الكويت ولبنان: الأزمة الإقتصادية.. والفرصة السياسية

في ظل التأزم الإقتصادي العالمي وإستنفار العالم بمواجهة جائحة كورونا، استقبلت الكويت، المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم، موفداً من الرئيس اللبناني العماد ميشال عون، بصفته ضيفاً إستثنائياً، برغم أنها لم تفتح مطارها منذ خمسة أشهر بسبب وباء كورونا. وهي زيارة لها أهميتها الإستثنائية بأبعادها السياسية والإقتصادية.

 77 عاماً من العلاقات الدبلوماسية بين لبنان والكويت. عقود زاخرة بالمبادرات في الإتجاهين. فقد لعب اللبنانيون دوراً تأسيسياً في النهضة الكويتية منذ خمسينيات القرن الماضي، وهم يستمرون بلعب هذا الدور حتى يومنا هذا. بالمقابل، لطالما وقفت الكويت إلى جانب لبنان في الأزمات التي مرّ بها منذ تسعينيات القرن الماضي، وكانت حريصة على مستقبله وإستقراره، وملجأ لهمومه وقلقه.

مرت ظروف صعبة على البلدين. نموذج الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ 1990) التي جعلت اللبنانيين يدفعون أثمانها مئات آلاف القتلى والجرحى والمعوقين والمهجرين والمهاجرين، عدا عن تدمير مدن وقرى ومرافق عامة وخاصة.

هذه الحرب دفع ثمنها أيضاً الكويتيون الذين كانوا من أكبر المستثمرين، خصوصاً في القطاع الفندقي والسياحي. لقد خسر آلاف الكويتيين الغالي والرخيص من ممتلكاتهم في لبنان في زمن الحرب الأهلية. وبينما كان اللبنانيون يستعدون للتوصل إلى تسوية الطائف التاريخية (1989)، بمساعدة عربية من خلال اللجنة الثلاثية العربية التي كان الشيخ صباح الأحمد الصباح عضواً فيها (كان أمير الكويت الحالي وقتذاك وزيراً للخارجية)، وقع الغزو العراقي للكويت في صيف العام 1990، فكان لبنان من بين الدول العربية التي استضافت آلاف الكويتيين الذين هربوا من جحيم الإحتلال العراقي. لبنان لم يتردد لحظة في إدانة الغزو العراقي، وغطت وسائل الإعلام اللبنانية تلك اللحظة الكويتية، وخير دليل تلك الإحاطة اللبنانية التي رافقت وصول ولي العهد الكويتي الراحل الشيخ سعد العبدالله الصباح إلى دمشق، غداة الغزو.

إنضمت سوريا حافظ الأسد في العام 1990 إلى التحالف الدولي الذي أعلنه الرئيس الأميركي جورج بوش، من أجل تحرير الكويت. كانت جائزة الترضية الأميركية للأسد، منحه الضوء الأخضر “لإزالة تمرد العماد ميشال عون على الشرعية اللبنانية”. دخل جيش الأسد مع “الحلفاء” إلى الكويت، وبالتزامن، كانت الدبابات السورية تقتحم القصر الجمهوري في بعبدا، فيلجأ العماد عون إلى السفارة الفرنسية ومن ثم يغادر إلى فرنسا لاجئاً سياسياً لمدة 15 سنة.

قبيل تلك اللحظة التاريخية بأسابيع معدودة، كان الأمير صباح الأحمد عضواً في اللجنة الثلاثية التي اجتمعت في تونس بالعماد عون واستمعت إلى مطالبه، في معرض التمهيد لمؤتمر الطائف. وقتها، قال وزير الخارجية الكويتي (أمير الكويت حالياً) عن ميشال عون بأنه “رجل بكل معنى الكلمة”.

ثبات العلاقة الكويتية اللبنانية

إنطلقت ورشة إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية، فأعطت الكويت أولوية لإقراض الحكومة اللبنانية، في مشاريع شملت بناء المستشفيات والمستوصفات الحكومية ومشاريع البنى التحتية وكذلك بعض المرافق والمؤسسات الحيوية. عشرات الزيارات الرسمية المتبادلة لوفود لبنانية وكويتية، وكان رفيق الحريري هو المحفز الأساسي لهذه العلاقة، مع تقديم تسهيلات إستثنائية من أجل عودة الكويتيين إلى لبنان الذي لطالما كانوا يعتبرونه وطنهم الثاني. هذا المسار التصاعدي في العلاقات بين البلدين لم يعكر صفوه أي حادث بين البلدين، حتى جاءت حقبة ما بعد إغتيال رفيق الحريري في العام 2005، وما نتج عنها من مسار زلزالي لبناني لا تزال تداعياته مستمرة حتى يومنا هذا.

