ترامب يورّث بايدن “البركان” الإيراني

كثيراً ما كان الكاتب والصحافي المصري الكبير محمد حسنين هيكل ما يصف في مقالاته ومؤلفاته إيران بـ"البركان" قبل ثورة محمد مصدق عام 1951 وبعدها، وقبل ثورة 1979 وبعدها. ولا يزال الوصف صالحاً حتى اليوم.     

منذ دخوله إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2017، رفع دونالد ترامب إيران، إلى مرتبة الشأن المحلي الأميركي بامتياز. ولم يتعامل مع قضية خارجية بهذا المستوى من الإهتمام. حتى حروبه التجارية مع الصين والإتحاد الأوروبي لم تحتل ذاك الحيز من الإنشغال. وعندما أراد أن يقارب المسألة الفلسطينية، قاربها من المنظور الإيراني، وليس كونها مسألة قائمة بذاتها. ودفع نحو إنجاز التطبيع بين دول عربية وإسرائيل، إنطلاقاً من هاجس زيادة الضغط على إيران، وليس من قبيل تحريك الملف الفلسطيني، الذي إنتهى بالنسبة إليه بنقل السفارة الأميركية إلى القدس والإعتراف بسيادة إسرائيل عليها ومباركة الضم الذي يمكن أن يحدث بين لحظة وأخرى لغور الأردن وبقية المستوطنات في الضفة الغربية. عند هذا الحد، إنتهت المسألة الفلسطينية بالنسبة إلى ترامب.

أما إيران، فتستمر موضوعاً شائكاً بالنسبة إلى ترامب حتى اليوم الأخير من ولايته. لا يمر يوم أو أسبوع من دون إضافة المزيد من العقوبات وممارسة شتى أنواع الضغوط ليس على إيران فحسب، بل على كل الدول المحسوبة على النفوذ الإيراني، من العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى اليمن. ولم تنج شركات روسية ولا صينية ولا حتى أوروبية من سيف العقوبات لمجرد الشبهة بالتعامل مع إيران، هذا عدا عن العقوبات التي طاولت أفراداً بعينهم. مارس ترامب سياسة “مكارثية” بكل معنى الكلمة ضد إيران.

في كلمته إلى الجنود الأميركيين في مناسبة عيد الشكر، الخميس الماضي، قال ترامب في معرض رده على سؤال لأحد الصحافيين إن “أموراً كثيرة ستحدث من الآن وحتى 20 كانون الثاني/يناير”، موعد تسلم الرئيس المنتخب جو بايدن الرئاسة. البعض إعتقد أن ترامب يقصد بـ”الأمور”، تلك الإجراءات القانونية التي يعتمدها الرئيس المنتهية ولايته لقلب نتائج الإنتخابات لمصلحته. لكن عبارته كانت ملتبسة إلى حد ما. وربما كان المقصود بها “أمور” ستحدث خارج أميركا أيضاً.

إغتيال العالم النووي الإيراني البارز محسن فخري زاده في اليوم التالي لكلمة ترامب ـ الالتباس، يرجح كفة أن ترامب كان يقصد أموراً ستحدث في الخارج. ولا يخفي الإعلام الأميركي تخوفه من إقدام ترامب على مغامرة في إيران منذ أقدم، بعد أيام من الإنتخابات الرئاسية، على إقالة وزير الدفاع مارك إسبر وتكليف كريستوفر ميلر المقرب منه مهام وزير الدفاع بالوكالة.

لا يخفي الإعلام الأميركي تخوفه من إقدام ترامب على مغامرة في إيران منذ أقدم، بعد أيام من الإنتخابات الرئاسية، على إقالة وزير الدفاع مارك إسبر وتكليف كريستوفر ميلر المقرب منه مهام وزير الدفاع بالوكالة

لا تقل خيبة ترامب من نتائج إنتخابات الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، عن خيبته من سياسة “الضغط الأقصى” على إيران. وفي رأي معظم المحللين الأميركيين والغربيين، أن هذه السياسة، بعد عامين من إنتهاجها، أثبتت فشلها، فإيران لم تعد إلى طاولة المفاوضات، وباتت تملك مخزوناً من اليورانيوم المخصب يجعلها أقرب إلى القنبلة مما كانت عليه قبل خمسة أعوام عند إبرام الاتفاق النووي.

وبالطبع لم يكن ترامب مسروراً من دفعة التعيينات الأولى التي أعلن عنها بايدن، لا سيما وأنها ضمت وجوهاً لعبت دوراً رئيسياً في التوصل إلى اتفاق العام 2015، جون كيري وجايك سوليفان، كلاعبين مباشرين في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي، بينما أنطوني بلينكن كان نائباً لوزير الخارجية والمستشار الأقرب إلى بايدن نائب الرئيس عامذاك.

