السعودية الخائفة من إيران.. بأية وظيفة تُغري بايدن؟

لم تحدد الإدارة الأميركية الجديدة خياراتها النهائية في الملف النووي، وهي تعتبر نفسها غير ملزمة بالمهل التي ألزمت إيران نفسها بها. في هذا السياق، يترقب السعوديون كيف ستتصرف إدارة جو بايدن وهل ستلحظ مصالحهم في حال العودة إلى الإتفاق النووي، وصولاً إلى جلوس المملكة حول الطاولة التفاوضية نفسها.

يبدو أن بعضاً من مخاوف السعودية بشأن الولايات المتحدة قد بدأت تتحقق، بأسوأ الأشكال والسيناريوهات، سواء تعلق الامر بالعلاقات الثنائية، أو بالمنطقة بشكل عام، وذلك مع بداية عقد جديد تستهله إدارة جو بايدن بإعادة هيكلة علاقاتها مع “حلفائها” وخصومها في الشرق الأوسط، وفق محددات استراتيجية جديدة تختلف بشكل جذري عما استقرت عليه السياسات الأميركية في السنوات الأربع الماضية من حكم دونالد ترامب بالنسبة لهؤلاء الحلفاء، وعلى رأسهم الرياض، وهي سنوات ربما كانت بمثابة وقت مستقطع اشترته الأخيرة بأثمان باهظة قد تكلفها سنوات هي الأصعب في تاريخ العلاقات الأميركية السعودية منذ مأسستها باتفاق كوينسي عام 1945.
النمط العام لسياسات السعودية على المستويين الإقليمي والدولي في الفترة الأخيرة يظهر كنمط “إدارة كارثة” متعلقة في أصلها بتآكل محددات العلاقات الاستراتيجية بينها وبين واشنطن؛ فهذا النمط المستمر منذ أواخر عهد باراك أوباما، وعلى امتداد عهد ترامب، بلغ مداه الأقصى، وحانت ساعة “مراجعة العلاقات” أميركياً، وفق تعبير وزير الخارجية الأميركي الجديد، انتوني بلينكن، الذي ينظر اليه باعتباره مهندس تحولات السياسات الأميركية الخارجية في عهد بايدن، والتي لا تنحصر فقط في لملمة فوضى فترة ترامب.

الضغط على الحليف للتفاوض مع الخصم

وعلى عكس ما قد يتبادر إلى الأذهان بأن توجهات إدارة بايدن في ما يخص إيران هي وحدها ما يثير حفيظة وهواجس المملكة؛ الا ان المسألة تبدو في الواقع أعمق من ذلك، فهي تعود إلى 10 سنوات حافلة بالمتغيرات الإقليمية والدولية وسرعة وتيرتها، والتي أفرزت واقعاً جديداً يختزل بافتقاد السعودية، ربما للمرة الأولى منذ نشأتها، إلى دور وظيفي في خريطة المصالح الأميركية في الشرق الاوسط والعالم، حده الأدنى انتفاء أهمية نفطها استراتيجياً، وهو ما يضاعف، بالنسبة الى السعوديين، المخاوف من تسوية واشنطن مشاكلها مع طهران من دون الالتفات إلى أزمات الرياض وغيرها من الدول “الحليفة” لأميركا، ولا سيما مخاوف المملكة الاستراتيجية من تنامي الدور الاقليمي لإيران.
إزاء هذه المعضلة، سعت السعودية خلال الفترة الماضية إلى هندسة إصطفاف إقليمي يكبح وتيرة المتغيرات “البايدينية”، وإلى استبيان مدى تأثيرها على موقع المملكة القيادي في منظومة المصالح الأميركية في المنطقة، وهو دور سعت الرياض إلى تجذيره في سنوات ترامب الأربع، بتكلفة اقتصادية وسياسية عالية جعلت هذه العملية أقرب إلى المقامرة منه الى استثمار سياسي بعيد المدى.

سعت السعودية خلال الفترة الماضية إلى هندسة اصطفاف إقليمي يكبح وتيرة المتغيرات “البايدينية”

