لبنان وإسرائيل وأميركا.. من الرابح والخاسر في إتفاق ـ الإطار؟

مع الإعلان رسمياً من نيويورك وبيروت وواشنطن وتل أبيب عن التوصل إلى إتفاق ـ إطار إيذاناً بإنطلاق مفاوضات قريبة بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود البحرية، برعاية دولية مزدوجة (الأمم المتحدة والولايات المتحدة)، يكون لبنان قد أدى قسطه للعلى مع دونالد ترامب.

عشر سنوات من المفاوضات اللبنانية ـ الأميركية، كان يمكن أن تنتهي عملياً في عشرة أيام. الإتفاق ـ الإطار لا يتضمن اية تنازلات لبنانية بالمضمون، وفي الوقت نفسه، لم يتزحزح الإسرائيلي والأميركي قيد أنملة عن خط فريدريك هوف الذي أعطى لبنان حوالي 500 كلم2 من أصل 860 كلم2 هي مجمل الحدود البحرية المتنازع عليها بين بيروت وتل أبيب في البلوكين 8 و9 جنوباً. فلماذا كل هذا التأخير ولماذا هذه السرعة في الإنجاز وماذا بعد الإتفاق ـ الإطار؟

ليس خافياً على أحد أنه منذ حكومة سعد الحريري الأولى، غداة “السين ـ سين”، برزت أكثر من محاولة داخلية، للإستحواذ على ملف الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل، غير أن رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومن خارج كل المألوف الدستوري، قرر مصادرة هذا الملف وأن تكون إدارته بيديه حصراً، وإستطاع أن يعاصر كل من توالى على إدارة الملف أميركياً من فريدريك هوف إلى ديفيد شينكر، وبينهما إموس هوكشتاين وديفيد هيل وديفيد ساترفيلد (السفير الأميركي في أنقرة حالياً) الموعود بإستلام الملف مجدداً إذا فاز جو بايدن في الإنتخابات الأميركية، حتى أن بري صار يحفظ هذا الملف عن ظهر قلب بكل أرقامه وإحداثياته وخرائطه.

لنكتف بذكر آخر محاولتين للإستحواذ على الملف سياسياً؛ الأولى قام بها الرئيس سعد الحريري، بالتزامن مع إبرامه التسوية الرئاسية في العام 2016، حيث كان قد تعهد لصهر الرئيس الأميركي جارد كوشنير بأن يدير الملف شخصياً، ولكنه إصطدم برفض بري القاطع لذلك، حتى أن كوشنير إتهم الحريري بعدم الوفاء بوعد قطعه له في هذا الإطار. أما المحاولة الثانية، فهي تلك التي حاول رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل القيام بها من أجل تبييض سمعته أميركياً، فكان أن تم الإستنجاد بالدستور حتى يتولى رئيس الجمهورية المفاوضات بإسم لبنان، لكن بري رفض التنازل أيضاً عن الملف.

أكثر من ذلك، جرت محاولة لنقل الملف من عين التينة إلى القصر الجمهوري، في خضم المفاوضات لتشكيل حكومة مصطفى أديب، وهذا الأمر ظل بعيداً عن الأضواء. طرح البعض على رئاسة الجمهورية حقها بالتصرف بالملف في ظل حكومة تصريف الأعمال. هل يمكن إرسال رسالة رئاسية إلى الأمم المتحدة تمهد لنقل الملف وإدارته رئاسياً؟ سرعان ما سقطت الفكرة، إذ كان الرأي الدستوري الغالب في بعبدا أن ذلك غير ممكن، فطوي الملف من دون اية إثارة إعلامية أو سياسية، لا سيما بعدما تبين أن موقف حزب الله يتقاطع بالكامل مع موقف رئاسة مجلس النواب في هذه النقطة تحديداً.

خلال الشهور الأخيرة، ثمة من أقنع الأميركيين بـ”وصفة سحرية”: تعالوا نذهب إلى الإتفاق ـ الإطار، فنؤمن نزول رئيس المجلس النيابي عن شجرة المفاوضات، وعندها يصبح الملف بعهدة قيادة الجيش (فنياً) ورئاسة الجمهورية (سياسياً) بحكم ترؤسه جلسات مجلس الوزراء. حصل أخذ ورد كبيرين بين لبنان وإسرائيل، بواسطة الأميركيين. كان يذهب الملف إلى تل أبيب ولا يأتي الجواب إلا بعد سنة. يهجم الأميركيون بشكل أسبوعي على لبنان ثم يختفون لأشهر وأحياناً أكثر. القطب المخفية كثيرة. لكن في النهاية أمكن التوصل إلى صيغة مرضية للجميع لعل أبرز ما فيها هو الآتي:

