“الأمن بالتراضي”.. وصفة سياسية سحرية!

منذ حوالي الشهر ومن بين كل شوارع العالم الخطيرة والمحكومة من قبل العصابات، اتجهت الأنظار نحو شارع صغير يفصل بين الشياح وبدارو (عين الرمانة) فى مدينة بيروت. استطاع شارع بما يرمز إليه من تاريخ وسياسة ودم وبشر وحجر أن يستقطب معظم القنوات الإعلامية، المحلية والأجنبية، ناهيك عن استعادة مفردات من قاموس الحرب الأهلية اللبنانية.

بعيداً عن الكلام الأكاديمى وعلاقة لبنان المتنوع ثقافيا بالإقليم. وبعيدا عن علاقة الموقع الجغرافى بالسياسة والمسمى بالجغراسياسة. بعيداً أيضا عن معدلات الفقر المتصاعدة ومؤشرات الهجرة المكثفة وتردى البنى التحتية أو حتى سعر صرف العملة المحلية. بعيداً عن كل هذا. لماذا هذا الاهتمام الإعلامى بأحداث الطيونة والشياح وبدارو؟ لماذا يحصد اشتباك مسلح فى شارع لبنانى هذا الاهتمام منذ ثلاثة أسابيع حتى الآن؟

***

لن أخوض فى ما قاله الإعلام أو أهل السياسة. استوقفنى اهتمام سيد الكرملين الرئيس الروسى فلاديمير بوتين القابض على خريطة بلاد الشام بقوته غير الناعمة. أدلى القيصر الروسى بتصريح لا يظهر مدى أهمية لبنان السياسى فقط بل مدى تأثير صراع أهلى فى شارع ذى رمزية تاريخية على ضفة البحر الأبيض المتوسط على موازين القوى العالمية.
ثمة جواب وجدته عند الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعى اللبنانى الراحل جورج حاوى فى كتاب الزميل غسان شربل «جورج حاوى يتذكر الحرب والمقاومة والحزب». يروى حاوى كيف أن نظرية الانتصار الوشيك لا تقاس بالأمتار والمسافات، وأنها عملية سياسية مركبة تأخذ بالحسبان عناصر عديدة لعل أهمها تداخل الإقليمى بالدولى. يشرح كيف أصيب الزعيم الدرزى كمال جنبلاط بالملل فى ذروة الحرب الأهلية فى العام 1976. فى تلك المرحلة، انقسم لبنان بين ما تسمى «القوى الانعزالية» بقيادة حزب الكتائب وبين ما تسمى «القوى الوطنية والتقدمية» بقيادة اليسار اللبنانى. يقول حاوى «كنا قاب قوسين أو أدنى من بكفيا (معقل حزب الكتائب ومسقط رأس آل الجميل)، وبالتالى من جونية. وبما أننى من المنطقة (من بلدة بتغرين المتنية) كان يسألنى جنبلاط بإلحاح: كم تبعد المروج والكسارات عن بكفيا؟ وكم بقى من المسافة لتلتحق القوات المشتركة بقوات الحزب الشيوعى فى بتغرين وقوات الحزب السورى القومى الاجتماعى فى ضهور الشوير؟ كنت أجيبه أن المسافة نحو كيلومترين تقريبا، فكان يجيبنى «يا عمى ألا يمكن اجتياز هذين الكيلومترين؟».

توجه أحد المطارنة بسؤال محدد حول أسباب عدم إطلاق سراح سمير جعجع. أجابه رفيق الحريرى مباشرة «لكنه مجرم.. هكذا يقول القضاء اللبنانى». يسود صمت يكسره أحد الأساقفة بسؤال «لماذا لم يحاكم أحد سواه»؟. يرد الحريرى «لنتفق، هل تريدون إطلاق سراحه أم سجن الباقين»؟

