“فورين أفيرز” عن مفاوضات فيينا: كُلّ شيء أو لا شيء!

مع الإستعداد لعقد جولة سابعة من مفاوضات فيينا النووية، تبدو حسابات كل من واشنطن وطهران متعارضة إلى حد كبير. الأولى تريد حرمان الثانية من مردود رفع العقوبات حتى بعد إعادة إحياء الإتفاق. بالمقابل، تتصرف طهران على قاعدة بناء نفوذ اقتصادي سياسي عسكري يسمح بمواجهة أي ضغوط مرتقبة. في هذا التقرير يشرح محمد آيات الله طبر (*) مواقف الطرفين.

أعلن كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين علي باقري كني مؤخراً أن محادثات إحياء الإتفاق النووي، المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة” JCPOA، ستُستأنف في فيينا في التاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، وأن بلاده مصممة على الانخراط في مفاوضات من شأنها إزالة جميع العقوبات المفروضة عليها.

وكانت إدارة الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني قد شاركت في ست جولات من المفاوضات بهدف إعادة الجانبين إلى “الامتثال المتبادل” للخطة. لكن الدبلوماسية توقفت بعد أن تنصيب الرئيس المحافظ إبراهيم رئيسي في آب/أغسطس الماضي.

وعلى الرغم من أن إدارة رئيسي على استعداد للمشاركة في هذه المفاوضات، إلا أن إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة لا يشكل ركيزة أساسية لسياستها الخارجية. ففي عهد الرئيس الجديد، طوَّرت إيران موقفاً نووياً جديداً يتمحور حول مبدأين أساسيين:

الأول، تعزيز قدراتها على الانتقام السريع من الولايات المتحدة في حال تراجعت الأخيرة عن اتفاقياتها (نموذج إعلان طهران أمس (الأربعاء) عن إحباط محاولة أميركية لمصادرة ناقلة نفط إيرانية في بحر عُمان).

الثاني، فصل ثروات إيران الاقتصادية عن “خطة العمل” من خلال بناء اقتصاد دولة يعتمد على القدرات والموارد الذاتية؛ ويركز على آسيا، أي التحول شرقاً.

سليماني أنشأ ستة جيوش أيديولوجية وشعبية ضخمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط لحماية إيران من أي هجمات

ومع اقتراب البرنامج النووي الإيراني من نقطة الاختراق، هناك في واشنطن من يدعو بالفعل إلى خطة بديلة من “التدابير” الاقتصادية القسرية (خطة “ب”)؛ ويهدد باستخدام القوة إذا رفضت طهران العودة إلى “الامتثال الكامل” بالإتفاق النووي. بالمقابل، يواجه رئيسي مشاكل اقتصادية هائلة في الداخل، ما ينذر بعواقب محتملة قد تؤدي لإنفجار إجتماعي بوجه النظام. و”التدابير” التي تُعدها واشنطن من شأنها وضع المزيد من الضغوط على رئيسي لحثه على إحياء “خطة العمل” إذا ما أراد التخفيف من الصعوبات الواقعة والمحتملة.

اقتصاد مقاوم للعقوبات

من غير المرجح أن تستسلم إيران لمثل هذه الضغوط والإكراه. لقد شعر قادة طهران المحافظون بالإحباط نتيجة عدم تحقيق أية فوائد تُرجى؛ كان يُفترض أن تُمنح لإيران بموجب “خطة العمل”، وهم يسعون الآن إلى بناء اقتصاد مُقاوم للعقوبات من خلال تعزيز الصناعات الوطنية المحلية؛ وإقامة علاقات جديدة مع القوى الصاعدة في آسيا. كما أن رئيسي شخصياً مقتنعٌ بأن الولايات المتحدة لا تزال مصرة على إبقاء إيران مُحاصرة حتى لو تم إحياء “خطة العمل الشاملة المشتركة”، وبالتالي يركز على تقوية النفوذ العسكري والاقتصادي لإيران لضمان حماية ليس فقط الجمهورية الإسلامية ولكن أيضاً الأمة الفارسية الشيعية الأوسع، من ما يعتبره “تهديداً وجودياً”.

مع أو بدون خطة العمل الشاملة المشتركة، تربط إيران مصيرها الاقتصادي بآسيا والشرق الأوسط

في واشنطن، يكتسب الحديث حول الخطة (ب) ضد إيران المزيد من الزخم. لكن بالنسبة للجمهورية الإسلامية، كانت الخطة (ب) في الواقع هي الخطة (أ) منذ البداية.