أولاً، تلازم الترسيم النهائي براً وبحراً: عملياً وعلمياً وفنياً، لا يمكن فصل الترسيم البحري عن الترسيم البري، ذلك أن النقطة B1 في بر الناقورة ستكون هي الأساس في كل الترسيم البحري وصولاً إلى النقطة B23 في عمق البحر. أكثر من ذلك، وفق تجارب دولية أخرى، فإن البر يفرض سيادته على البحر. بمعنى آخر، مسار الترسيم البري المستمر منذ العام 2000 تاريخ الإنسحاب الإسرائيلي، أفضى إلى معالجة سبع نقاط خلافية من أصل 13 نقطة خلافية، وهذا الترسيم للبر سيستمر وفق الآلية نفسها، أي بين لبنان وإسرائيل واليونيفيل (الأمم المتحدة) وله مرجعيته وخرائطه ولن يكون الأميركيون جزءا منه. أما الترسيم البحري، فسينخرط فيه الأميركيون، لكن ثغرته الأكبر هو تضارب المرجعيات وتناقضها من الترسيم البحري بين لبنان وقبرص والذي شكّل أساس الترسيم القبرصي الإسرائيلي لاحقاً (هذه هي المصيبة الكبرى التي لم يحاسب أحد عليها لبنانياً حتى الآن) إلى قانون البحار (لبنان يلتزم به وإسرائيل لا تلتزم)، فضلاً عن إشكالية النقطة B1 البرية التي لم تكن نقطة خلافية بين لبنان وإسرائيل، لكن عندما تم إكتشاف الغاز في البحر قبالة سواحل لبنان وفلسطين المحتلة، حاول الإسرائيليون إفتعال خلاف حولها، عبر دفعها بإتجاه لبنان شمالاً لمسافة تتراوح بين سبعة أمتار وثلاثين متراً، وقد حاول لبنان في إحدى جولات التفاوض أن يسحب الذريعة الأمنية الإسرائيلية، بأن يتراجع حضوره المادي الأمني إلى الوراء لسحب حجة الإشراف من فوق على المستوطنات الشمالية المحاذية للبحر من جهة الناقورة، بشرط أن تبقى النقطة B1  هي الأساس في ترسيم الحدود، لكن الإسرائيليين رفضوا ذلك وأصروا على تعديل الترسيم البري أولاً، علما أن كل الخرائط بحوزة لبنان من زمن سايكس بيكو إلى يومنا هذا مرورا بلبنان الكبير والإستقلال هي المرجع ولا تتضمن أي إلتباس في النقطة B1.

ثانياً، عدم تحديد سقف زمني للمفاوضات: هذه النقطة كانت إشكالية أساسية، لكنها شكلت حلاً وسطاً، إذ أنه كان من الأفضل للبنان أن يحدد مهلة لا تتعدى الستة أشهر من أجل إنجاز الترسيم، وهذا هو ما سعى إليه رئيس مجلس النواب، لكن تعذر ذلك بسبب إلحاح الأميركيين على تسوية سريعة تناسبت مع رغبة تل أبيب بعدم إلزام نفسها بأية مهلة زمنية!

ثالثاً، عدم إعطاء أي طابع سياسي أو أمني للترسيم الحدودي البحري أو البري، اي البقاء تحت سقف الالية المعتمدة منذ تفاهم نيسان/ابريل 1996، والتي أعاد التأكيد عليها القرار 1701 (آلية التفاوض الثلاثية في الناقورة)، من دون إغفال مندرجات تفاهم 1996 التي ما زالت سارية المفعول حتى يومنا هذا، وجاءت تتويجاً لمفاوضات دولية وإقليمية كان رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري حاضراً في تفاصيلها إلى جانب قيادة حزب الله التي خاضت المفاوضات من قلب العاصمة السورية.

رابعاً، تعزيز دور الأمم المتحدة، في مفاوضات الترسيم البحري، كما في الترسيم البري، وصولاً إلى إحالة الإتفاق النهائي (مع المحاضر) إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة من أجل تثبيتها دولياً في نهاية المطاف، وهذه النقطة إستحوذت مفاوضات شاقة مع الأميركيين الذين كانوا يسايرون تل أبيب التي ترغب في تهميش دور الأمم المتحدة ولا تريدها شريكة في المفاوضات البحرية.

خامساً، أحرج لبنان الأميركيين ليس بجعلهم مجرد شهود، بل ألزمهم بأن يكونوا وسطاء ومُسهلين، لا سيما بعد أن تعهدوا للجانبين بأن يكون دورهم هو الحفاظ على أجواء إيجابية وبناءة في أثناء المفاوضات، لا أن ينحازوا، كما جرت العادة، إلى الإسرائيليين، وهذا سيشكل إمتحاناً لمصداقية واشنطن، برغم قناعة معظم أهل السياسة في لبنان بأن النتيجة معروفة سلفاً!

