الوساطة القطرية تنتج “هدنة نووية”.. ماذا بعد؟
TEHRAN, IRAN - FEBRUARY 15 : (----EDITORIAL USE ONLY MANDATORY CREDIT - "IRANIAN FOREIGN MINISTRY / HANDOUT" - NO MARKETING NO ADVERTISING CAMPAIGNS - DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS----) Qatari Minister of Foreign Affairs Mohammed bin Abdulrahman bin Jassim Al Thani (3rd R) meets Iranian Foreign Minister Mohammad Javad Zarif (3rd L) in Tehran, Iran on February 15, 2021. (Photo by Iranian Foreign Ministry/Handout/Anadolu Agency via Getty Images)

كل ما نشهده على صعيد الملف النووي منذ شهر تقريباً حتى يومنا هذا، هو نتاج مبادرة قطرية أفضت إلى هدنة أميركية ـ إيرانية يفترض أن تستمر إلى ما بعد الإنتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة.. إلا إذا حصل تطور مفاجىء من شأنه أن يقلب الأمور رأساً على عقب.

لم يكن قد مضى على وصول بايدن إلى البيت الأبيض أكثر من ثلاثة أسابيع، حتى وصل زيارة وزير خارجية قطر محمد عبد الرحمن آل ثاني، إلى طهران، في 15 شباط/ فبراير على رأس وفد قطري مكلف بمهمتين، الأولى، سياسية تحت قيادة وزير خارجية قطر نفسه يقابله نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، والثانية، فنية تولاها الدبلوماسي القطري المهتم بالملفات الإقليمية علي بن فهد الهاجري، يقابله كبير المفاوضين الايرانيين نائب وزير الخارجية عباس عراقتشي. الهدف القطري محدد: الحيلولة دون أي تصعيد جديد بين ايران وأميركا بعد 23 شباط/ فبراير الماضي، وهو التاريخ الذي أعلنت فيه ايران رسمياً سريان قرار وقف العمل بالبروتوكول الإضافي في الإتفاق النووي.

في الشق السياسي، تمحورت رسالة أمير قطر الخطية إلى الرئيس الايراني حسن روحاني، كما محادثات وزير خارجية قطر مع المسؤولين الإيرانيين، “حول الإتفاق النووي؛ الخلافات الايرانية الأميركية؛ إحياء الحوار بين ايران ودول مجلس التعاون الخليجي؛ إرساء الأمن والإستقرار في الخليج الفارسي وتطوير العلاقات الثنائية”، وفق مصادر إيرانية غير رسمية متابعة للزيارة.

وكان لافتاً للإنتباه أن وزير خارجية قطر، وقبيل توجهه إلى طهران، تواصل مع مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان ومسؤول الملف الايراني في إدارة الرئيس بايدن روبرت مالي.

الحوافز الأميركية

بدا الوفد القطري كأنه يسير في حقل من الألغام. يدرك، من جهة، أن الأميركيين لن يعودوا بشكل أوتوماتيكي إلى الإتفاق النووي الذي خرجوا منه في العام 2018، ومن جهة أخرى، فإن المسؤولين الإيرانيين أكدوا لضيفهم بأن مصطلحات من نوع “التعهد” و”الإلتزام” لم تعد كافية في التعامل مع أميركا والدول الأوروبية، وأكدوا له أن ايران تطالب بضمانات في معرض تأكيد التزام هذه الدول بتعهداتها المنصوص عليها في الإتفاق النووي الذي أبرم في العام 2015.

الحوافز الأميركية، وبرغم جاذبيتها للحكومة الإيرانية، إلا أن قانون البرلمان الايراني الذي ألزم الحكومة بإيقاف العمل بالبروتوكول الإضافي وزيادة عدد أجهزة الطرد المركزي المتطورة في مفاعل فردو النووي، دفع بوزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف إلى رفض هذه الحوافز، وفقاً لتوجيهات آية الله علي خامنئي الذي طالب برفع كافة العقوبات المفروضة على إيران وعودة الولايات المتحدة إلى الإتفاق النووي.

كانت الخطة القطرية طموحة وتقضي بالعودة إلى الإتفاق النووي، لكن عندما تبين لهم أن الأمر دونه صعوبات عديدة، قدّموا خطة بديلة يتم بموجبها الإفراج عن قسم من الأموال الايرانية المجمدة في البنوك اليابانية والكورية الجنوبية ولكن ليس تحت غطاء الإتفاق النووي، وإنما تحت عنوان الأمور الإنسانية ومواجهة جائحة كورونا