وبرغم هذا الحدث الكبير، لم يتردد الكويتيون في وضع وديعة في مصرف لبنان المركزي من أجل دعم الليرة اللبنانية، وعندما إنتهت حرب تموز/يوليو 2006، كان الكويتيون من بين دول عربية وخليجية قررت المساهمة في مشاريع إزالة آثار العدوان الإسرائيلي، فأخذوا على عاتقهم مهمة إعمار بعض قرى الجنوب اللبناني (إعمار أكثر من 20 قرية جنوبية)، فضلاً عن دعم رزمة مشاريع للحكومات اللبنانية المتعاقبة بالقروض والهبات.

لبنان والكويت بلدان صغيران فيهما قدر من الحرية (عراقة التجربة الصحفية في لبنان والكويت)، فضلاً عن حياة ديموقراطية (إنتخابات ومجلس نواب وحكومات تخضع للمساءلة والمحاسبة إلخ..)، وفي المقابل، يجدان قبالتهما “الشقيق الأكبر” (السعودية وسوريا)، بكل ما تستدرجه هذه العلاقة الأخوية من أعباء صعبة!

كان الكويتيون الأكثر تفهماً دائماً لخصوصية العلاقة اللبنانية ـ السورية، وذلك من موقع الأخ العارف، خصوصاً وأن علاقة الكويت بالسعودية هي نموذج مماثل للعلاقة بين بيروت ودمشق. لبنان والكويت بلدان صغيران فيهما قدر من الديموقراطية والحرية (عراقة التجربة الصحفية في لبنان والكويت)، فضلاً عن حياة ديموقراطية (إنتخابات ومجلس نواب وحكومات تخضع للمساءلة والمحاسبة إلخ..)، وفي المقابل، يجدان قبالتهما “الشقيق الأكبر” (السعودية وسوريا)، بكل ما تستدرجه هذه العلاقة الأخوية من أعباء صعبة!

أصيبت العلاقة اللبنانية الكويتية بإنتكاسة يتيمة، عندما أثيرت قضية “خلية العبدلي” في العام 2015، لكن سرعان ما تم تبديد هذه الغيمة بفضل كلمة واحدة من أمير الكويت، وبتدخل مباشر من اللواء عباس إبراهيم، لكن آثار الحريق الذي تشهده سوريا منذ العام 2011، وكذلك تمدد الحرائق العربية صوب اليمن، فتح جرحاً كبيراً في العلاقات الإيرانية الخليجية، ما تزال تداعياته السلبية ماثلة حتى يومنا هذا.

وبرغم هذا الجرح، قررت الكويت دائماً أن تميّز نفسها عن غيرها من جاراتها الخليجيات. في هذا السياق، لعب أمير الكويت دوراً تاريخياً من خلال صياغة منظومة علاقات متوازنة إقليمياً، فلم يذهب إلى عداوة أية جهة إقليمية، بل ظلت قنوات بلاده مفتوحة مع كل دول الجوار، وخاصة إيران. وعندما وقعت الأزمة الخليجية بين السعودية وقطر، قررت الكويت أن تلعب دور الوسيط، وما تزال، من أجل إقفال هذا الجرح الذي هدد كيان مجلس التعاون الخليجي. يسري ذلك على العلاقة الجديدة مع العراق في مرحلة ما بعد صدام حسين، وعدم القطيعة مع الدولة السورية برغم الحرب السورية التي توشك على دخول عامها العاشر. ويسجل للكويت أيضاً أنها لم تنزلق إلى أي شكل من أشكال التطبيع الرسمي مع إسرائيل، لا بل يسجل لأميرها وحكوماتها ومجالسها النيابية ولشعبها موقفهم المساند للقضية الفلسطينية منذ تأسيس دولة الكويت حتى يومنا هذا.

