بايدن وإيران.. من ينزل عن الشجرة أولاً؟
Iran's Foreign Minister Mohammad Javad Zarif (L) meets with US Secretary of State John Kerry (R) during talks between the foreign ministers of the six powers negotiating with Tehran on its nuclear program, in Vienna, on July 13, 2014. Big difference remained in nuclear talks between world powers and Iran on Sunday with fears that an agreement may not be reached before the deadline next week. AFP PHOTO / POOL/ JIM BOURG (Photo credit should read JIM BOURG/AFP via Getty Images)

نأى دونالد ترامب عن البيت الأبيض، فتنفست إيران، وبدأ ينجلي غبار العاصفة التي أثارها إنسحابه من الإتفاق النووي قبل عامين ونيف وما تخللها من لحظات توتر كادت تتحول في أحيان كثيرة، مواجهات ساخنة.

من إغتيال قائد “قوة القدس” في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني مطلع عام 2020 وإغتيال كبير العلماء النوويين محسن فخري زاده في أواخره، وقبل ذلك إسقاط إيران لطائرة الاستطلاع الأميركية فوق مضيق هرمز في حزيران/ يونيو 2019. هذا عدا عن التوترات الناجمة عن الحروب بالوكالة من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان.
ومع ذلك، تفادت الولايات المتحدة وإيران الإصطدام المباشر واسع النطاق، وإن كانت المنطقة برمتها تأرجحت على حافة هذا الإصطدام منذ إنسحب ترامب من خطة العمل المشتركة الشاملة في 8 أيار/ مايو 2018.
الآن، يوجد في البيت الأبيض جو بايدن، الذي كان أعلن عن رغبته في إعادة الولايات المتحدة إلى الإتفاق النووي، لكنه لم يقل أن هذه العودة ستكون بلا شروط، ملمحاً إلى البرنامج الصاروخي الإيراني ونشاطات إيران الإقليمية. وردّد وزير الخارجية المعين أنطوني بلينكن صدى موقف رئيسه خلال مثوله أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في 20 كانون الثاني/ يناير الجاري. وزاد على ذلك أن عودة أميركا إلى الإتفاق مرتبطة بعودة إيران، إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب إتفاق، ورأى أن ظروف العودة إلى الإتفاق غير متوافرة حالياً. وفي رسالة تطمين إلى حلفاء واشنطن القلقين بعد ذهاب ترامب، قال بلينكن إن الولايات المتحدة ستشرك دول الخليج وإسرائيل في المفاوضات لإتفاق أقوى وأكثر إستدامة مع إيران. وربما كان بلينكن يقصد هنا أن هذه المفاوضات يمكن أن تجري بعد إحياء الإتفاق الحالي، كخطوة أولى. وما لم يعجب إسرائيل، هو قول بلينكن إن انسحاب ترامب من الإتفاق (الذي اعتبره وقتذاك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قراراً تاريخياً)، قد عزّز قدرات إيران النووية، عوضَ خفضها. وهذا موقف قريب من موقف القوى الأوروبية الثلاث الموقعة على الإتفاق، فرنسا وبريطانيا وألمانيا.
أما رئيسة الإستخبارات الوطنية أفريل هاينز، فكانت أوضح عندما قالت في إفادتها أمام مجلس الشيوخ، إن “المسافة لا تزال بعيدة” أمام عودة واشنطن إلى الإتفاق النووي.
ومن نافل القول إن كلام بلينكن وهاينز، المقصود به تطمين الحلفاء، من أن العودة الأميركية إلى الإتفاق النووي، لن تكون تلقائية، بل ستأخذ في الاعتبار هواجس أصدقائها في المنطقة ولا سيما إسرائيل.

تفادت الولايات المتحدة وإيران الإصطدام المباشر واسع النطاق، وإن كانت المنطقة برمتها تأرجحت على حافة هذا الإصطدام منذ إنسحب ترامب من خطة العمل المشتركة الشاملة في 8 أيار/ مايو 2018

