جبران باسيل إن حكى.. “بشير” أم “رابط البترون”؟

أدلى جبران باسيل بدلوه. كلامه السياسي حمّال أوجه وتقييم. الخلاصة الأبرز أن الحكومة صارت أبعد من أي وقت مضى. الشارع المسيحي هو بيضة القبان في المرحلة المقبلة، وجبران باسيل سيبقى في الضوء حتى إشعار آخر. لماذا؟

أولاً، جبران باسيل ذكي. كان متفوقاً في المدرسة والجامعة. يشهد له رفاقه. حتى في الحكومات، ندر أن شكا أحد من كسله. متهم بفائض حيويته. يكاد يعطي لعمله أكثر من عشرين ساعة. ماكينة عمل لا تهدأ. حساب وقته بالدقائق لا بالساعات. كان يفاوض السفراء والسياسيين والصحافيين على مواعيد أحيانا “على الواقف” أو “على الدرج”. أغضب سفراء فدبّجوا تقاريرهم إلى وزارات خارجيتهم شاكين ومحتجين، وبرغم ذلك لم يبدّل الرجل في سلوكه أبداً. عندما يتهمه كثيرون بالفساد، ندر أن أمسك أحد هؤلاء بورقة تدينه هو شخصياً. هذه مسألة تتصل بالحرفية والذكاء والشطارة. حتى من يعارضه في التيار الوطني الحر، لم يستطع أن يواكب قدرته على الإقتحام. شجاعته قابلها الآخرون بالإنكفاء أو الهروب أو الصمت أو الشغل على أكثر من “جبهة”!

ثانياً، جبران باسيل هو الإبن الحقيقي لميشال عون منذ أن تزوج إبنته شانتال. إستطاع أن يحتل كل زوايا قلب وعقل عمه. لم يعد “الجنرال” مستعداً لمسايرة إبنتيه ميراي وكلودين حتى بالشكل. مكتب الأولى المقفل في القصر الجمهوري منذ حوالي السنة، أصبح حالياً بعهدة أنطوان قسطنطين، المستشار السياسي الجديد. حتى كلودين، وبرغم حضورها الوظيفي في القصر، تفضّل التسلح بالصمت ساعة كاملة على مائدة الغداء أو العشاء مع والدها، على التحدث بالسياسة ولو بعمومياتها. كل ما عدا ذلك هو تفصيل، خصوصاً مع إنكفاء الزوجة ناديا وصمتها الحديدي المغلف بالكثير من الخيبات من الأقربين والأبعدين.

ثالثاً، ثمة مرحلة جديدة في حضور باسيل في القصر الجمهوري. لم يعد الأمر يقتصر على زيارة أو حضور إجتماع أو شغل مكتب في المديرية العامة لرئاسة الجمهورية. صار لرئيس التيار الحر مكتبه الرسمي في بعبدا. ثمة مبنى تم تشييده في عهد أمين الجميل في العقار الرئاسي نفسه. خصّصه الرئيس السابق للعب التنس والسباحة والتسلية مع شلة من الأصدقاء. لاحقاً، أهمل هذا المبنى وتضرر، قبل أن يعاد ترميمه ويصبح من حصة الحرس الجمهوري، ولا سيما في عهد الرئيس إميل لحود (أشرف العميد مصطفى حمدان على الترميم). هذا المبنى، صار مؤخراً يضم مكتباً رسمياً لرئيس التيار الوطني الحر. حراسته لا تخضع للحرس الجمهوري، بل لفريق الحراسة الخاص برئيس التيار الذي ينتقل معه من بيروت إلى البترون، كما إلى مقر التيار في ميرنا الشالوحي. أهمية هذا الإنتقال السياسي، تتصل بإحتمالات الفراغ أو تشكيل حكومة جديدة. في الحالتين، سيكون باسيل هذه المرة معنياً بالإلمام بتفصيل كل ملفات الرئاسة الأولى من قرارات ومراسيم وتقارير وجدول أعمال كل الإجتماعات، خصوصاً بعد أن تضخم حضور بعض المستشارين إلى حد قول أحد زوار القصر الجمهوري الدائمين:”لم يكن رئيس مجلس النواب محقاً عندما أبدى خشيته من إنتخاب رئيسين للجمهورية في العام 2016″. تسأله لماذا؟ فيجيبك بـ”أننا أصبحنا أمام ثلاثة رؤساء فعليين: ميشال عون أضعفهم، سليم جريصاتي أخطرهم. جبران باسيل الأكثر فعالية وتقريراً بينهم”!