فبرأي طهران هناك عدم تناسق في إطار “خطة العمل”. فإلتزامها بالحد من أنشطتها النووية يتم وفق معايير فنية واضحة يُمكن التحقق منها من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومع ذلك، لا توجد صيغة واضحة تُحدد الفوائد الاقتصادية التي ستحصل عليها إذا ما خضعت للشروط المفروضة مقابل تخفيف العقوبات. بالإضافة إلى ذلك، طهران مهددة بعقوبات إضافية وفورية إذا ما انسحبت من الاتفاق، بينما لم ولن تواجه واشنطن أي عقوبة إذا لم تلتزم بدورها، كما حدث يوم أنهت الصفقة بقرار منفرد.

نتيجة لذلك، تخشى إيران أن تفقد نفوذها النووي من دون حصولها على الفوائد الموعودة إذا قررت الامتثال مجدداً بـ”خطة العمل”. وهذا بالضبط ما حدث عام 2015، عندما تم الإعلان عن الصفقة. يومها، سارعت إيران إلى تقليل مستوى نشاطها النووي (إلتزاماً بنص الإتفاقية)، وشحنت 98 في المائة من اليورانيوم المُخصب إلى الخارج، وقبلت بشرط الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشديد المراقبة على برنامجها النووي. ومع ذلك، لا تزال الشركات والمؤسسات المالية الدولية بعيدة إلى حد كبير عن السوق الإيرانية بسبب عدم اليقين بشأن ما إذا كانت العقوبات قد رُفعت بشكل دائم. وقد تم تبرير ترددهم في التعامل مع إيران بعد انتخاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وانسحابه لاحقاً من “خطة العمل”.

ويقول مسؤولون أميركيون إنهم على استعداد لمناقشة سُبل معالجة مخاوف طهران، لكنهم لا يستطيعون ضمان عدم انسحاب واشنطن من الاتفاقية مرة أخرى بعد مغادرة الرئيس جو بايدن منصبه. ويبدو أن القادة البريطانيين والفرنسيين والألمان أيضاً حاولوا تهدئة مخاوف إيران، وأصدروا بياناً مشتركاً على هامش أعمال قمة مجموعة العشرين الأخيرة، يؤكدون ويدعمون إلتزام الرئيس بايدن بالحفاظ على الامتثال الكامل بالاتفاقية “طالما أن إيران تفعل الشيء نفسه”.

المبعوث الأميركي الخاص لإيران، روبرت مالي، أعرب عن استعداد بلاده “لرفع جميع العقوبات غير المتوافقة مع خطة العمل الشاملة المشتركة بسرعة” إذا تعاونت إيران لاستعادة الاتفاقية. لكن بالنسبة للمسؤولين الإيرانيين، فإن هذا النوع من التصريحات مجرد كلام رخيص – أو كما وصفها وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، “العلاج بالنطق”. ويتساءل المسؤولون الإيرانيون عن الكيفية التي ستُحدد بها إدارة بايدن العقوبات التي تتعارض مع الاتفاق النووي. فبعد كل شيء، تم تصنيف العديد من “عقوبات عهد ترامب” على أنها قيود مفروضة بسبب سجل إيران السيئ في مجال حقوق الإنسان ودعمها “كيانات إرهابية” من أجل منع الإدارة المقبلة من الانضمام إلى الاتفاقية.

إستراتيجية للإنتقام

بالتالي، فإن المبدأ الأول لسياسة الرئيس الإيراني الخارجية هو توليد النفوذ والحفاظ عليه لثني واشنطن عن التراجع عن أي صفقة، والحؤول دون تعرض إيران لصدمة اقتصادية تُغرق ملايين الإيرانيين في الفقر. تشير الجمهورية الإسلامية بالفعل إلى استعدادها للممارسة الرد الفوري على أي ضغط أو تخريب أو هجوم قد تتعرض له. على سبيل المثال، سارعت إلى خفض تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية احتجاجاً على رفض الأخيرة إدانة عملية الاغتيال التي استهدفت العالم النووي الإيراني الأبرز محسن فخري زاده، ورفضها إدانة أعمال التخريب التي تعرضت لها منشآت إيرانية. وتتهم إيران إسرائيل بالوقوف وراء الحادثين.

