ناغورنو قره باخ.. ماذا لو امتدت الحرب خلف الجبال؟

تجدد القتال بين الأرمن والأذريين في ناغورنو قره باخ. في تموز/الماضي، وصفت الأعمال العدائية بين الطرفين بأنها الأخطر منذ العام 1994. لكنّ ما يحدث منذ يوم أمس، يتجاوز جولة القتال السابقة. هذا على الأقل ما تعكسه المعطيات الميدانية غير المسبوقة طوال العقود الثلاثة الماضية، وخطاب الحرب الذي بات السمة الأبرز لكل المواقف السياسية والبلاغات العسكرية الصادرة من باكو ويريفان وستيبانكرت.

لم يكن مفاجئاً أن يتدهور الوضع بين أرمينيا واذربيجان على جبهة ناغورنو قره باخ. منذ أيام، بدأت طبول الحرب تدق بين العدوين اللدودين، وسط اتهامات متبادلة باستقدام “مرتزقة” لجولة تصعيد جديدة.

في يريفان، تلقف الأرمن ما تناقلته مواقع سورية عن قيام تركيا بنقل مسلحين قاتلوا في السابق على تخوم الأحياء الكردية والأرمنية في مدينة حلب إلى أذربيجان، وهو أمرٌ أقرّت الحكومة الأرمنية بأنها ما زالت تحقق فيه، وأكده لاحقاً السفير الأرمني لدى روسيا، الذي تحدث بالفعل عن نقل نحو أربعة آلاف مقاتل. كما أن يريفان قدمت الكثير من الأدلة حول الدعم التركي العسكري واللوجستي إلى الجانب الأذري استعداداً للحرب، بما في ذلك استخدام طائرات مسيّرة من طراز “بيرقدار” في المعارك الجارية.

أما في باكو، فتلقف الأذريون بعض المنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لاتهام الجانب الأرمني باستقدام مقاتلين أكراد وأرمن من سوريا – وفي بعض الأحيان شيعة من إيران – للقتال في ناغورنو قره باخ، وهو ما لم يتجاوز في التفسيرات الأكثر منطقية ظاهرة “تضامن فردية” من قبل كارهي تركيا، في وقت تحدثت وسائل إعلامية أذرية عن وصول أسلحة روسية متطورة للجانب الأرمني، بما في ذلك منظومات دفاع جوي من طراز “بوك”.

الاتهامات المتبادلة لم تقتصر على الجوانب الممهدة للتصعيد، فمع أول طلقة عند خط الهدنة بين الأذريين والأرمن في ناغورنو قره باخ، قدّمت كل من باكو ويريفان، كما جرت العادة، روايات مختلفة عمّن بادر إلى التصعيد.

واذا كانت وقائع الميدان لا تسمح بتحديد الطرف المعتدي، فإنّ معطيات السياسة ربما تكون مفيدة.

من جهة، لا تبدو أرمينيا مهتمة بالتصعيد العسكري، فجمهورية ناغورنو قره باخ مستقلة بحكم الأمر الواقع منذ ثلاثة عقود، ولا يبدو أن وضعية الإقليم المتنازع عليه يمكن أن تتبدل في المستقبل القريب، وهذا على الأقل ما يعكسه الجمود الحاصل في المفاوضات المعطّلة منذ سنوات. ومن الواضح ان أرمينيا متأقلمة مع هذا الوضع إلى حد كبير، لا سيما أن إقليم ناغورنو قره باخ يتمتع بحماية، وإن غير رسمية من روسيا، شريكة أرمينيا في منظمة الأمن الجماعي.

لا يغيّر في الأمر ما يتردد عن سعي أرمينيا لضمان الاعتراف الدولي بجمهورية ناغورنو قره باخ، لا سيما أن يريفان تدرك أن أمراً كهذا غير ممكن من الناحية الواقعية، وهو ما يجعل أقصى تحرّك يمكن أن تضغط من خلاله على أذربيجان، في حال استشعرت تجاوزاً خطيراً للخطوط الحمر، هو تكرار التجربة الروسية مع جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، والدخول في عملية اتحاد رسمية مع الإقليم، بما يرتّب الكثير من المتغيرات القانونية التي تنعكس على الشق الدفاعي، وهو أمرٌ ربما تسعى له سلطات ناغورنو قره باخ المحلية التي يشير المراقبون إلى أنها باتت تشكل كتلة ضغط مؤثرة في القرار السياسي في يريفان.