كان هدف الحوافز الأميركية “هو تحفيز ايران على التراجع عن قرار تقليص التزاماتها النووية ولا سيما قرارها بوقف العمل بالبروتوكول الإضافي في الإتفاق النووي، ومن بين هذه الحوافز إصدار إعفاءات نفطية تسمح لايران بتصدير مليون برميل نفط في اليوم الواحد إلى اليابان والصين وكوريا الجنوبية وأيضاً رفع الحظر عن الأموال الايرانية المجمدة في البنوك اليابانية والكورية الجنوبية وتقدر بتسعة مليارات دولار، الأموال الايرانية المجمدة في البنوك الكورية الجنوبية والتي تم إيداعها بالعملة المحلية في كوريا الجنوبية والمشكلة الأساسية تكمن في تحويل هذه الأمول إلى الدولار الأميركي وقد تم الإتفاق على أن يقوم النظام المصرفي القطري بهذه المهمة”، وفق المعلومات التي أكدتها المصادر الإيرانية.

الخطة القطرية

كانت الخطة القطرية طموحة وتقضي بالعودة إلى الإتفاق النووي، لكن عندما تبين لهم أن الأمر دونه صعوبات عديدة، قدّموا خطة بديلة يتم بموجبها الإفراج عن قسم من الأموال الايرانية المجمدة في البنوك اليابانية والكورية الجنوبية ولكن ليس تحت غطاء الإتفاق النووي، وإنما تحت عنوان الأمور الإنسانية ومواجهة جائحة كورونا وتأمين التجهيزات الطبية والإستشفائية اللازمة لهذه الغاية. وتم الإتفاق أيضاً على متابعة مواضيع عالقة بين الطرفين مثل تبادل السجناء.

عند هذا الحد، أدركت طهران أن أي رهان على قرارات سريعة تتخذها إدارة جو بايدن في الملف النووي “ليست في محلها”. وفي المقابل، عرضت قطر موضوع الهدنة النووية على طاولة المفاوضات لكي تبقي الباب مفتوحاً أمام عملية التفاوض المستقبلية بين ايران وأميركا حول آلية وكيفية عودة أميركا إلى الإتفاق النووي من دون أن يتبنى أي من الطرفين أي تصعيد إضافي من شأنه تعقيد الأمور.

ايران والوكالة الدولية

الإتفاق الأخير بين ايران والوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي أُبرم خلال زيارة مدير الوكالة رافائيل غروسي إلى طهران والمؤلف من 3 بنود، هو إنعكاس واضح لهذه الهدنة النووية بين ايران ودول “5+1″، وهذا الأمر أثار غضب 226 من نواب البرلمان الايراني المحافظين ودفعهم إلى تقديم شكوى رسمية ضد حسن روحاني أمام السلطة القضائية، ما أشعل فتيل الحرب الكلامية بين البرلمان والحكومة الايرانية. حرب كان من الممكن أن تذهب إلى أبعد من هذا، ولكن دخول المرشد الأعلى على الخط ومطالبته البرلمان والحكومة بضرورة حل المشاكل والإختلافات في الاجتماعات المغلقة ودخول مجلس الأمن القومي الأعلى على الخط ذاته وإعلان تأييد الإتفاق الأخير بين ايران والوكالة الدولية كلها وضعت حداً للتصعيد الكلامي، وكانت بمثابة مؤشرات تؤكد تبني السلطات الإيرانية العليا قرارات جديدة إثر الزيارة التي قام بها الوفد القطري إلى طهران.

ثمة ترقب في طهران من أجل معرفة ماهية الخطوات العملية الأميركية الجديدة في المرحلة المقبلة، وهل سوف تقدم الإدارة الأميركية الجديدة على منع إنتقال الأموال الايرانية إلى “قناة إنستكس” أو قناة سويسرا المالية. إذا حصل ذلك، سيؤدي إلى الإطاحة بالجهود القطرية

وتشير المعطيات إلى أن قرار ايران بوقف العمل بالبروتوكول الإضافي في الإتفاق النووي هو آخر خطوة تصعيدية ايرانية على صعيد تقليص التزامات طهران النووية خلال الشهور الثلاثة المقبلة، اي أن البرلمان الايراني لن يعزف لحناً مختلفاً عن ألحان حكومة روحاني، ولن يصوّب بإتجاه صدور أي قرار جديد يكون بمثابة صب زيت على النار، خلال هذه الفترة الإنتقالية.

إقرأ على موقع 180  الأكراد في دمشق برعاية روسية لقطع الطريق على أردوغان

ومن جهة أخرى، لن تُبادر الوكالة الدولية للطاقة الذرية على تقديم أي طلب مُحرج لإيران. يسري ذلك على الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية التي بات مطلوباً منها أن تتبنى خطوات تساعد على إعادة ترميم الثقة خلال الشهور الثلاثة المقبلة بهدف التمهيد لعودة الجميع إلى إلتزاماتهم في الإتفاق النووي وإلغاء العقوبات.

