السعودية وإيران إن إختلفتا.. لبنان يستعر!

تَعمُد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطاب له مؤخرًا توصيف تنظيم "داعش" الإرهابي بـ(الوهابي) بُعيد استهدافه مسجدًا للشيعة بأفغانستان وسقوط عشرات الضحايا أثناء تأديتهم صلاة الجمعة، كان الإشارة الأبرز إلى مراوحة المفاوضات السعودية الإيرانية، وذلك على وقع اقتراب الحوثيين من إحكام الخناق على مدينة مأرب.

يشي مسار الأحداث اللبنانية الأخيرة أن السعودية اختارت لبنان ساحة محتملة للرد على انتكاسات حرب اليمن، وعززت احداث الطيونة وجاهزية “القوات اللبنانية” لخوض مواجهة مع “حزب الله” ـ بمعزل عن نتائجها ـ هذا الاختيار. في الوقت نفسه، لا يبدو أن المملكة في وارد إعادة النظر بموقفها السلبي من لبنان والمستمر منذ خريف العام 2019.

وما تصريح وزير الإعلام جورج قرداحي، السابق لتوزيره بشهر ونصف، إلا ذريعة لزيادة التشدد السعودي مع الدولة اللبنانية المأزومة أصلاً. ولا شك أن اختيار توقيت بث التسجيل لم يأتِ صدفة طبعًا. حتمًا لن يتوقف الأمر على سحب السفراء، فثمة معلومات تشير إلى تحضير رزمة من العقوبات السعودية والخليجية (البحرين والإمارات تحديدًا)، بتشجيع من فريق لبناني وازن، خصوصاً أولئك الذين يستبسلون في الدفاع عن المملكة وإن على حساب وطنهم وسيادته.

وقد أصاب أحد الصحافيين اللبنانيين (الزميل واصف عواضه) عندما طلب إلى وزير خارجية إيران حسين أمير عبد اللهيان أثناء زيارته للبنان، الشهر الماضي، بوجوب إدراج لبنان كبند أول على مفاوضات الجمهورية الإسلامية مع المملكة، كون لبنان لم يعد يحتمل الانتظار، ولا قيامة له من دون توافق هذين البلدين.

لقد أفرط البعض بالتفاؤل حيال المفاوضات السعودية الإيرانية في العاصمة العراقية، وراهن على نجاحها لكن غاب عن أذهان هذا البعض أن من يحكم السعودية بات مستعجلًا إبرام صفقات تُعوّض الإخفاقات المتتالية.. وهو في طريقه “الوعرة” إلى عرش الرياض.

للمناسبة، تخلت السعودية عن شخصيتها المتحفظة وهدوئها التقليدي المعهود. مذ اعتلى الأمير محمد بن سلمان ولاية العرش عام 2015، صار الإنفعال سمة تعامل السعوديين مع العديد من الملفات. يقابل ذلك صبر استراتيجي إيراني (السعوديون سألوا الإيرانيين في أول إجتماع ببغداد عن سر هذا “الصبر”) وسياسة النفس الطويل التي تتميز بها القيادة الإيرانية بصرف النظر عمّا إذا كانت محافظة أو إصلاحية، وبالتالي، مسار المفاوضات بينهما يحتاج إلى عناية فوق العادة، خصوصًا أن عامل الوقت يضغط على الجانب السعودي.

لإيران باع طويل في التفاوض، لا سيما في ما خص ملفها النووي، مع كبرى دول العالم، ولديها من الحنكة والقدرة على المناورة، سواء عندما أمضت بضع سنوات للتوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، أو بعد الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة عام 2018 من الاتفاق المذكور وإعتمادها سياسة العقوبات القصوى، وصولاً إلى مفاوضات فيينا غير المباشرة التي بدأت مطلع العام الحالي مع وصول الرئيس جو بايدن إلى سدة الرئاسة الأميركية. ولا تزال طهران على تشددها في الملفات كافة، وتعتبر أن سقف أي مفاوضات مستقبلية مع المجتمع الدولي لا يمكن أن يتخطى الملف النووي وأنه لا مجال للبحث لا في النفوذ الإقليمي ولا في الصواريخ الباليستية.

لا السعودية بوارد التفريط بما تبقى لها من نفوذ ولا إيران بوارد خسارة مكتسباتها الجيوسياسية الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان وصولًا إلى اليمن

هذا الواقع يُقلق الرياض التي تتصرف على قاعدة أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان دشّن مرحلة جديدة في المنطقة. زدْ على ذلك الانسحاب المرتقب من العراق نهاية العام الحالي، وعدم اكتراث الأميركيين بنتائج حرب اليمن. في ضوء ذلك، تشعر الرياض أن هذه التطورات ستنعكس سلبًا على واقعها المأزوم، ويزيد الطين بلة لامبالاة الرئيس الأميركي جو بايدن الواضحة إلى حد أنه يرفض لقاء حاكم المملكة الفعلي محمد بن سلمان حتى تاريخه. ويخشى الأخير موقفاً أميركياً لا يصب في صالح بلاده، تسلم فيه الإدارة الأميركية مفاتيح المنطقة للاعبين محليين، ويترك لكل من هؤلاء ـ بحسب قدراته وإمكاناته ـ أن يلعب أدواراً، بما في ذلك فسح المجال لدخول أطراف خارجية كروسيا وتركيا وإيران بفاعلية إلى مناطق الأزمات، وأوضح الأمثلة ما يحصل في العراق وسوريا وليبيا ولبنان.

ثمة أسباب وجيهة بنظر القيادة السعودية دفعتها إلى زيادة الضغط على الساحة اللبنانية ظناً منها بإمكان الحصول على تنازل إيراني ما في اليمن، ذلك أن إستمرار ضغط حركة “أنصار الله” على كامل محافظة مأرب، سيجعل المملكة لا تخسر معقلاً بل يترتب عليها أن تتعايش مع واقع سياسي يمني جديد وأن تدفع وحدها كلفة إعادة إعمار اليمن.

العلاقة السعودية الإيرانية تتساوى فيها عناصر الجذب والالتقاء مع عناصر التباعد والفرقة، وسط عوامل إقليمية ودولية معقدة ومتحركة، ولا نبالغ إذا ربطنا معظم قضايا المنطقة بمآلات تلك العلاقة، فالسعودية تملك نفوذًا في العديد من مساحات الصراع، وكذلك حال إيران. لا السعودية بوارد التفريط بما تبقى لها من نفوذ ولا إيران بوارد خسارة مكتسباتها الجيوسياسية الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان وصولًا إلى اليمن. وبالتالي، لا وفاق يسري بين الدولتين إذا لم توضع خارطة طريق للاتفاق على مختلف القضايا الخلافية أو تنظيم الخلاف بعقل بارد بعيداً عن الانفعال حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. ويبدو ان لبنان مؤهل ليكون أول المفعول بهم!

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "طالبان" في ميزان الحسابات الآسيوية.. من الرابح ومن الخاسر؟
مهدي عقيل

كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  المغرب: "التطبيع" يكشف سرّ منابر سياسية وإعلامية ورياضية