“اليُتم السُني” في لبنان.. من الحريرية إلى الميقاتية!

"اليُتم" كما الحُزن. يبدأ كبيراً وينتهي مُندثراً. عند الطائفة السُنية يحدث العكس. شعورها الجمعي بـ"اليُتم" يرتفع مع كل محطة سياسية يمر فيها لبنان وقد تعدّدت المحطات بعدد التصدعات التي أصابت البلد، أهلاً ونظاماً.

عاد سعد الحريري إلى بيروت. عودةٌ تُشعر ناسه بـ”اليُتم” والخوف. خوف جماعة لبنانية مُشرعة على الجميع وللجميع من الطوائف الأخرى وحتى من أصولية طارئة وليست بنيوية. مُشَرّعة بإرادتها أيضاً على الإقليم، طالما أنها لا تريد أن تنأى بنفسها عن حساباته ومصالحه. جماعة صارت مشاعاً منذ أن بدأ سعد الحريري يهوي مع إنكشاف الحريرية على وهم الدولة الذي اعتقد كثيرون أن الحريري الأب بناها بالمال والعلاقات والزعامة والدم. فكان أن انهارت هذه “الدولة” تدريجياً. سقط الاقتصاد ولا سيما المصرف؛ الطبابة؛ المرفأ، المطار، التعليم وكل شيء. سقطت “الجمهورية” برمتها. كل شيء سقط سقوطاً حراً وأخذ معه شعباً بأكمله إلى هاوية الفقر.

بعض الخوف من اليُتم السُني” سببه ميلٌ عارمٌ عند جماعات صغيرة فيه لإعتبار “الإسلام السياسي” ـ والمسلح حيناً ـ هو الحل. كان السُنة أهلُ عدد ومددٍ. كانوا “أهل الأمة”، على ما يسميهم نهاد المشنوق. الآن خسروا كل شيء. مسلسل الخسارة لم يبدأ من مقتلة رفيق الحريري. يومها أعطاهم لبنان كله ما لم يعطه لأحد غيرهم من قبل حتى في زمن جمال عبد الناصر. بعد الطائف، جاءهم شهر عسل مديد. شاركوا الحريري الأب “وهمه” السياسي ـ الإقتصادي بأن “هانوي” الممتدة من الرمل العالي على طريق المطار حتى خلة وردة في عيتا الشعب جنوباً، يمكنها أن تتعايش مع “هونغ كونغ” الممتدة من وسط العاصمة التجاري حتى المصنع شرقاً. الأهم، أنهم شاركوه معادلة قائلة بأن السياسة لا تقع في متن الإقتصاد والعكس صحيح!

ثمة كثيرون ممن يعتقدون أنهم ورثة للحريرية. يتمرنون على حصر إرث سعد الحريري. يتهمونه بأنه “زئبقي في السياسة من دون أن يمتلك مهارات وليد جنبلاط أو نبيه بري”. “التقية” تستحكم بسلوكه السياسي، لكن مع كثير من الخوف

يومها أغفلوا وتغافلوا عن أن الطائف المتبدل أحكاماً وممارسة جاء بغلبة إسلامية متدثرة بعباءة سورية ـ سعودية ـ أميركية على خسارة مسيحية. حينها كان ينبعث سؤال لبناني صافٍ: ما الممكن وما المستحيل في لحظة إختلال “قوة التوازن اللبناني”، وفي ظل كتلة طائفية بالتعريف هي “شيعية” جراء أرجحية عسكرية تحدرت إليها من إنفجار جمهورية أولى لها عنوانها الحاد: “المارونية السياسية”.