في المقابل، تبدو أذربيجان أكثر اهتماماً بالتصعيد العسكري، لا سيما أن العملية السياسية المتصلة بملف ناغورنو قره باخ، وفي ظل تعطّلها الدائم، لا تضمن استعادة الأراضي، لا بل أن المفاوضات نفسها لا تتضمن أية آلية محددة لذلك، وهو ما جعل باكو تنفق الكثير من الأموال سنوياً على موازنتها الدفاعية، التي تتجاوز وحدها ميزانية الدولة الأرمنية.

ومن الواضح أن ثمة أسباباً ملحّة تدفع الرئيس الأذري إلهام علييف إلى الذهاب نحو الخيار العسكري، سواء تعلق الأمر بالوضع الداخلي، حيث تتنامى النزعة المتشددة تجاه “قدسية” ناغورنو قره باخ لدى الشعب الأذري، والمطالبة باستعادة الإقليم المحتل بأي ثمن، وهي ظاهرة لوحظ تزايدها خلال الفترة الماضية، وغّذتها المتغيرات الاقتصادية السلبية التي يواجهها الاقتصاد الأذري بسبب انخفاض أسعار الطاقة؛ أو بالوضع الدولي، لا سيما في ظل الاندفاعة التركية في أكثر نقطة ساخنة، بما في ذلك في منطقة القوقاز.

وأيّاً كان الطرف البادئ بالتصعيد، فإنّ ما يجري حالياً في ناغورنو قره باخ يعدّ التطوّر الأخطر على الإطلاق، في ظل احتقان متبادل بين طرفي الصراع المزمن، وفي ظل مناخ اقليمي ودولي بالغ الحساسية، تبدّى قبل أيام في تنظيم روسيا مناورة عسكرية واسعة على جبهتها الجنوبية، حملت اسم “القوقاز-2020″، شاركت فيها القوات الأرمنية بشكل مباشر، فيما فضّلت أذربيجان عدم المشاركة الفعلية فيها – باستثناء حضور بروتوكولي خجول – في ما قد يؤشر إلى حالة استقطاب تركية – روسية في منطقة جنوب القوقاز.

على هذا الأساس، كان ملفتاً للنظر أن ردود الفعل الدولية على تدهور الوضع في ناغورنو قره باخ اقتصرت، خلال الساعات التي تلت بدء الأعمال العدائية، على كل من أنقرة وموسكو، فالأولى قدّمت أولى الرسائل على احتمال تدخلها العسكري المباشر إلى جانب “الأخوة الأذريين” بحسب ما ورد على لسان وزير الدفاع التركي خلوصي آكار الذي قال إن بلاده جاهزة لتقديم “كل أشكال الدعم” لباكو؛ وأما الثانية، فكثفت اتصالاتها الدبلوماسية على أعلى المستويات منذ اللحظات الأولى لتصعيد الموقف.

في العموم، تبدو روسيا الطرف الأكثر تأثراً بما يجري في ناغورنو قره باخ، فعلاوة على أن جنوب القوقاز يشكل منطقة حيوية بالنسبة إلى الأمن القومي الروسي، فإنّ موسكو ويريفان مرتبطتان بإطار رسمي للدفاع المشترك، ضمن منظمة الأمن الجماعي، بجانب أن تداعيات تطوّر الصراع قد تتجاوز بالنسبة إلى روسيا حدود العلاقات المضطربة بين الجارين الأذري والأرمني.

من الناحية الرسمية، لا يفترض أن تتدخل روسيا بشكل مباشر في الصراع العسكري في ناغورنو قره باخ، لا سيما أن الإقليم، من الناحية القانونية ما يزال أرضاً أذرية، وبالتالي فإنّ الهجمات الأذرية، إذا ما اقتصرت ضمن نطاقه، لا تعني اعتداءاً عسكرياً مباشراً على أرمينيا، وهو ما أكده الرئيس الأذري الهام علييف حين قال قبل فترة “ليست لدينا أهداف عسكرية على أراضي أرمينيا”.

من المؤكد أن موسكو ستعمل على خطين، أحدهما دبلوماسي (رسمي) وثانيهما عسكري (غير مباشر) لمنع أيّ اختلال في الوضع الراهن، قد يسمح لأذربيجان، المتفوقة في ميزان القوة العسكرية على أرمينيا، بتحقيق انتصار دراماتيكي في الحرب، خصوصاً أن سيناريو كهذا سيكون له أثر سلبي على روسيا في أكثر من جانب

ومع ذلك، يقول الجانب الأرمني إن الصراع قد تجاوز بالفعل أراضي جمهورية ناغورني كاراباخ، وهو ما أكده ممثل وزارة الدفاع الأرمنية آرتسرون هوفهانيسيان الذي قال إن “الضربة الرئيسية استهدفت قرى أرتساخ (التسمية الأرمنية لناغورنو قره باخ)، لكنها امتدت إلى فاردينيس في أرمينيا”.

