ماكرون اللبناني.. وهاجس التمدد الأردوغاني

يتجاوز الحضور الفرنسي، غداة الرابع من آب/أغسطس 2020، حدود كارثة تدمير مرفأ بيروت وأحياء عديدة في العاصمة اللبنانية. ما هي أبعاد هذا الحضور؟

بلغت حماسة بعض اللبنانيين لزيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت، حد مطالبته المقيتة بإعادة الانتداب. البعض قال ذلك تعبيرا عن بلوغ الغضب منتهاه من طبقة سياسية ساهمت بتدمير مرفأ بيروت ومعظم الوطن، والبعض الآخر قاله من منطلق استساغة الاستعمار بناء على موروث قديم حلّله بدقة المُفكر الجزائري العريق مالك بن نبي. وعند هذا البعض الثاني، تركلُ المصالحُ المُذلة كرامة الوطن والانتماء. لكن هل جاء ماكرون فقط حُباً بلبنان، أم ضد تركيا؟

لا شك ان للبنان، في المخزون العاطفي الغربي والعربي والشرقي، مكانة مميزة لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، لكن كل هذا المخزون، لم يمنع اجتياح بيروت من قبل إسرائيل عام ١٩٨٢، ولا تدمير الوطن، ولا وضع حد للطبقة التي أفقرت الشعب وأفسدت البلاد، وقتلت الدولة. بل بالعكس تماماً، فان هذه الطبقة بالذات غالبا ما وجدت في الغرب والشرق سجادة حمراء تمشي عليها.

ولفرنسا مع لبنان موقع الصدارة، لأسباب تاريخية ودينية وفرنكوفونية، كما ان الفرنسيين غالبا ما يميّزون اللبناني عن العربي الآخر على أراضيهم وفي سياستهم الخارجية، وتوازى ذلك مع مخزون عاطفي من قبل الطرفين، ومع تقارب اجتماعي ولغوي وثقافي، قبل ان تغزو الثقافة الإنكليزية عقول وقلوب الشباب اليوم.

لكن من السذاجة التفكير بأن فرنسا قد تحرّكت من رئيسها الى جيشها صوب  لبنان وشواطئه، فقط من منطلق ذاك الحب وتلك الموروثات، أو تلبية للحظة عاطفية محلية وعالمية فجّرها تفجير المرفأ.

ماذا بين تركيا وفرنسا؟

  • في العام الماضي، اتهم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الرئيس ماكرون بأنه يعاني من “موت دماغي”، وها هو ماكرون يقول عن سياسة اردوغان في ليبيا انها “عديمة المسؤولية التاريخية.. ومجرمة”. فرنسا تدعم في ليبيا (مع مصر) المشير خليفة حفتر، وتركيا تدعم حكومة فايز السرّاج المعترف بها دولياً.
  • تخشى فرنسا عبور الإرهابيين من سوريا والعراق الى ليبيا واحتمال انتقالهم الى أوروبا عبر المتوسط لاحقا او انضمامهم الى الإرهابيين في افريقيا حيث تقاتلهم فرنسا وخصوصا في دولة مالي. وهي تنظر بعين الريبة الى المطامع التاريخية المتجددة لاردوغان في نفط ليبيا ودول أخرى في المنطقة من سواحل اليونان الى سواحل ليبيا ولبنان.
  • تخشى فرنسا ثالثاً، تأثير التمدد التركي على الجاليات المسلمة على أراضيها وفي الغرب، لان هذا التأثير لن يقتصر على انتعاش جماعة الاخوان المسلمين، وانما يؤدي الى استنهاض أفكار التطرف والإرهاب وفق ما تشير تقارير فرنسية. ففي دول المغرب أيضا ثمة تأثير تركي واضح، من خلال تعاطف بعض التيارات والأحزاب، من الجبهة الإسلامية السابقة في الجزائر الى حزب العدالة والتنمية في المغرب الى حركة النهضة الإسلامية وصولا الى إسلاميي ليبيا وموريتانيا. وكل هذه الدول هي في الجوار الأوروبي او في مجال مصالحه.
  • تخشى فرنسا ثالثاً ان تخسر مواقعها التاريخية في مناطق جنوب المتوسط، بسبب التقدم التركي بعد التوسع الإيراني والروسي، وتشاركها في هذا القلق الولايات المتحدة (إلى حد ما) والاتحاد الأوروبي.
  • فرنسا تدعم بالسلاح حليفتها اليونان ضد الأطماع التركية، وهي لن تتردد في استخدام القوة ضد قوات اردوغان لو تطّلب الأمر ذلك. وما حركة البوارج الفرنسية في البحر حاليا سوى لهذا الهدف.
  • اردوغان من جانبه شجب اعتراف فرنسا بالإبادة الجماعية الارمنية، وشجب بشدة دعمها التاريخي والحالي للكرد من العراق الى تركيا وصولا الى سوريا.

هذه الأسباب جميعها، تشرح جزءاً أساسيا من الهَبّة الفرنسية الحالية الى جانب لبنان، خصوصا ان التقارير الفرنسية تشير الى سعي تركيا مثلا الى تجنيس اكثر من ٥٠ الف لبناني حاليا بينهم ١٧ الف تركماني، وهو ما يقلق باريس ودول عربية مثل مصر والسعودية والامارات، ولذلك فان الرئيس الفرنسي طرح في خلال لقاءاته اللبنانية السؤال التالي:”ما هو الواقع التركي حالياً عندكم”.

لعلّ فرنسا ومعها أوروبا ودول عربية، تعيش قلقاً مضاعفاً، بسبب ضبابية موقفي اميركا وتركيا من اردوغان. فهل ساهم ذلك في التقارب الفرنسي مع حزب الله وايران مؤخرا؟ ربما.  لكن الأكيد ان انتعاش زعامة سنية كبيرة وتوسعية مثل تركيا في المشرق والمغرب العربي يقلق الغرب بالعمق.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
online free course