يريد أن ينتقد حزب الله ويلوّح بمغادرة “التفاهم” في هذا الخطاب، وعندما يحل موعد الخطاب الذي يليه، يكاد يرتدي ثياب السرايا أو التعبئة و”يرابط” في مارون الراس أو يصبح “رابط الحزب” في البترون! يريد أن يسترضي الأميركيين من جهة ويفاخر بأنه حل على لائحة شرف العقوبات الأميركية من جهة ثانية

رابعاً، يشي مناخ القصر الجمهوري وحالة التنافر والتنافس بين المستشارين، بالإفتقاد إلى الهيبة. أين ميشال عون وعبارة “يا شعب لبنان العظيم”؟

هذا الجنرال، بات بنظر معظم محيطه رجلاً عجوزاً. يفتقد الجميع حضوره الدائم. يقارنه من يحبونه بأقرانه من زعماء الموارنة. فؤاد شهاب ما زال مضرب مثل حتى يومنا هذا. كميل شمعون ظل حتى لحظة رحيله كاريزماتياً وقوياً وقادراً على ضرب رجله في الأرض، ولا سيما في حزبه المتواضع ومجتمعه المسيحي. سليمان فرنجية الجد حارب وحافظ على هيبته ووقاره، أقله في بيئته الزغرتاوية والشمالية. بيار الجميل لم يكن أحد يتجرأ على فتح فمه بحضوره، ويوم قيل له في زمن لوزان أو جنيف أن “الشباب” (القوات) في بيروت يعترضون على مواقفك، طلب منهم ملاقاته عندما تطأ قدمه أرض لبنان. هناك سألهم “مين إعترض وعمل بيانات بغيابي”، ولم يتجرأ لا فادي افرام ولا فؤاد أبو ناضر ولا باقي مستقبليه من مجرد النظر إليه. بشير الجميل، قيمته ليست بفكره أو ثقافته، بل بهيبته. كاريزما الشاب المقاتل الذي صار ـ وما يزال ـ أيقونة عند جمهوره. ثم من قال إن زمن السلم هو نفسه زمن الحرب إلا إذا..

لو قارنا هذه النماذج وغيرها بالواقع الماروني اليوم، لكان الجواب أننا نعيش في زمن الفجيعة. فجيعة الهيبة المفقودة من أعلى رأس الهرم إلى أسفله مروراً بكل الورثة و”الأنبياء السياسيين”. بهذا المعنى، كان جبران باسيل محقاً عندما إختزل المشهد المسيحي بالعبارة الآتية: “واحد ما شايف بالحياة الاّ رئاسة الجمهورية (سليمان فرنجية)، وواحد ما شايف بالحياة الاّ كيف بدّو يربح على ضهر الحراك (سامي الجميل) وواحد ما شايف كل حياته الاّ كيف بدوّا يربحنا، وهو عايش دايماً بحياته على جانب الأحداث، ولا مرّة بقلبها (سمير جعجع)”. الإضافة الوحيدة إلى هذه الجملة هي الآتية: “واحد معتبر إنو رئاسة الجمهورية ما بيقدر يضمنها إلا بحياة عمو”.