مجلس حكام الوكالة الدولية

وكانت دول الترويكا الأوروبية قد تقدمت مطلع هذا الشهر بمشروع لإصدار قرار إدانة ايران في مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكان مقرراً التصويت عليه يوم الجمعة في 5 آذار/ مارس الجاري، واعتبرته إيران بمثابة خرق للهدنة النووية، وأعلنت أن أول ضحايا الإدانة سيكون الإتفاق الأخير الذي أبرمته الحكومة مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، إلا أن تدخل أطراف دولية وإقليمية أخرى، أبرزها قطر والولايات المتحدة، جعل الترويكا الأوروبية تسحب مشروع قرار إدانة ايران في الوكالة الدولية قبل التصويت عليه.

وكانت الوكالة قد أبرمت إتفاقاً تقنياً مع إيران يتيح مواصلة بعض النشاطات لفترة تستمر ثلاثة أشهر، وفي حال تم رفع العقوبات الأميركية بعد هذه الأشهر الثلاثة، ستسلم طهران تسجيلات الكاميرات في منشآتها النووية إلى الوكالة الدولية وإذا إستمرت العقوبات سيتم إتلافها.

هل تخرق واشنطن الهدنة؟

برغم أن كوريا الجنوبية أعلنت موافقة الإدارة الأميركية المبدئية على رفع الحجر عن جزء من الأموال الايرانية المجمدة في بنوك كوريا الجنوبية على أن يتم نقل هذه الأموال إلى القناة المالية الخاصة بإيران في سويسرا أو القناة المعروفة باسم “قناة إنستكس المالية”، إلا أن وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن، وأثناء اجتماع لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي، قبل أيام قليلة، أعلن بأن أميركا لا تنوي الموافقة على رفع الحجر عن الأموال الايرانية المجمدة في بنوك كوريا الجنوبية إلا في حال عودة ايران إلى الإلتزام بكافة تعهداتها النووية.

ثمة ترقب في طهران من أجل معرفة ماهية الخطوات العملية الأميركية الجديدة في المرحلة المقبلة، وهل سوف تقدم الإدارة الأميركية الجديدة على منع إنتقال الأموال الايرانية إلى “قناة انستكس” أو قناة سويسرا المالية. إذا حصل ذلك، سيؤدي إلى الإطاحة بالجهود القطرية وبالإتفاق مع الوكالة الدولية وبالتالي ستنهار الهدنة النووية التي تم التوصل إليها بين ايران والمجتمع الدولي.

إذا إلتزم الأميركيون بموجبات الهدنة والإتفاق مع مدير الوكالة الدولية، يصبح السؤال هو الآتي: هل الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض مع حكومة ايرانية من المحافظين بعد ثلاثة أشهر؟ وهل ستقوم الولايات المتحدة بإلغاء العقوبات والعودة إلى الإتفاق النووي خلال الشهور الثلاثة المقبلة؟

تبدو الإجابة على هذا السؤال بنعم صعبة للغاية، برغم أن تحقق هذا الأمر خلال المدة المذكورة سوف يكون له تأثير بالغ في الإنتخابات الرئاسية الايرانية المقرر إجراؤها في 18 حزيران/ يونيو المقبل.

إذا دقّقنا في كل ما أسلفنا شرحه، ولا سيما أجواء المبادرة القطرية الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة ثمة مؤشرات تقول أن الرئيس الأميركي جو بايدن “يجب أن يُعد نفسه لإكمال المفاوضات مع حكومة من المحافظين ولذلك ليس مستبعداً أن يتم تمديد الهدنة النووية حتى نهاية الإنتخابات الرئاسية الايرانية”، على حد تعبير مصادر إيرانية غير رسمية.

وبرغم ما سلف ذكره، أعلن وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف بأن الساحة السياسية الايرانية ديناميكية وبأن ايران سوف تعرض في المقبل من الأيام آلية بناءة ودقيقة للخروج من المأزق، ورغم أنه تجنب الحديث عن تفاصيل هذه الآلية إلا أن مصادر غير رسمية أكدت بان ايران سوف تعرض خارطة طريق تحدد من خلالها كيفية الحوار بين ايران وأميركا في إطار محادثات 5+1، وهذه الآلية ومن دون أدنى شك، سوف يتم من خلالها توضيح كيفية إلغاء العقوبات خطوة بخطوة.

إذا رحبت الدول الغربية بمشروع الحوار الايراني في إطار “5+1” أو مشروع خطوة بخطوة، عندها يمكن لقطر أن تتفاءل بأن زيارة وفدها إلى طهران ستُمهّد لإنطلاق الحوار بين ايران والدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.. مستقبلاً.

Print Friendly, PDF & Email
طهران ـ علي منتظري

كاتب وصحافي ايراني مقيم في طهران

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  عندما يلعب أردوغان مع بوتين على حافة الهاوية الأوكرانية!