تُركز إيران أيضاً على دعم حلفائها وعملائها في جميع أنحاء الشرق الأوسط. فقد كشف قائد بارز في الحرس الثوري الإيراني، مؤخراً، أن الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي السابق، كان قد أعلن قبل ثلاثة أشهر من اغتياله على يد الولايات المتحدة، عن إنشاء ستة جيوش أيديولوجية وشعبية ضخمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط لحماية إيران من أي هجمات قد يشنها خصومها. وقال عضو الحرس الثوري إن هذه القوات تشمل حزب الله اللبناني وحركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين والحوثيين في اليمن والقوات السورية الموالية لإيران وقوات الحشد الشعبي العراقية. هذه القوات تشكل معاً ما تسميه طهران “محور المقاومة”. ونظراً لأن إيران تتوقع مزيداً من الضغط من الولايات المتحدة، مع أو بدون اتفاق، فإن هذه التحركات تشير إلى عزمها على الاستمرار في المسار.

إقرأ على موقع 180  إسرائيل: هذا وقت "الضربة القاتلة" للإيرانيين في سوريا والعراق!

التحول شرقاً

المبدأ الثاني لإدارة رئيسي هو فصل اقتصاد البلاد عن مفاوضات “خطة العمل”. فعلى الرغم من أن سلفه كان يأمل في استخدام “الخطة” كوسيلة لفتح أسواق إيران أمام الشركات الغربية، إلا أن فريق رئيسي مصمم على حماية إيران من آثار أي عقوبات جديدة مرتقبة من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين وروسيا والجيران. وتزعم حكومة رئيسي أنها تخصص 40 في المائة من أنشطتها في السياسة الخارجية للدبلوماسية الاقتصادية والتجارة الخارجية – وهو خروج عن إدارة روحاني، التي يأخذ عليها المحافظون بأنها حولت وزارة الخارجية إلى “وزارة خطة العمل الشاملة المشتركة”.

يمكن لـ”خطة العمل” أن تسهل العلاقات الاقتصادية والأمنية لإيران مع الشرق، لا سيما في أعقاب انضمامها مؤخراً إلى منظمة شنغهاي للتعاون. ولكن حتى بدون الاتفاق النووي، ترى إيران أن الحلفاء من غير الولايات المتحدة هم شركاء تجاريون أكثر موثوقية.

عبد اللهيان: “الحكومة تعمل على إضفاء الطابع المؤسسي على إنجازات محور المقاومة للإستفادة من النفوذ العسكري للحرس الثوري”

تلتزم إدارة رئيسي أيضاً بتعزيز قدرة الصناعات المحلية في البلاد. فاستجابة للعقوبات، بدأ رجال الأعمال الإيرانيون (الشباب خصوصاً) في تصنيع سلع عالية الجودة للأسواق المحلية. فهم قلقون من أنه إذا تم رفع العقوبات، فقد تدفع الشركات الدولية الكبرى مرة أخرى المصنعين المحليين إلى التوقف عن العمل. وفي مرسوم صدر مؤخراً، حظر المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي استيراد الأجهزة المنزلية من كوريا الجنوبية. لم يكن الأمر مجرد انتقام من ديون سيول غير المسددة لإيران (حوالي 7 مليارات دولار) بسبب العقوبات الأميركية؛ بل كانت أيضاً خطوة في إطار حملة أكبر لحماية الشركات الإيرانية من اقتصاد السوق المفتوح وغير المنظم.

بالإضافة إلى التحرك نحو اقتصاد مكتفٍ ذاتياً، تتطلع إيران إلى ممارسة نفوذ اقتصادي أكبر في الشرق الأوسط، لا سيما في تلك البلدان التي تتمتع فيها بالفعل بنفوذ سياسي. نظرت إدارة روحاني إلى الأنشطة الإقليمية للحرس الثوري الإيراني على أنها لا تتماشى تماماً مع المصالح الوطنية لإيران، لكن خلَفُها (رئيسي) مصممٌ على إثبات أن القوة الإقليمية للحرس الثوري الإيراني توفر فوائد سياسية واقتصادية ملموسة. تسعى الحكومة إلى الاستفادة من النفوذ العسكري للحرس الثوري الإيراني من خلال “إضفاء الطابع المؤسسي على إنجازات محور المقاومة” في العراق ولبنان وسوريا وخارجها، بحسب الوزير عبد اللهيان.