خامساً، جبران باسيل ليس من النوع الذي يُهزَم بسهولة. عُمره الفتي يعطيه فرصة التجريب. الصعود والنزول. لكن من ينخرط في الشأن العام، لا بد وأن يقبض ويدفع الأثمان، فكيف إذا كان صهر ووريث ميشال عون وحليف حزب الله. توليفة تجعله في موقع يحسده عليه الآخرون، سواء من أهل بيته أو من باقي البيوتات المارونية. عطبه البنيوي، إفتقاده للكاريزما، وهذه قد يداويها بالخبرة أو بالتواضع أو بالزمن. لكن الأهم هي الهيبة. الهيبة ليست مجرد شكل. هي خطاب. سياق. ممارسة. جرأة. شفافية. صدق. الحكمة في إتخاذ القرار. إلزام الكل بتنفيذه إلخ.. للأسف، هذه العناصر، لا تنطبق بمعظمها على رئيس التيار الحر، وخير دليل حالة التشظي في كتلة لبنان القوي، قبل أن يتوسع الشرخ ليصل إلى التيار المأزوم داخلياً، كما كل الوضع المسيحي، بإرتفاع منسوب الفراغ والتشتت، بعكس ما تشتهي كل القوى المسيحية في هذه الساحة البالغة الحيوية والحساسية.

سادساً، من يستمع إلى باسيل (ودائماً على طريقة وأسلوب السيد حسن نصرالله، أي خطاب الستين دقيقة من وراء الشاشة، بدل أن يخترع “نموذجه” أو يتبع نموذج جنراله)، يشعر بأن الرجل يفتقد إلى “القضية”. يريد أن يقلّد بشير الجميل، فيرفع سقف خطابه السياسي المسيحي إلى أعلى السماوات، وقبل أن يودع الجمهور، يختم واعداً “بمشروعنا يلي بيقود للدولة المدنية”، أي على طريقة سامي الجميل. يريد أن ينتقد حزب الله ويلوّح بمغادرة “التفاهم” في هذا الخطاب، وعندما يحل موعد الخطاب الذي يليه، يكاد يرتدي ثياب السرايا أو التعبئة و”يرابط” في مارون الراس أو يصبح “رابط الحزب” في البترون! يريد أن يسترضي الأميركيين من جهة ويفاخر بأنه حل على لائحة شرف العقوبات الأميركية من جهة ثانية، وهو الذي فاوض أسابيع لأجل إيجاد مخرج قبل أن يداهمه الوقت ويقع في المحظور، من دون أن يفقد أمل كسره، ولكن بوصفة لم يتوصل إليها حتى الآن.

مع ميشال عون صار المعدل أكثر من 18 ألفاً في 2017 وأربعين ألف مغادر بلا عودة (2018). في العام 2019 وحده، غادر أكثر من 62 ألف لبناني بلدهم من كل الطوائف، 70% منهم من الفئة الشابة

سابعاً، لطالما أجاد باسيل في “شيطنة” الحريري مسيحياً باللعب على وتر “الإستقواء” و”العد”. وهو ينجح بإحراج خصمه دائماً، ولعل ما قاله عن الحريري في ما يخص المبادرة الفرنسية يكاد يكون صحيحاً إلى حد كبير. الإطاحة بمصطفى أديب (التكنوقراط) وبحكومة المهمة (الستة أشهر) وآلية إختيار الوزراء السياديين إلخ.. وطبعاً هو لم يوفر مجلس النواب كله عندما هاجمه بتقاعسه عن إقرار قوانين في صلب المبادرة الفرنسية لا تتصل بمسار تأليف الحكومة. لم يترك أحداً إلا وصوّب النار سياسياً عليه. هل يمكن أن يوفر له ذلك مشروعية أن يكون زعيما مسيحياً أو حتى حزبياً، الآن ومن بعد ميشال عون؟ هل يستطيع أن يكون الناطق بإسم مصالح المسيحيين وحقوقهم؟ ما هي أولوية المسيحيين اليوم، هل يتقدم عندهم أي أمر أكثر من الإستقرار بأبعاده الصحية والسياسية والأمنية والإقتصادية والمالية والإجتماعية، وصولاً إلى إستعادة ما تبقى من ودائعهم ولو بعد فترة من الزمن؟

