الإنفجار ـ الفخ: لبنان ساحة صفقات أم تصفية حسابات؟

ساذج من يعتقد أن تفجير مرفأ بيروت، سيمر مرور الكرام، فهو إلى حد ما يُشبه تفجيرات نيويورك. وإذا كنا لم ولن نعرف من فجّره، فسوف نرى حتما تأثيره قريباً في هذا الصراع الكبير بين محورين. عسى أن لا يكون لبنان مجدداً هو الضحية.  

بعد فرض “قانون قيصر” على سوريا، تم احراق محاصيل القمح في المناطق الشرقية لتضييق الخناق على المناطق المؤيدة للقيادة السورية الحالية وارتفعت وتيرة الهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية بذريعة ضرب مواقع ايرانية، وحين تم “تفجير” مرفأ بيروت، دُمّرت إهراءات القمح في لحظة نادرة من الجوع والفقر في لبنان وسارع البعض الى تسليط الاتهامات ضد حزب الله، بينما كانت البالونات الحارقة من غزة صوب المستعمرات الإسرائيلية ترفع درجة الاستعداد الإسرائيلي لشن حرب جديدة على القطاع، فيما كانت أميركا تمارس أقصى درجات الضغط لتمرير قانون يمدد منع ايران من استيراد او بيع الأسلحة، وتُرسل وفداً رفيعاً الى تايوان لإثارة الصين. أما موسكو، فقد كثفت في الأيام القليلة الماضية تحذيرها من التدخل الدولي في لبنان والتشديد على ضرورة ان يحل اللبنانيون مشاكلهم بأنفسهم مع تأييد واضح لعودة  سعد الحريري رئيسا للحكومة.

قد تكون كل هذه الأحداث صُدفةً للناظرين الى إسرائيل على أنها باتت حمامة سلام وعلى أن داعميها لا يريدون الا الخير والسلام والحريات والرفاهية لمنطقة الشرق الاوسط. لكن هذه الاحداث تبدو مترابطة بشكل وثيق، في سياق معركة حامية الوطيس بين أكثر من محور.

قد يتوصل المحقّقون أو قد لا يتوصلوا إلى الأسباب التي أدت إلى تفجير مرفأ بيروت. فالإهمال ـ الفساد القاتل والمُتمثل بترك هذه الكميات الكبيرة من نيترات الامونيوم قرب مواد قابلة للاحتراق او التفجير في المرفأ، جريمة مكتملة، لكن السؤال سيبقى في ذهن أجيال كثيرة وللتاريخ:”من فجّر”، وعلى الأرجح لن نجد جواباً.

مَن المُستفيد؟ 

  • المُستفيد الأول هي إسرائيل. فالانفجار سمح لخصوم حزب الله في لبنان بتعزيز الشكوك حول مخابئ سلاحه ومسؤوليته في ما حصل. وذهبت القيادة الإسرائيلية ممثلة برئيس الحكومة ووزير الخارجية الى حد تحذير لبنان من مخابئ أخرى لسلاح الحزب قد تؤدي الى انفجارات مماثلة. ثم جاءت الضربة المؤلمة للحزب بسقوط حكومة حسان دياب، وها هي الدول جميعاً التى يُشكك الحزب بدورها حياله تأتي الى لبنان من بواباته الواسعة.
  • المُستفيد الثاني هي الولايات المتحدة الاميركية، فبعدما تبين ان العقوبات والحصار الاقتصادي أثرا على خصوم الحزب في لبنان من قطاعات شعبية وسياسية ومالية اكثر مما اثرت عليه لكونه ما زال يقبض بالدولار، جاء التفجير، فأعاد تشكيل المشهد السياسي في لبنان، فانتعش الخصوم، بحيث هاجمه بعضهم، واستقال البعض الآخر، وذهب سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية الى المطالبة بإسقاط مجلس النواب، يقينا منه بأن أية انتخابات مقبلة ستُسقط الذراع السياسية لعهد الرئيس ميشال عون، أي التيار الوطني الحر، وتُفقد الحزب وحلفاءه الاغلبية المُريحة، ويُصبح هو سيد الساحة المسيحية بلا منازع في طريق الرئاسة.

ساذجٌ من يظُن انه في هذه اللحظة العاطفية الدولية والعربية حيال لبنان، غيّرت واشنطن أولوياتها.. وساذج من يعتقد ان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يمكن ان ينجح في لبنان اذا ما تعارضت سياسته والسياسة الأميركية. كلُّ ما في الأمر هو أن واشنطن تحاول تغيير الأسلوب قليلا والإفادة مما حصل في نكبة بيروت، لرفع مستوى تطويق ايران وسوريا وحزب الله وكل من يؤيدهم. وها هي صحيفة “وول ستريت جورنال” تتحدث عن عقوبات قريبة قد تطال مسؤولين كباراً من جبران باسيل الى مقربين من سعد الحريري نفسه مروراً طبعا بحركة أمل ورئيسها.

ما هي أولويات أميركا؟

  • منعُ الصين وروسيا وايران من التمدد أكثر في مناطق كانت تعتبرها أقرب الى أميركا.
  • الحؤول دون قدرة ايران على بيع او استيراد أسلحة، وهذه معركة شرسة تدور رحاها حاليا في مجلس الأمن ويحاول الأوروبيون التخفيف من حدتها.
  • الاستمرار في الخنق الاقتصادي لإيران وحزب الله وسوريا، والسعي لعزل لبنان عن “المحور”.. وعن أي توجه صوب الشرق.
  • ابعاد حزب الله عن التأثير على الحكومة والقرارات الاستراتيجية في لبنان والاطاحة بالأغلبية النيابية المؤدية له، وذلك من خلال تكثيف الضغوط لتشكيل حكومة تستطيع أن تكون مستقلة الى حد كبير عنه، ويتم تسهيل المساعدات لها تحت شعار المال مقابل الإصلاحات.
  • تشجيع انتشار وتوسيع دور المنظمات غير الحكومية والمنظمات الإنسانية، بحيث تُصبح مثلاً منظمة مثل USAID أهم من أكبر وزارة.
  • ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان وإسرائيل بشروط تميل أكثر لمصالح إسرائيل التي بدأت منذ فترة طويلة باستخراج النفط والغاز، فيما لبنان ما زال، بسبب فساد طبقته السياسية، يناقش هل البيضة جاءت قبل الدجاجة ام العكس؟
  • ولعل الهدف الأسمى، هو القضاء نهائيا على حزب الله بعد اضعافه في الداخل، ثم شن حرب عسكرية واسعة ضده. فتفجير المرفأ اعطى صورة واضحة عن حجم الدمار الممكن في حال الحرب.

من يسمع حذر الإيرانيين حيال الحضور الدولي والعربي لإغاثة لبنان حاليا، ومن يسمع كلام الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه امس امام مجلس النواب السوري الجديد حول أميركا ودورها، ومن سيسمع ما سيقوله الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله على الأرجح غداً الجمعة، يُدرك لو اضافه الى تنامي التوتر بين الصين وروسيا وأميركا، ان لبنان امام مخاطر كبيرة، وانه استعاد دوره بامتياز كساحة لتصفية الحسابات، تماما كما قد يكون مساحة للصفقات.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course