هذا المسعى السعودي الإستباقي الذي تم تنشيطه في الاتجاه اليمني، عبر “اتفاق الرياض”، وفي اتجاه مجلس التعاون الخليجي عبر “اتفاق العُلا”، والذي أنجز كلاهما على عجل وبحسب أولويات السعودية منفردة، ومن دون أقرب حلفائها في المنطقة (الإمارات ومصر)، سرعان ما اصطدم بمعضلة شبه مزمنة تخص نمط العلاقات بين هذا الثلاثي، والمتمثل في تباين الأولويات على مختلف الاتجاهات والملفات خلال السنوات الست الماضية، وعلى رأسها إيجاد صيغة مشتركة للتصالح مع قطر، ومن ثم إدارة العلاقات المستقبلية معها ومع تركيا على مختلف الأصعدة، سواء في ما يخص الخليج ومنظومة مجلس التعاون، أو ما يتصل بتراتبية إدارة العلاقات مع واشنطن وتل أبيب، ناهيك عن الملف الإيراني، وأخيراً في ما يخص طموحات ابو ظبي والقاهرة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا، وكذلك الأمر بالنسبة للقرن الأفريقي وقبله البحر الأحمر، وهي الملفات التي بات من الصعب وصف اختلاف تقديرات كل من الدول الثلاث تجاهها بأنه مجرد تباين، بل أصبح من المعقول القول بأنه أقرب إلى التنافس والخلاف في المدى المتوسط.
وإذا كانت السعودية قد دفعت بهذا الاصطفاف كممر إختياري يمكن لواشنطن أن تسلكه سواء في ما يخص سياساتها المستقبلية تجاه إيران أو لإعادة هيكلة علاقاتها مع حلفائها التقليديين في المنطقة، فإن الرياض بدورها تميل إلى احتكار هندسة الاصطفاف نفسه، وفق سلم أولوياتها وبوصلة مصالحها ومخاوفها، وذلك في سياق محاولة لتأمين مقعد عربي/خليجي وحيد لها على طاولة المفاوضات مع إيران، بحيث تُظهر لإدارة بايدن أن الإحاطة بمصالحها من ضمن مصالح واشنطن في المنطقة أفضل كثيراً من تجاهلها أو إقصائها، خاصة أن هذا الاصطفاف هو بمثابة عنوان زعامتها لمنظومة التعاون الخليجي ونفوذها في مختلف الدول العربية، وهذا الأمر شكل رافعة للاقتراح الذي ذهبت به قطر بعد مصالحة العُلا إلى إيران، ومفاده جلوس المملكة ممثلة الدول العربية أو دول مجلس التعاون، بالحد الأدنى، في أية تسوية جديدة بين واشنطن وطهران.
ولكن ضريبة المسعى السعودي تتمثل بارتفاع حدة تضارب المقاربات بينها وبين “حلفائها” بخصوص معظم الملفات والقضايا مثل كيفية إنهاء حرب اليمن؛ مستقبل العلاقات مع واشنطن؛ كيفية التعاطي مع الاستقطاب الداخلي الاميركي؛ والأهم تحويل تباين الأولويات على مختلف الأصعدة والملفات إلى حدود التنازع، سواء في ما يتعلق بالتعامل مع طموحات تركيا ومستقبل الإسلام السياسي فيها، أو ما يتصل بالمنافسة على أدوار وظيفية حيوية، على رأسها قيادة التطبيع مع إسرائيل، والتي ترى القاهرة أنه مسار يجب أن يتضمن مساحات تقليدية مثل إحياء عملية السلام والتفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين وليس فقط الموقف من إيران، في وقت تقفز أبو ظبي على ما سبق، متحررة مما تراه أعباء وعراقيل في سباقها نحو تعزيز تحالفها مع أبيب بشكل يتجاوز حتى أساسيات مبادرة السلام العربية (السعودية)، والتي ترى الرياض أنها يجب أن تكون المرتكز لأية تسوية شاملة بين العرب وإسرائيل.

عصا بايدن وجزرة إيران

“المواضيع التي لم تُدرج في الاتفاق النووي تم الاتفاق مسبقا على عدم إدراجها، لا يمكن اليوم أن تدرج فيه أيضاً”.
“إذا أرادت السعودية الجلوس على طاولة حوار فعليها خفض مشترياتها من الأسلحة أولا”…

بهذه التصريحات وغيرها تُذكّر إيران القوى الدولية والإقليمية المعنية بأن سياسة فصل الملفات لا تزال هي الممر الإلزامي للعودة الى الاتفاق النووي والوصول إلى تسوية مستقبلية بشأن تعديل الاتفاق السابق، أو استبداله بجديد؛ فالعبارتان السابقتان اللتان جاءتا على لسان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أتتا رداً على تساؤل حول الجهود والاقتراحات التي حُملت لإيران حول طريقة العودة للاتفاق النووي، والتي كانت ذروتها مؤخراً، وبموازاة العرض القطري، اقتراح فرنسي بالتوصل الى اتفاق شامل على مستوى المنطقة أو على مستوى الخليج بحد أدنى واقعي، ليكون بمثابة دستور للتعامل المستقبلي بين ايران ودول المنطقة وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها السعودية، التي تدرك أن هذا الاشتراط لا يحظى بتفضيل أميركي صميم، بل يمكن تجاوزه في المستقبل القريب، بمجرد انتهاء مرحلة إذابة الثلوج بين الإدارة الأميركية الجديدة وطهران في ما يخص الشأن النووي فقط، وليس برنامج الصواريخ الدقيقة أو سياسات إيران الإقليمية.