أين تقف إيران من كل هذا؟
لا يخفي القادة الإيرانيون سرورهم برحيل ترامب. لكنهم يشترطون من ناحيتهم أن تعود أميركا إلى الإتفاق وترفع العقوبات التي فرضها ترامب أولاً، كي تعود طهران إلى إلتزاماتها بمقتضى الإتفاق النووي. ومن الناحية الفعلية، كانت إيران قد بدأت تعزز موقعها التفاوضي من خلال سلسلة إجراءات تدرّجت من رفع نسبة التخصيب من 3.67 في المئة إلى 4.5 في المئة في تموز/ يوليو 2019، إلى نسبة 20 في المئة في 4 كانون الثاني/ يناير 2021، في مناسبة مرور عام على إغتيال سليماني، مع تلويح بالقدرة على رفع النسبة إلى 60 في المئة في مرحلة لاحقة.
وفي عام 2019، تجاوزت إيران الحد المسموح لها بتخزينه من الأورانيوم المخصب، من 202.8 كيلوغرام وفق ما جاء في الإتفاق النووي، ليبلغ 2442.9 كيلوغراماً في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، وذلك وفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأدخلت إيران جيلاً متطوراً من أجهزة الطرد المركزي “أي آر-2” إلى منشأة نطنز بعدما كان الإتفاق النووي يسمح لها باستخدام عدد محدد من الجيل الأول من أجهزة الطرد “أي آر-١”، وذلك رداً على عملية التخريب السيبرانية، التي تعرضت لها المنشأة في أيار/ مايو 2020. كذلك هو الحال في منشأة فوردو تحت الارض.
والخطوة الأخرى التي أقدمت عليها إيران، كان ما أعلنته الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 14 كانون الثاني/ يناير الجاري، من أن إيران بدأت العمل في خط تجميع لتصنيع مادة رئيسية تستخدم في تصميم الرؤوس الحربية النووية، مشيرة إلى أن إيران ابلغتها أنها بدأت في تصنيع معدات ستستخدمها لإنتاج معدن الأورانيوم في موقع بأصفهان في غضون الأشهر المقبلة. وقالت الوكالة، إن معدن الأورانيوم يمكن استخدامه لصناعة نواة سلاح نووي، مشيرة إلى أن طهران لم تبلغها بأي جدول زمني لموعد قيامها بذلك.

ما تقدم عليه إيران يصب في خانة البعث برسالة إلى الغرب وتحديداً واشنطن من أنها “ليست مستعجلة” للعودة إلى الإتفاق، وفق آية الله علي خامنئي

صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، إعتبرت أن هذا التطور يقرّب إيران من عبور الخط الفاصل بين العمليات النووية ذات الإستخدام المدني المحتمل، مثل تخصيب الوقود النووي لمفاعلات توليد الطاقة، وأنشطة الأسلحة النووية.
وفي الوقت نفسه، تحرص إيران على إحاطة الوكالة الدولية بكل خطواتها، ولم تقدم حتى الآن على قرار يستشف منه أن طهران في طريقها إلى التحرر نهائياً من اتفاق فيينا.

ما تقدم عليه إيران يصب في خانة البعث برسالة إلى الغرب وتحديداً واشنطن من أنها “ليست مستعجلة” للعودة إلى الإتفاق، وفق آية الله علي خامنئي.
وقابلت إيران تعزيز القدرات البحرية والجوية في الخليج، بمناورات واسعة النطاق، لا سيما في الأيام الأخيرة من ولاية ترامب. وللإيحاء، بأن الوضع الاقتصادي الداخلي، لم يعد ضاغطاً، كان لافتاً للإنتباه إعلان وزير النفط الإيراني قبل يومين أن بلاده “زادت كثيراً” من مبيعات النفط على رغم العقوبات الأميركية المشددة في هذا المجال.
وفي الجانب الإقليمي، الذي تسعى إدارة بايدن إلى ربطه بالمسار النووي، لا يزال يلقى معارضة قوية من طهران، التي تطرح حواراً مباشراً مع السعودية.

والملاحظ أن وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، يكرّر بعد قمة المصالحة الخليجية في مدينة العلا السعودية في 5 كانون الثاني/ يناير، دعوة بلاده إلى حوار خليجي مع إيران. والملاحظة الأخرى، هي أن وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، وفي حديثه إلى قناة “العربية” الخميس الماضي، قال :”يدنا ممدودة للسلام مع إيران، لكن طهران لا تلتزم اتفاقاتها. إن دعواتها للحوار هي للهروب من أزماتها”. ومع ذلك، لم يتسم كلام الوزير السعودي بالحدة، التي كانت عليها مواقف المملكة حيال إيران في الأعوام الأخيرة.
في هذه المناخات، تدور كل التكهنات الآن، حول من سيكون المبادر أولاً، واشنطن أو طهران، في ما يتعلق بالخطوة الأولى التي تكفل إحياء خطة العمل المشترك الشاملة.
في البيت الأبيض، مساعدون كثيرون لجو بايدن كانوا منخرطين في التوصل إلى إتفاق فيينا، مما يساعد أكثر في تقريب مسافة العودة إلى الإتفاق، قبل أن تصير العودة إليه صعبة جداً، إذا ما حملت الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة في حزيران/ يونيو 2020، رئيساً من التيار المتشدد. عندها قد يصبح إتفاق 2015 حدثاً من الماضي، ويبدأ فصل جديد من التصعيد بين أميركا وإيران.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free