عجز في الميزانيات العربية

في خضم هذا الوضع، جاءت رياح الوقائع الإقتصادية والمالية في السنوات الأخيرة بغير ما تشتهي السفن الكويتية واللبنانية. 13 دولة عربية تشكل موازناتها حوالي 818 مليار دولار خلال العام 2019، في حين تبلغ إيراداتها 690 مليار دولار فقط، ما يتركها أمام عجز يتجاوز 121 مليار دولار. في العام 2019 بلغ العجز في الميزانية اللبنانية 11.4% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما كان مقدراً بنحو 9%، لكن الأخطر هو الإنهيار الإقتصادي والمالي الذي أعقب الإنتفاضة اللبنانية في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، ووجد لبنان نفسه يرزح تحت ديون تصل قيمتها إلى 92 مليار دولار، ما يشكّل نحو 170% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب وكالة التصنيف الإئتماني “ستاندر اند بورز”، وهذه النسبة من بين النسب الأعلى في العالم.

أما الكويت فقد بنت موازنتها على إيرادات متوقعة تصل إلى حوالي 50 مليار دولار، على أساس متوسط سعر 50 دولاراً لبرميل النفط الكويتي. وتوقع البنك الدولي أن يتفاقم عجز الموازنة في الكويت من 3% من إجمالي الناتج المحلي في السنة المالية الفائتة (2018 ـ 2019) إلى 13.6% في العام المالي الحالي 2019/2020، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق وإنخفاض عائدات النفط. وهو مرشح للإرتفاع أكثر في السنة المالية التي تبدأ في أول نيسان/ أبريل من كل عام، وتنتهي في نهاية آذار/مارس من العام التالي، وذلك بسبب إستمرار إنخفاض أسعار النفط وجائحة كورونا التي فاقمت الأوضاع الإقتصادية على الصعيد العالمي.

بلغ عدد المواطنين الكويتيين مليوناً و419 ألفاً و507 أشخاص، بينما بلغ عدد غير الكويتيين 3 ملايين و410 آلاف و412 شخصاً، وبالتالي يكون إجمالي السكان في الكويت 4 ملايين و829 ألفاً، أي أن المواطنين الكويتيين يساوون أقل من ثلث السكان

وكما يقول رئيس مجلس النواب نبيه بري “جاء المستوي لعند المهتري”، أي أن لبنان عندما يأتي إلى الكويت طلباً للمساعدة، سيجد مناخاً كويتياً لا يبيح للحكومة الكويتية (الشارع المتذمر أصلاً) أن تمارس ترف تقديم ودائع أو هبات لأية دولة في العالم. فالكويت تتعرض لضغوط إقتصادية غير مسبوقة في تاريخها بسبب جائحة كورونا وانهيار أسواق النفط. ثمة عجز فاضح في ميزانية الدولة الكويتية مع إنخفاض الإيرادات وإرتفاع الصرف مراعاة للواقع الإجتماعي الناجم عن جائحة كورونا. خمسة شهور من الإقفال العام تراجع خلالها الإقتصاد الكويتي، إستثمارات داخلية وخارجية توقفت. إقفال مئات المؤسسات. تزايد نسبة البطالة. تراجع التصدير ولا سيما الصناعات البترولية. تحملت الدولة الكويتية مسؤولياتها إزاء القطاعين العام والخاص عبر رزمة حوافز من أجل دعم صمود القطاع الخاص بتحمل جزء من خسائره، غير أن صرخة النواب فرضت إعادة نظر، على قاعدة مشاركة الجميع في تحمل الخسائر وليس الدولة وحدها. في هذا السياق، تم تقديم رؤية إقتصادية إصلاحية تناقش إلغاء الدعم عن الوقود والتموين الشهري والقطاعات الخدماتية الأساسية وبالتالي فرض ضرائب ورسوم جديدة خصوصاً على قطاعات لم تكن مشمولة في السابق كالشواطىء والحدائق وغيرها من الخدمات العامة المجانية. أيضا قد تطرح قضية تجميد زيادة وتصحيح رواتب وأجور العاملين في القطاع العام سنوياً وإجازة خفض رواتب العاملين في القطاع الخاص في ظروف محددة إلخ…

أيضا تشمل الأفكار الإقتصادية فرض قواعد جديدة للتعامل مع الوافدين والعمالة الأجنبية، وربما تكون مغلفة بعنوان فضفاض هو إعادة النظر في التركيبة السكانية لأسباب أمنية وصحية وإقتصادية، ذلك أنه وفق آخر الإحصاءات، بلغ عدد المواطنين الكويتيين مليوناً و419 ألفاً و507 أشخاص، بينما بلغ عدد غير الكويتيين 3 ملايين و410 آلاف و412 شخصاً، وبالتالي يكون إجمالي السكان في الكويت 4 ملايين و829 ألفاً، أي أن المواطنين الكويتيين يساوون أقل من ثلث السكان!