باستثناء الكنيسة المارونية (طبعاً في زمن البطريرك نصرالله صفير)، فإن أحداً لم يُجب عن سؤال الممكن والمستحيل، علماً أنه كان يؤشر على نحو أدق وأعمق، إلى واقعٍ سياسي مرعيٍ عربياً وسنياً على وجه التحديد، وكل وظائفه إعالة أو إعانة نظام سياسي مهمته تأمين الإستقرار للإدارة السورية (الوصاية) على البلد، وكذلك توطيد نظام طائفي يُبدّد الموارد لبناء الدولة ويعمل على شراء الولاءات ورضى الطوائف. في ظل هكذا واقع كان رفيق الحريري (ومعه كل زعماء الطوائف آنذاك) يجمع إلى الإرتهان شبه الكامل للقيد السوري ـ السعودي، تبنيه خيارات إقتصادية ـ إجتماعية أعتبرها ثمناً على اللبنانيين دفعه جراء حروبهم الأهلية التي إستطالت عقداً ونصف من الزمن!

لا يقع هذا التقويم السياسي الشديد السواد في باب محاكمة الحريرية. ولا يندرج في باب معالجة يوميات السياسة اللبنانية بقدر ما يبحث في آلام “اليُتم السُني”. كما لا يتوخى بحال من الأحوال الإستنتاج أو الدعوة إلى “إسقاط” إتفاق الطائف. بل على العكس من ذلك، فليس أمام اللبنانيين في لحظة يُعاد فيها ترسيم المنطقة إلا التمسك بهذا الإتفاق ضماناً للعودة إلى قوة التوازن بين عناصر المُعضلة ألا وهي الطوائف. نعم الطوائف هي قاعدة التوازن راهناً. ذلك أن لبنان لا يملك حالياً أي قدرة على فتح كهوفه الطائفية على أنوار “الصيغة الجديدة” في لحظة هي الأعقد لجهة التحشيد الطائفي على المستويين المحلي والإقليمي.. لا بد من شروط لا يبدو أنها باتت متوافرة حتى الآن!

و”اليُتم السُني” لا يثير الشفقة والتعاطف أبداً لسببين. الأول، أن التعاطف في السياسة قاتل ولا يُولّد إلا العصبيات القبلية. والثاني، ركونه إلى “مظلومية” يُمكن نسبتها إلى عوامل عديدة بالغة التعقيد، يتقاطع فيها الداخل بالخارج والسلاح بالصلاحيات والزعامة بالطائفية والمذهبية إلخ.. والأسوأ في هذا “اليُتم” أنه لم يتحول إلى نابض سياسي وطيد. إكتفى بسردية أهلية غذّاها ضُعف وقصور قيادته السياسية. راح يبحث عن كيفية إستنساخ تجربة “الثنائي الشيعي” فيما إجتماعه الأهلي وتوزعه الديموغرافي لا يحتمل ذلك. يشتهي قيادياً من طراز الزعيم وليد جنبلاط متناسياً أن “بني معروف” موقفٌ وليس عدداً.

في المشهد السنّي اللبناني الآن، ثمة تعدّد أصوات وتيارات سياسية وحزبية وأهلية. أكثر من ذلك، ثمة كثيرون ممن يعتقدون أنهم ورثة للحريرية. يتمرنون على حصر إرث سعد الحريري. يتهمونه بأنه “زئبقي في السياسة من دون أن يمتلك مهارات وليد جنبلاط أو نبيه بري”. “التقية” تستحكم بسلوكه السياسي، لكن مع كثير من الخوف. هو مع المنظومة نهاراً، ويلتقي بعض قادة الحراك التشريني ليلاً. ما أن يصعد إلى طائرته يصبح سعودي الهوية والهوى في الممارسة السياسية. يستعيد لبنانويته التسووية العارمة لحظة هبوط طائرته في بيروت. وأياً تكن الظروف التي وقعت عليه أو وقع عليها، يُسجل لهُ أن رفض حرباً أهلية سنية ـ شيعية لو حصل أن إندلعت لكانت لم تبقِ ولم تذر.