ثامناً، من يراجع أرقام وإحصاءات شركة “الدولية للمعلومات”، يتبين له الآتي: بلغ معدل اللبنانيين المغادرين بلا عودة، 12 ألف مهاجر سنوياً حتى لحظة وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية (نهاية 2016). مع ميشال عون صار المعدل أكثر من 18 ألفاً في 2017 وأربعين ألف مغادر بلا عودة (2018). في العام 2019 وحده، غادر أكثر من 62 ألف لبناني بلدهم من كل الطوائف، 70% منهم من الفئة الشابة.. هل هناك من يضع هذه الأرقام بعهدة ميشال عون أم فقط يتبع قاعدة “ما يطلبه المستمعون”، أي إسماع ميشال عون ما يحلو له أن يسمعه، وفي الوقت نفسه يُطرب المستشارين من حوله (على سبيل المثال، يمكن القول له: فخامة الرئيس تراجعت أرقام الهجرة في العام 2020، من دون أن يقال له إنه برغم ظروف كورونا وإقفال مطارات العالم، هناك إقبال لبناني غير مسبوق على طلب تأشيرات السفر والهجرة). ومن باب العلم فقط، سافر أكثر من ثلاثة آلاف لبناني في الأشهر الأخيرة للعمل في مصر، معظمهم ليسوا من رجال الأعمال بل من الموظفين الذين فقدوا وظائفهم في لبنان.

تاسعاً، لو إفترضنا أن كل حرف قاله باسيل عن الحريري والآخرين صحيح كله. هل تسري هذه القاعدة على تعامله هو شخصياً مع الملف المسيحي منذ لحظة وصول عون إلى بعبدا في العام 2016؟ من وضع “فيتو” على حصة سليمان فرنجية؟ من يرفض توسيع الحكومة مسيحياً حتى تضم أكبر تمثيل ممكن بما في ذلك ثلة النواب “المستقلين” الذين يتساوون عدداً مع “القوات” ويتجاوزون بتمثيلهم الآخرين. هل يمكن أن يكون التخلي عن الثلث المعطل لمصلحة ضم هؤلاء والقومي و”تيار المردة” والطاشناق وغيرهم من القوى أم أن ما يتخلى عنه بهذه اليد يريد باسيل أن يحصّله رئيس الجمهورية له باليد الأخرى، ثم من قال إن أرقام انتخابات العام 2018 تسمح لجبران باسيل بإحتكار تمثيل الوزراء المسيحيين أو حتى نصف أو ثلث الوزراء المسيحيين في أية حكومة؟

عاشراً، يمكن إختصار إطلالة باسيل على مدى ستين دقيقة بستين كلمة:

أعطوني واحداً من ثلاثة خيارات؛ الثلث المعطل في أية حكومة؛ رفع العقوبات الأميركية وليس مهماً بأية طريقة؛ أو ضمانة السيد حسن نصرالله بأن أكون رئيساً خلفاً للرئيس عون في العام 2022. المرجح أن لا الثلث المعطل متوفر ولا الأميركي في وارد رفع العقوبات عن باسيل ولا السيد نصرالله بمستعجل أن يقدم الضمانة الرئاسية لباسيل أو غيره من المرشحين منذ الآن.

عدنا إلى المربع ذاته: عندما إستقال سعد الحريري في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أوفد رئيس الجمهورية مستشاره سليم جريصاتي إليه في بيت الوسط. نقل الأخير إليه رسالة رئاسية واضحة بعدما كان الحريري يشترط عدم وجود رئيس التيار الحر في أية حكومة برئاسته. قال عون في رسالته: “جئت أنت وجبران.. وبتفلوا سوا”. ردّ عليه الحريري برسالة سريعة: “قل لفخامة الرئيس، جئت أنا وميشال عون ومنفل سوا أنا وميشال عون”.. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course