الهدف الإقليمي الطويل الأمد لإيران: تشكيل منطقة اقتصادية خالية من الدولار يمكنها مقاومة الحرب الاقتصادية الأميركية

فمثلاً، تجاوباً مع أزمة الطاقة المستمرة في لبنان، أرسلت إيران عدة شحنات من منتجات الوقود عبر سوريا لتوزيعها عبر حليفها حزب الله. ووعدت بتقديم المزيد. كما أن عبد اللهيان اقترح بناء محطتين لتوليد الكهرباء في لبنان في غضون 18 شهراً. وهو أيضاً إلتقى بالرئيس السوري بشار الأسد على وجه الخصوص لمناقشة دور إيران في إعادة الإعمار الاقتصادي للدولة السورية التي مزقتها الحرب.

من غير الواضح بعد كيف يمكن لإيران الاستفادة من التجارة مع دول تعاني من ضائقة مالية؛ لديها مشاكلها الاقتصادية والمالية. بالمقابل، يخشى لبنان ودول عربية أخرى من التعرض لعقوبات أميركية إذا ما تجاوبوا مع إيران. ومع ذلك، فإن الهدف الإقليمي الطويل الأمد لإيران هو تشكيل منطقة اقتصادية خالية من الدولار يمكنها مقاومة الحرب الاقتصادية الأميركية.

إن إدارة رئيسي حريصة على عدم إغلاق أي باب للتعاون المستقبلي. وقال عبد اللهيان أن المحور الاقتصادي لإيران لا يعني “أننا ننحي الغرب جانباً”، مشيراً إلى اجتماعاته الأخيرة مع 18 وزير خارجية أوروبياً خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر. لكن الأفعال أبلغ من الكلمات. مع أو بدون خطة العمل الشاملة المشتركة، تربط إيران مصيرها الاقتصادي بآسيا والشرق الأوسط.

كل الخيارات على الطاولة

تستند إستراتيجية إدارة رئيسي على افتراض أساسي حول علاقة إيران بالولايات المتحدة، وهو الافتراض الذي حافظت عليه النُخب المحافظة الحاكمة في البلاد منذ إنشاء الجمهورية الإسلامية. ووفقاً لوجهة النظر هذه، فإن حجم إيران وتاريخها وموقعها الجغرافي الإستراتيجي ومواردها الاقتصادية يجعلها قوة إقليمية طبيعية مهيمنة وتشكل تهديداً محتملاً لحلفاء أميركا في الشرق الأوسط. لذلك، فإن واشنطن مصممة على إبقاء إيران تحت ضغط اقتصادي وعسكري. وبالتالي، حتى لو كان هناك اتفاق نووي، ستبحث واشنطن بلا شك عن طرق أخرى لإضعاف إيران وعزلها.

إيران مستعدة للتصدي ومقاومة النفوذ الأميركي؛ والرد على الإكراه بالإكراه..  وحتى خوض صراع مع أميركا

وتتوقع إدارة رئيسي أن يؤدي الاتفاق المرتقب إلى زيادة الضغط الأميركي لغرض محدد هو حرمان إيران من أي فوائد ملموسة من تخفيف العقوبات. يزعم المسؤولون الإيرانيون أنهم على استعداد لمناقشة قضايا أخرى ذات اهتمام مشترك شريطة أن توافق واشنطن على الانخراط في قضية واحدة في كل مرة، لكنهم لا يتوقعون أي استعداد من قبل واشنطن لقبول اتفاق من شأنه تعزيز الجمهورية الإسلامية. استراتيجية طهران هي مقاومة النفوذ الأميركي في كل منعطف؛ والرد على الإكراه بالإكراه. حتى في الوقت الذي تستعد فيه لاستئناف المفاوضات بشأن الاتفاق النووي، فإنها تمهد الطريق لجميع الاحتمالات – بما في ذلك الخوض في صراع مع الولايات المتحدة.

– الترجمة بتصرف؛ النص الأصلي بالإنكليزية على موقع “الفورين أفيرز”

(*) محمد آيات الله طبر، أستاذ مشارك للشؤون الدولية في كلية بوش للإدارة الحكومية والخدمة العامة في جامعة تكساس. وزميل في معهد “بيكر” للسياسة العامة في جامعة “رايس”. هو مؤلف كتاب: “فن الحكم الديني: سياسة الإسلام في إيران” Religious Statecraft: The Politics of Islam in Iran.

Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  إسرائيل القلقة: نصرالله سيرد، ماذا عن الهدف؟