برغم ما سبق، لم تتقدم أرمينيا حتى الآن بطلب للمساعدة من منظمة الأمن الجماعي، وهو أمر إن حدث قد يشكل انعطافة خطيرة في مسار الصراع الأذري-الأرمني، ولكنها بالتأكيد تراهن على استمرار الدعم الروسي العسكري غير المباشر، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين المصالح الروسية والمصالح الأرمنية.

ومن المؤكد أن موسكو ستعمل على خطين، أحدهما دبلوماسي (رسمي) وثانيهما عسكري (غير مباشر) لمنع أيّ اختلال في الوضع الراهن، قد يسمح لأذربيجان، المتفوقة في ميزان القوة العسكرية على أرمينيا، بتحقيق انتصار دراماتيكي في الحرب، خصوصاً أن سيناريو كهذا سيكون له أثر سلبي على روسيا في أكثر من جانب.

أولاً؛ انتصار أذربيجان في جولة القتال الحالية سيفرض شروطاً مغايرة للعملية السياسية حول ناغورنو قره باخ، إذ سيزيد ثقة باكو بأنها قادرة، جولة بعد أخرى، على قضم الإقليم، صولاً إلى إجبار يريفان على الذهاب إلى طاولة المفاوضات لمناقشة شروط الاستسلام.

ثانياً؛ سيشكل انتصار الأذريين ضربة معنوية لروسيا، التي ستهتز صورتها، إذا ما اتضح أنها غير قادرة على حماية حلفائها، وهو أمر قد يترك تداعيات خطيرة على السياسة الخارجية الروسية، لا سيما في المجال الحيوي لأمنها القومي، وسيكون له تأثير سلبي للغاية على الشرق الأوكراني وبيلاروسيا وأوسيتيا الجنوبية.

ثالثاً؛ قد تلجأ أرمينيا إلى خطوة متهورة، تتمثل في مسألة الاعتراف من جانب واحد بجمهورية ناغورنو كاراباخ، ما ينقل الصراع إلى مرحلة متقدمة للغاية، ويدفع أذربيجان إلى اللجوء إلى حرب شاملة، ستجد روسيا نفسها منخرطة مباشرة فيها إلى جانب الأرمن، وهو أمر سيُقابل بانخراط تركي مباشر أيضاً، ما يحوّل الصراع في ناغورونو قره إلى حرب إقليمية.

رابعاً؛ قد تمثل السيناريوهات العسكرية المتطرفة فرصة لتركيا للعب دور فاعل في منطقة القوقاز،خصوصاً إذا ما فشلت روسيا في حماية أرمينيا، وهو أمر قد تصبح معه المساحة الممتدة من البحر الأسود إلى بحر قزوين منطقة نفوذ تركية.

هذا ما يجعل روسيا تحاول، إلى أقصى حد، احتواء الموقف بدلاً من من التصعيد، الذي ينذر بانجرار إلى حرب قد تتعدى ناغورنو قره باخ، لتصبح حرباً روسية-تركية، إن بالوكالة أو حتى بالمباشر، ولذلك فإن الخيار الأضمن بالنسبة إلى موسكو يتمثل في العودة إلى حالة اللاحرب واللاسلم، والابقاء على الستاتيكو القائم، أياً كانت المخاطر المستقبلية.

يبقى أن ثمة أسئلة ربما ستجيب عليها مجريات القتال خلال الأيام المقبلة، أهمها على الإطلاق:  هل تنجح الوساطة الروسية مجدداً في لجم المغامرات المتبادلة؟ من المؤكد أن الأمر معلّق على قدرة الجانب الأرمني على وقف الهجمات الأذرية، فعندها ستجد باكو في استمرار الحرب مغامرة مدمّرة، إلا إذا كانت قد اتخذت ضوءاً أخضر من تركيا، التي تهوى هذا النوع من الصراعات لتمديد نفوذها الإقليمي… حينها لن يقتصر السؤال عن مصير ناغورنو قره باخ فحسب، فهواجس الحرب والسلم لا شك أنها ستتجاوز تلك الجبال المشتعلة تاريخياً.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free online course