بنى ترامب رئاسته على ركيزتين: الإقتصاد القوي وإلغاء الإتفاق النووي الإيراني وإرغام طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات لإبرام إتفاق جديد معها يضع حداً نهائياً لبرنامجها النووي وتجاربها الصاروخية ويجرّدها من نفوذها الإقليمي. ولهذه الغاية، لجأ إلى “الضغط الأقصى” الذي شلّ الاقتصاد الإيراني فعلياً بعدما أرغم الشركات الغربية على المغادرة خوفاً من تعرضها لشظايا العقوبات الأميركية، بينما تدنت صادرات النفط إلى مستويات هي الأدنى منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

لم يكتفِ ترامب بذلك، بل أمر باغتيال قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني في مطلع العام الجاري، آملاً في زعزعة النظام الإيراني من طريق تصفية أحد أكثر رجالاته نفوذاً ونشاطاً في المنطقة. قابلت إيران إغتيال سليماني بإلتزام “الصبر الإستراتيجي”، تماماً مثلما هي سياستها حيال الغارات الإسرائيلية المتكررة على أهداف إيرانية في سوريا.

وفي أيار/مايو 2020، إندلع حريق في مفاعل نطنز، من طريق هجوم سيبراني، على الأرجح، حَمَلَ توقيع إسرائيل أو أميركا. ولمّح ترامب ونتيناهو إلى أن النتيجة كانت تأخير البرنامج النووي لسنوات. بعد نطنز، تكررت حوادث التفجيرات والحرائق في منشآت إيرانية متعددة الأغراض منها ما هو عسكري ومنها ما هو مدني، عبر هجمات أمنية أو سيبرانية.

إسرائيل تسعى بكل الطرق إلى إستجلاب رد إيراني، يشكّل ذريعة لقيامها بتوجيه ضربة للمفاعلات النووية الإيرانية، إعتقاداً منها أن إيران غير قادرة في ضوء الإنهاك الإقتصادي الذي تعيشه، على الرد

كانت غاية إدارة ترامب من “الضغط الأقصى” دفع النظام الإيراني إلى الإنهيار، حتى ولو أنكر المسؤولون الأميركيون ذلك في العلن، وتمسكوا بمقولة “تغيير السلوك”.

إقرأ على موقع 180  رؤية بن سلمان.. على حافة تقلبات تهدّد العقد الإجتماعي السعودي

وبرغم تعزيز سياسة العقوبات بعمليات سرية على غرار ما جرى في نطنز وعمليات إختراق أخرى للبنى التحتية الإيرانية، فإن “الضغط الأقصى” لم يحقق نتائجه. وتحمّلت إيران الخسائر من دون الإنجرار إلى ردة فعلٍ بالتوقيت الأميركي، على الرغم من أنها كانت ترسل إشارات تحذيرية عبر مضيق هرمز وعبر إسقاط طائرة الإستطلاع الأميركية “آر. كيو-4 غلوبال هوك” في حزيران/يونيو 2019. والنفوذ الإيراني إقليمياً لا يظهر أنه في تراجع، لا في العراق ولا في اليمن ولا في سوريا ولا في لبنان. بقيت إيران لاعباً رئيسياً في العواصم العربية الأربع.

أتت نتائج الإنتخابات الأميركية لتزيد من خيبات ترامب. في الداخل، رُدت الطعون التي رفعها في عدد من الولايات لقلب النتائج، وبات من المُسلّم به أنه سيغادر البيت الأبيض بحلول 20 كانون الثاني/يناير المقبل. لكن حتى ذلك الوقت لا يزال هو الرئيس ولا يزال في إمكانه أن يورّث رئاسة بايدن مشاكل لا حصر لها. لكن همّه الأساس هو خلق بيئة تجعل من المستحيل على بايدن العودة إلى الإتفاق النووي بتلك السهولة التي يتصوّرها.

الهدف الأخير لترامب يتطلب خوض غمار المخاطرة بدفع الشرق الأوسط إلى حربٍ جديدة، لا يتحمس لها أحد في العالم سوى بنيامين نتنياهو. وعندما يأتي إغتيال فخري زاده في هذا السياق فضلاً عن الإستفزاز اليومي في سوريا، فإن إسرائيل تسعى بكل الطرق إلى إستجلاب رد إيراني، يشكّل ذريعة لقيامها بتوجيه ضربة للمفاعلات النووية الإيرانية، إعتقاداً منها أن إيران غير قادرة في ضوء الإنهاك الإقتصادي الذي تعيشه، على الرد.

ترامب يريد توريث بايدن حرباً في الشرق الأوسط إنتقاماً من هزيمته في الإنتخابات وإنتقاماً من إيران لرفضها الجلوس معه على طاولة المفاوضات.

ونتنياهو الذي يستعد لإنتخابات تشريعية جديدة في إسرائيل، يريد تصوير نفسه أنه المنقذ للدولة العبرية من خطر وجودي كان يشكله البرنامج النووي الإيراني.

هذه هي النسخة الأميركية والإسرائيلية من خلال الدفع بإيران إلى حرب واسعة. لكن ما عساها تكون النسخة الإيرانية من هذه المواجهة؟

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  أوستن على رأس البنتاغون.. جدال حول "تسييس" العسكر