سادساً، في ظل كل الانتكاسات السياسية والإقتصادية والمالية والمعيشية في لبنان، ثمة بقعة ضوء تعطي إشارات إيجابية للخارج والداخل، لا بل يمكن أن تُعطي نفساً إذا أحسن اللبنانيون إستثمارها ولم يدخلوها في بازار التجاذبات الداخلية. لذلك، لا بد من الإلتفات إلى موجبات هذا المسار، وهذا الأمر يبدأ بإعادة النظر في هيئة إدارة قطاع النفط وتعزيز صلاحياتها وإستقلاليتها بدل جعلها مجرد “شرابة خرج”، كما حصل في السنوات الأخيرة. أيضاً، لا بد من مقاربة موضوع التنقيب الإستكشافي في البلوك رقم 9 بطريقة علمية لا على غرار ما حصل في البلوك رقم 4، حيث كان ينبغي أن لا تنطلق منه أعمال الإستكشاف، وفق نصيحة أكثر من شركة دولية، لكن الحسابات الطائفية والسياسية جعلت لبنان يبدأ من حيث كانت النتيجة معروفة، برغم كل ما يقال بأن البلوك رقم 4 يتضمن كميات تجارية، وهو أمر غير صحيح، وإذا كان صحيحاً، عندها لا تسقط شركة “توتال” في إمتحانها اللبناني بل تهتز أسهمها وسمعتها وكل رصيدها الدولي في هذا المضمار!

سابعاً، لنراقب مسار التنقيب في الجانب الإسرائيلي. آخر تلزيم حصل في 23 أيلول/سبتمبر الماضي. شركة شيفرون الأميركية العالمية إشترت شركة “نوبل إنرجي” الإسرائيلية، وهذا يعني أن الأولى صارت مالكة للعديد من الحقول الإسرائيلية. هذا الأمر قد يؤدي إلى خلط أوراق من جهة وكشف أوراق من جهة أخرى. هل يتقدم الأميركيون إلى الدورة الثانية للبلوكات مطلع العام 2021، فيستحوذون على البلوك رقم 8، أكثر البلوكات خلافية بين لبنان وإسرائيل؟ أم ربما نشهد دخول شركات أوروبية مثل توتال إلى الحقول الشمالية القريبة من الحدود مع لبنان؟ هل يمكن إعادة الإعتبار إلى الإقتراح الأميركي الشهير بوضع عائدات المنطقة المتنازع عليها ضمن صندوق يتم تقاسمه مستقبلاً بين لبنان وإسرائيل؟

ثامناً، كان الإتفاق ـ الإطار منجزاً، منذ وقت طويل، أقله بعناوينه العامة، لكن الأميركيين هم الذين إختاروا التوقيت، لأنهم وحدهم يملكون الجواب الإسرائيلي، وهم إختاروا الإتيان به في لحظة سياسية مؤاتية جداً للإدارة الأميركية. إنه موسم الإنتخابات الأميركية. دونالد ترامب يبحث عن أي “إنجاز”. إتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين.. والآن الإتفاق ـ الإطار يندرج في هذا السياق. هذا ما قالته وزارة الخارجية الأميركية بأن المفاوضات المنتظرة بين لبنان وإسرائيل تمهد للإستقرار والأمن والإزدهار. بكل الأحوال، سيصل الموفد الأميركي المعني بالملف السفير ديفيد شينكر إلى بيروت خلال أيام قليلة، وهناك حديث عن إقامة له ستطول في الربوع اللبنانية، وعن حجوزات لصحافيين أميركيين في عدد من فنادق العاصمة، إستعداداً للإحتفالية التي ستجري في الناقورة قبل الإنتخابات الأميركية أمام العدسات وفي زحمة أعلام لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة والأمم المتحدة، إيذاناً بإنطلاق المفاوضات الرباعية.

تاسعاً، ليس خافياً على أحد أن ما تم التوصل إليه يبيّن بشكل غير مباشر عدم رغبة أحد من الأطراف على الخوض في أية مغامرة عسكرية، بل على العكس إيجاد ضوابط تضمن عدم الإنزلاق إلى اي حروب أو “معارك بين الحروب” في المدى القريب.

عاشراً وأخيراً، برغم الطابع الفني للترسيم لكن القرار النهائي سيكون قراراً سياسياً يتخذه مجلس الوزراء مجتمعاً وهذه نقطة مركزية هامة جداً جداً، قد تفسر سبب سقوط تكليف مصطفى أديب و”حكومة المهمة”.. وفي المقابل، نجاح أية حكومة جديدة، في المستقبل.. أيضاً، لنراقب مسار العقوبات في المدى القريب ولماذا بات البعض في بيروت مطمئناً إلى هذا الحد وهل سيتوقف المسار عند رسائل علي حسن خليل ويوسف فنيانوس الأخيرة.. للبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course