الأزمات الداخلية التي تواجهها الادارة الاميركية الجديدة لم ترجئ تحركات بايدن الخارجية الخاصة بالشرق الاوسط، وعلى رأسها المفاوضات مع إيران

هذا الفصل الصارم بين الملف النووي وبين النفوذين الإقليمي والصاروخي الذي يُصر عليه المسؤولون الإيرانيون بمثابة تأكيد على استراتيجية تفاوضية بدأت منذ محادثات عُمان “السرية” عام 2009، مروراً بسنوات التفاوض العلني وتوقيع الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ ومن ثم الانسحاب الأحادي المنفرد الذي قام به ترامب، لأسباب أميركية وبما يتوافق مع مصالح شركائه في المنطقة، الذين تم تجاهلهم إبان عهد باراك أوباما، كون الاتفاق النووي كان مُمهداً لإنسحاب أميركي من الشرق الاوسط، وإنهاء مظاهر التدخل المباشر في تعقيدات المنطقة التي يرى الأميركيون أن تغير بوصلة محددات مصالحهم فيها لا ينبغي أن يخضع لأمنيات “الحلفاء” مثل السعودية وإسرائيل.
في السياق ذاته، فإن تصريحات بايدن ومسؤولي إدارته بشأن العلاقات الثنائية مع السعودية والسياسات الإقليمية قد تراوحت بين التعهد بحماية الامن السعودي، ولكن في نفس الوقت إيقاف مبيعات الأسلحة للمملكة لأجل التسريع في إنهاء الحرب في اليمن، وهو المدخل الذي كانت الرياض تعول عليه لإدماجها كطرف في أية تسوية مستقبلية بين واشنطن وطهران.
من خلال مجريات الأيام الماضية، يمكن الإستنتاج أن إيران والولايات المتحدة (إدارة بايدن) باتا يدركان المعضلة التي تواجهها السعودية – وكذلك حكومة بنيامين نتنياهو – وعنوانها ما تراه الرياض وتل أبيب تحولات خطيرة في علاقاتهما الوظيفية والثنائية مع الولايات المتحدة، وذلك بعدما نجحتا في استغلال سنوات ترامب الاستقطابية الى اقصى حد ممكن.
ما سبق يرسم حدود الممكن سياسياً في ردود الفعل السعودية والاسرائيلية المستقبلية تجاه أية تسوية بين واشنطن وطهران، بعدما نجحت كل من الرياض وتل أبيب خلال عهد ترامب في تعطيل الاتفاق النووي وشراء الوقت عبر مجموعة من الإجراءات والسياسات والتحولات الإقليمية، التي كان الهدف منها الحيلولة دون العودة بشكل آلي وآني الى التسوية النووية ما لم يتم التوصل الى تفاهمات تدمجهما في تسوية شاملة مع إيران تكون القوى الدولية وعلى رأسها واشنطن ضامنة لها.
في المحصلة، فإن الأزمات التي بصددها الإدارة الأميركية الجديدة – تداعيات جائحة “كورونا” ولملمة فوضى فترة ترامب وغيرها من القضايا والملفات الاستقطابية والاستراتيجية في الداخل والخارج – لم ترجئ تحركات بايدن الخارجية، وعلى رأسها العودة الى الاتفاق النووي ومراجعة العلاقات مع الحلفاء، وإنهاء حرب اليمن، وهي الملفات الثلاثة التي بدا أن توجه الإدارة الأميركية بخصوصها لا تشكل هواجس هؤلاء الحلفاء فيه أية أولوية، ما يجعل الهوامش التي يمكنهم أن يتحركوا من خلالها محدودة للغاية، وعلى حساب بعضهم البعض.
الخيار الأقرب للواقع بالنسبة للسعودية واسرائيل هو انتظار ما سيسفر عنه مسار التفاوض بين واشنطن وطهران في ما يخص العودة للاتفاق النووي، وليس تفخيخ هذا المسار ومحاولة تعطيله. إذا نجح الأميركيون والإيرانيون في إبرام إتفاق، فإن السعودية لن تكون محكومة بمسار واحد مع إسرائيل. قد تبادر المملكة إلى فتح أبواب التطبيع مع طهران على مصراعيها. إسرائيل لها حساباتها وستبقى مراهنة على عرقلة الإتفاق. إذا فشل الأميركيون في التوصل إلى تفاهم مع الإيرانيين، فهذا هو “الخبر السعيد” الذي ينتظره السعوديون والإسرائيليون، وعندها سيكون الأميركي صاحب مصلحة في الإستماع إلى هواجس الرياض وتل أبيب ومناقشة أدوارهما الوظيفية الجديدة.

Print Friendly, PDF & Email
إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course