أجابه حاوى ـ والكلام له ـ «قلت له يا كمال بك هذه المسافة لا تمر بشكل مباشر، هذه المسافة تنزل من بكفيا إلى بيروت ومنها إلى تل أبيب فواشنطن وموسكو ودمشق ثم إلى زحلة فالكسارات»!
بحثت عن الطريق الذى سلكته أحداث الطيونة ــ الشياح، فوجدته متعرجا جدا فى هذا الظرف الإقليمى والدولى. لاح أمامى الدرب الذى سلكه الرئيس الشهيد رفيق الحريرى قبل ثلاثة عقود من الزمن. فى العام ١٩٩٨م، اجتمع رفيق الحريرى بمجلس المطارنة الموارنة فى مقر البطريركية المارونية فى بكركى. تناول المجتمعون الراهن من قضايا ومن هموم جماعات لبنان المسكونة بالهواجس السياسية والاجتماعية والديموغرافية السرمدية. حينذاك، كان الإحباط المسيحى قد بلغ مداه طوال ثمانى سنوات. كان ذلك فى عز عهد الوصاية السورية على لبنان التى بدأت فى العام 1990. توجه أحد المطارنة بسؤال محدد حول أسباب عدم إطلاق سراح قائد حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. أجابه الحريرى مباشرة «لكنه مجرم.. هكذا يقول القضاء اللبنانى». يسود صمت يكسره أحد الأساقفة بسؤال «لماذا لم يحاكم أحد سواه»؟. يرد الحريرى «لنتفق، هل تريدون إطلاق سراحه أم سجن الباقين»؟ ضحك الجميع وأولهم البطريرك المارونى الراحل نصرالله صفير الذى فهم رسالة الحريرى وقرر طى موضوع أكبر من الضيف ومن كل المشاركين فى الاجتماع.
كان قد مضى على الحريرى رئيسا للحكومة نحو الست سنوات. حقبة أمضاها على دروب لبنان وخط بيروت ـ دمشق وخطوط العالم العربى، وأبرزها خط بيروت ـ الرياض، وخطوط «الأمم»، ولا سيما خط بيروت ــ باريس. دروب ربما جعلته يُدرك أن «الوصفات السحرية» للأمن الوطنى والاقتصادى اللبنانى موجودة ليس فى بيروت وحدها. ثم من قال إن رفيق الحريرى سيبرع فى اختيار هكذا إجابة على سؤال من هذا النوع.

***

الأمن سياسى لكن لا يتحقق إلا بالتراضى. «الأمن بالتراضى» ليس شعارا فقط.. إنه عبارة عن معادلة لبنانية وغير لبنانية عُمرها من عمر قلعة بعلبك وكل قلاع العالم

نعم، فى لبنان كل شىء مسيَّس. كل قضية وكل حدث وكل خبر وربما كل لقمة خبز وشارة سير وحبة رمل وحجارة. كل توقيف وكل حكم قضائى مسيَّس. يكفى إضافة كلمة سياسة بعد كل مفردة وإسقاطها على واقع هذا البلد المجبول بالأزمات. مارونية سياسية. شيعية سياسية. حريرية سياسية. اتهام سياسى. مال سياسى. إنماء سياسى. تحقيق مُسيَّس، وهكذا دواليك. لعل أهم هذه المفردات هو الأمن. الأمن هو المجال المفعم بالسياسة أصلا.
عدت أبحث عن «الأسرار» التى تحيط بالطريق الممتد من نهاية الشياح إلى أول بدارو مرورا بالطيونة (أقل من ثلاثمائة متر). الأمتار قليلة. الجغرافيا خطيرة ومُشبعة بالرمزيات. السياسة هناك تحتاج إلى سعة عالية من أجل تنزيلها (download) على «التطبيقات» اللبنانية، السياسية والطائفية. الأهم من ذلك تلك الدروب التى تؤدى إلى شمال الكرة الأرضية (فيينا نموذجا) أو إلى جنوبها عند باب المندب. من حقول البصرة شرقا إلى حقل كاريش فى إسرائيل شمال فلسطين المحتلة غربا. مفاوضات وغاز وحروب على طول خطوط سايكس بيكو. ناهيك عن ضغط اقتصادى هائل على كامل الدول المعنية المنهكة أصلا جراء جائحة كورونا وأزماتها الاقتصادية المفتوحة.
وكما كانت الطريق من الكحالة إلى جونية تمر فى العام 1976 بدمشق وتل أبيب وواشنطن وموسكو فإن الكثير من طرقات منطقتنا باتت متعرجة ومتداخلة ومتشابكة إلى حد القول إنها ستبقى متوترة إلى أن تهدأ بالتراضى. الأمن سياسى لكن لا يتحقق إلا بالتراضى. «الأمن بالتراضى» ليس شعارا فقط.. إنه عبارة عن معادلة لبنانية وغير لبنانية عُمرها من عمر قلعة بعلبك وكل قلاع العالم.

إقرأ على موقع 180  خطاب نصرالله: الثقة والتواضع.. قبل التشكيك والتخوين

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  وسام.. عاشق القاهرة