رسالة إبراهيم بعهدة الأمير

في ظل هذا المناخ،  إستقبلت الكويت يومي الأحد والإثنين الماضيين المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم موفداً من الرئيس اللبناني العماد ميشال عون. وقد شملت لقاءات إبراهيم رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم بحضور نائب رئيس مجلس الوزراء الكويتي وزير الداخلية أنس الصالح ووزير النفط خالد الفاضل، ثم رئيس الوزراء الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، حيث سلمه رسالة الرئيس عون، وذلك بحضور وزير الخارجية  الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح، فماذا كانت نتائج الزيارة؟

أولاً، طلب لبنان دعماً كويتياً، سياسياً وإقتصادياً ومالياً، وكان الجانب الكويتي متجاوباً، ووعد بنقل مطالب الحكومة اللبنانية إلى أمير الكويت قبل إتخاذ القرار المناسب.

ثانياً، حدَّد الجانب اللبناني السبل الكفيلة بتوفير الدعم له، سواء عن طريق توفير المحروقات من دولة إلى دولة، وفق عقود يدفع لبنان بموجبها ما يستحق عليه بشكل متأخر، أو عن طريق تقديم قروض للحكومة اللبنانية في قطاعات محددة، أو المشاركة بإستثمارات كويتية مباشرة في قطاعات حيوية بما يفيد الإقتصاد الكويتي واللبناني في آنم معا أو تقديم وديعة لمصرف لبنان المركزي، وهذا من شأنه إرسال إشارة إيجابية تؤسس لإستعادة الثقة تدريجياً بالقطاع المصرفي لا بل بالإقتصاد اللبناني.

ثالثاً، عرض لبنان للجانب الكويتي المسعى الذي يقوم به مع الإدارة الأميركية من أجل منح إستثناءات للبنان في بعض القطاعات، في إطار ما يُعرف بـ”قانون قيصر” الذي دخل حيز التنفيذ الشهر الماضي (السماح بالتصدير اللبناني إلى دول الخليج العربي عن طريق سوريا، تزويد لبنان بالطاقة الكهربائية من سوريا إلخ…).

رابعاً، دعوة الكويتيين للعودة إلى لبنان، لاسيما في موسم الإصطياف، على أن يُصار إلى تقديم تسهيلات لهم من قبل الأمن العام اللبناني عند الحدود، فضلا عن تشكيل غرفة عمليات لتبديد أية مشكلة تعترض أي سائح وخصوصا من أبناء دولة الكويت.

خامساً، هناك قضايا عالقة بين البلدين، مثل قضية تعيين سفير جديد للبنان في الكويت، فضلاً عن قضية الإتفاقيات الموقعة بين البلدين ووضعها موضع التنفيذ.

خرج المسؤولون الكويتيون بإنطباع إيجابي، ذلك أن الضيف اللبناني كان صريحاً في أثناء الإجتماعين مع رئيسي مجلس الأمة ومجلس الوزراء وذلك بقوله لهما “نحن لا نأتي لكي نثقل عليكم الهموم. نحن نعرف أن العالم كله مأزوم ونحن وأنتم أصابتنا الأزمة الإقتصادية، ولو بمقادير مختلفة، ونحن عندما نأتي إليكم إنما نحاول البحث عن مخارج مشتركة لقضايا قد تفيد شعبينا وبلدينا.. ولبنان إذا لم يلجأ إلى الحضن العربي، وتحديداً للكويت، لمن سيلجأ في العالم”.

بكل الأحوال، صارت رسالة اللواء عباس إبراهيم في عهدة أمير الكويت، وله أن يتخذ القرارات المناسبة. لسان حال المراقبين الكويتيين أنه لا يجوز التقليل من أهمية البعد السياسي الإستثنائي لزيارة المدير العام للأمن العام اللبناني، علماً أن الكويت لم تفتح مطارها حتى الآن، بسبب ظروف جائحة فيروس كورونا، وتعاملت مع ضيفها اللبناني بصفته ضيفاً إستثنائياً، خاصة وأنه كان في مرات سابقة، قد ساعد السلطات الكويتية في كشف شبكات إرهابية كانت تنوي المس بأمن الكويت.

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free online course