عن حركة بهاء لكنه حتماً تحت مجهر خليجي ما.

التساؤل الثاني يرتبط بمدى جدية الحراك التركي ـ القطري بربط الشمال اللبناني بالشرق السوري ومدى أهميته في إعادة رسم خارطة المنطقة وفي تقليص الدور الإيراني فيهما وفق حدود مرسومة ومتفق عليها بفعل إنفجار إجتماعي ينتظر أن تتوطد ركائزه مع “قانون قيصر” وتصاعد العقوبات الامريكية على حزب الله في لبنان.

التساؤل الثالث يتصل بإستقطاب “المنتديات” شريحة شعبية مهمشة وعدم قدرتها على إستقطاب أي من كوادر تيار المستقبل، ولا سيما أولئك الذين باتوا خارج المنظومات التنظيمية.

لقد ألقيت العباءة على أكتاف سعد الحريري في لحظة تاريخية عاطفية ومفصلية في آن معاً. آنذاك، سار اللبنانيون ولا سيما الطائفة السنية خلف سعد، فحصدوا الكثير من الخيبات حتى بات خطاب المظلومية السنية والإحباط على كل شفة ولسان في يومنا هذا.

لحظة تاريخية مرّ عليها عقد ونصف من الزمن، أما مشروع رفيق الحريري، فلم يبق منه إلا بضعة مقاعد نيابية وكتلة عاجزة حتى عن رفع صوتها. أما بهاء، فلا يملك رؤية أو مشروعاً إلا ما تشي به “حركاته”، وهي الذهاب إلى تأجيج الفتن أو إعادة إنتاج حروب وقلاقل الداخل.

إذا كانت الفتنة هي مدخل بهاء الإلزامي إلى لبنان، فان زعامته مستحيلة، وبالتالي، ما يعيشه الرجل مجرد أضغاث أحلام ولو أنه يحتفظ بصفة أبدية: النجل الأكبر لرفيق الحريري.

 

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course