تفاوض لبنان وإسرائيل: وساطة أميركية تُمهِِل ولا تُلزِم

يأتي إعلان لبنان وإسرائيل عن إتفاق إطار للتفاوض على ترسيم الحدود بعد سلسلة تطورات منها إنفجار مرفأ بيروت وفشل المبادرة الفرنسية وسجال حزب الله-إسرائيل حول مخابئ السلاح والإنتخابات الرئاسية الأميركية المرتقبة. وبالتالي هناك تساؤلات حول التوقيت والدوافع والاحتمالات لهذا الاختراق في التفاوض حول قضية سيادية لها تداعيات على الداخل اللبناني والدينامية الاميركية-الايرانية في المنطقة وعلى التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط.

بداية، لا يمكن فصل هذا التطور عن الضغوط الأميركية الهائلة على الطبقة السياسية في لبنان. فكما كان ضغط إدارة دونالد ترامب كبيراً لإطلاق العميل عامر الفاخوري مهما كلف الامر، فإن الطلب الاميركي كان حاسماً بوجوب التوصل الى اتفاق ـ إطار على ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل بأسرع وقت ممكن. البيت الابيض يربط بشكل غير مباشر اتفاقيات التطبيع العربية مع اسرائيل بحدوث تقدم في التفاوض بين لبنان واسرائيل على حدودهما البرية والبحرية. اللافت للإنتباه في هذا السياق، أنه بينما كانت باريس منشغلة بالمبادرة الفرنسية في لبنان، اتت ادارة ترامب للقول بأن مسار تشكيل الحكومة الجديدة لا يعني واشنطن وأن الاولوية الأميركية هي لترسيم الحدود مع اسرائيل. ادركت الطبقة السياسية ان المواجهة مع ادارة ترامب مكلفة، لا سيما بعد اهتزاز النظام السياسي بكل أركانه في انفجار بيروت، ولذلك، من الافضل امتصاص الغضب الاميركي وتسريع اعلان اتفاق النوايا (الإطار) حتى يضع التفاوض على سكة الانطلاق قريباً، ومن دون أن يلزم الاطراف المعنية بالتوصل الى تسوية، وهذا الأمر لا تمانعه واشنطن في المدى المنظور.

يُسجل للجانب اللبناني أنه تمكن من الحصول على بعض شروطه، مثل التأكيد على الحضور الاميركي خلال التفاوض والتمسك بمحاورين عسكريين وليس مدنيين ودور الامم المتحدة كضامن لاي اتفاق موقع مستقبلاً. لكن هناك اشكاليات لم تعالج مسبقاً وقد تؤدي الى الدخول في دوامة مفرغة من المفاوضات قد تمتد الى سنوات، ومنها تلازم ترسيم الحدود البرية والبحرية والنسبة المئوية التي يمكن ان يتفق عليها الطرفان في تقاسم البلوكين الجنوبيين الرقم 8 و9، المحاذيين للحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية.

بطبيعة الحال، هناك فارق بين تفاوض على ترسيم الحدود وبين التوصل الى اتفاق دائم لاطلاق النار، فالأول يمكن تفويض العسكر بإنجازه وتنفيذه، أما الثاني، فيحتاج الى انخراط حكومي مباشر. لبنان يستمر بالتفاوض مع اسرائيل من خلال القرار 1701 واجتماعات الناقورة الثلاثية (لبنان وإسرائيل واليونيفيل)، لكن حالياً تم توفير الغطاء السياسي الصريح لمسار الترسيم سواء من اركان النظام اللبناني مباشرة أو من حزب الله بالتحديد بطريقة غير مباشرة، بدليل إلتزام حزب الله الصمت إزاء الإتفاق وإستحالة أن يكون رئيس مجلس النواب نبيه بري قد أعطى موافقته من دون التنسيق والتشاور مع قيادة حزب الله. هذا يقود للقول إن الضغوط الاميركية ستتركز هذا الشهر على كيفية الدفع نحو تحقيق اختراق سريع، وعلى الارجح سيحضر مسؤول عسكري اميركي هذه المفاوضات، وسيحاول تمرير تسوية حدودية ما إما بالترغيب أو بالترهيب.

ترسيم الحدود يعني نزع فتيل الانفجار على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية، وهذا يحتاج الى اتفاق اميركي – ايراني متكامل لم تنضج ظروفه بعد وقد لا تكتمل ملامحه في اي يوم قريب. اما اتفاق الاطار حول التفاوض، فالانجاز الوحيد قد يكون إعلانه رسمياً

ثمة نقطة جوهرية تُركز عليها جميع الاطراف المعنية: ضمان التنقيب الآمن عن الغاز، وبالتالي هناك مصلحة مشتركة للبنان وإسرائيل لا بل لكل دول شرق المتوسط، ذلك أن أية إنتكاسة إستثمارية ستؤثر سلباً على مجمل دول الحوض الشرقي.

يريد الجانب اللبناني صيغة تضمن دخول شركة “توتال” الفرنسية الى البلوك رقم 9 (ثمة مسافة لا تقل عن عشرين كيلومتراً عن أقرب نقطة خلافية في هذا البلوك، وبالتالي يمكن مباشرة التنقيب الإستكشافي في العام 2021). أي لا ضرورة للتوصل الى اتفاق كامل قد يؤدي بعد توقيعه الى اثارة تساؤلات حول سلاح حزب الله.

في المقابل، يريد الجانب الاسرائيلي صيغة تشير ـ ولو بالشكل ـ الى خطوات تندرج ضمن مناخ التطبيع وتعطي فرصة للحصول على مساحة ولو كانت محدودة جداً من البلوكين الرقم 8 و9 المتنازع عليهما أو على جزء منهما. البديل في حال فشل هذا التفاوض هو ترسيخ الهدنة الحالية، أي إعطاء ضمانات لشركة “توتال” للتنقيب شرط ان تبقى بعيدة عن النقاط المتنازع عليها.

ادارة ترامب تقوم حاليا بهجوم متكامل على النظام الايراني لوضع طهران في موقع دفاعي في ظل اتفاقيات التطبيع العربي مع اسرائيل وللتمهيد الى تفاوض مع ايران قد يتبلور في مرحلة ما من العام المقبل أياً كان الفائز في الانتخابات الاميركية. ومن الواضح ان ليس هناك رغبة ايرانية برفع مستوى المواجهة في لبنان، وبالتالي هناك ليونة ايرانية امام الضغوط الاميركية مقابل تشدد طهران حيال المبادرة الفرنسية.

لبنان لا يدخل هذه المفاوضات من موقع قوة. بالعكس، نظامه السياسي بات مكشوفاً امام الضغوط الخارجية وفي ظل فجوة كبيرة من عدم الثقة مع مواطنيه. وضع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري “كرة نار” التفاوض بيد الرئيس اللبناني ميشال عون والمؤسسة العسكرية اللبنانية مع تحديد سقف التفاوض، وبالتالي انسحب تكتيكياً تاركاً لقيادة الجيش اللبناني المقربة من الأميركيين التعامل مع ضغوط إدارة ترامب.

اذا كان اطار التفاوض بين لبنان وإسرائيل قد إحتاج إلى أكثر من عشر سنوات، فهذا يعني أن لا افق للتوصل الى اتفاق فعلي ونهائي في المدى المنظور. ترسيم الحدود يعني نزع فتيل الانفجار على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية، وهذا يحتاج الى اتفاق اميركي – ايراني متكامل لم تنضج ظروفه بعد وقد لا تكتمل ملامحه في اي يوم قريب. اما اتفاق الاطار حول التفاوض، فالانجاز الوحيد قد يكون إعلانه رسمياً.

جو معكرون

صحافي وكاتب لبناني مقيم في واشنطن

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course