“ناسك” قلعة معراب يعتبر أن رفعَ لافتة مؤيدة له في زاروب من زواريب طرابلس “السًنية” نكاية ببعض الشيعة، تعني أنه يستحوذ على الأكثرية السنية في الاستحقاقات المقبلة وأنه على المسلمين السنة في لبنان أن يعتبروا معراب قبلتهم لا بيت الوسط أو دار الفتوى أو حتى مملكتهم المنكفئة

بكل الأحوال، الراهن “اليتيم” ليس مؤامرة بل واقع يجب الخروج منه سلمياً بأقل الخسائر. الرديء جداً أن الواقع السُني بات مفتوحاً على إحتمالات شتى أسوأها القانون الانتخابي الحالي. الأكثر سوءاً أنه حتى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع يسعى في مناكب الطائفة السُنية. لا لشيء، إلا لحُسن حظه في موقعة عين الرمانة ـ الطيونة وما حملته من تداعيات وانقسامات، صبّت لصالحه. أتى ذلك نتيجة تراكمات سياسية وانقسام مذهبي. وهذا على وجه التحديد جعل “ناسك” قلعة معراب يعتبر أن رفعَ لافتة مؤيدة له في زاروب من زواريب طرابلس “السًنية” نكاية ببعض الشيعة، تعني أنه يستحوذ على الأكثرية السنية في الاستحقاقات المقبلة وأنه على المسلمين السنة في لبنان أن يعتبروا معراب قبلتهم لا بيت الوسط أو دار الفتوى أو حتى مملكتهم المنكفئة.

على أنه وبرغم تعدد الاصوات “السنيّة السياسية” وتكاثر وجوهها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية، لكنها مصابة بشيء من الهزال والتردد. هذا إلى جانب ترهل “تيار المستقبل” وفقره السياسي في هذه المرحلة، وانفضاض مؤسساته الاعلامية والصحية والاجتماعية، وتبدل السياسة السعودية في زمن محمد بن سلمان وتخليها عن سياسات رعائية سابقة. لم يعتد كثرٌ من السنة أن يكونوا هكذا بلا رعاية فاعلة أو حامية من دولة عربية كبرى، خصوصاً في مرحلة يُطلُ فيها “مارد الدولار” مصحوباً بقرينه “مارد الفقر” ليطيحا بنصاب الاستقرار اللبناني؛ فالسعودية التي كانت تدعم فريق الغالبية السنية بتعريفها “الحريري”، أدارت ظهرها لزعيم هذه الغالبية، بينما تُكثّف إشارات دعمها لحزب القوات اللبنانية، ومثلُ هكذا أمرٍ نذير شؤم على بلاد الأرز العليل مع كل يعنيه هذا الامر على الارض، سياسياً وشعبياً.

إقرأ على موقع 180  إيران والولايات المتحدة.. إستحالة التطبيع

راهناً تبدو الطائفة السنية في حالة ضبابية. تبحث عن أفق، وتعيش شتتاً ويُتماً شديدين. تنتظر قرار سعدها، مشاركة أو إنكفاء أو بينَ بين في الانتخابات النيابية المقبلة. على هذا لا يبدو الوسط السني راضياً عن زعيمه. هذا ما تقوله الوقائع السياسية والاجتماعية، وما تجهر به وسائل التواصل الإجتماعي وارباك شركات الإحصاءات الإنتخابية.. ولنفترض ـ وهو واقع ـ أن النائب بهية الحريري حاضرة بقوة في مدينة صيدا لناحية التواصل مع الناس وتلبية “مطالبهم” الملحة، فضلاً عن جهودها الحثيثة لملء فراغ غياب سعد الحريري، لكن هذا لا يلغي أنها أقامت مؤخراً عشاءً لـ”كبار القوم” في المدينة لم يكن فؤاد السنيورة أحدهم ولا مدعواً للمناسبة بينهم، وهذا يُفقده شرعية وحظوظ العودة إلى السراي الكبير. وما زاد الطين بلةً أنه أيّدَ ما يسمى “المجلس الوطني لرفع الاحتلال الإيراني عن لبنان” برئاسة أحمد فتفت. إشهار السنيورة هذا التأييد يعني أنه قرّر أن يتنطح لما رفضه الحريري خلال “أزمة استقالته” من الرياض، أي أخذ الطائفة السُنية إلى “المواجهة”.

حاول السنيورة المناورة على سعد الحريري في خلوتين متتاليتين جمعتهما في ابو ظبي، إذ إقترح “إدارة الغياب الراهن” شرط هيكلة “التيار الأزرق”، لكن الإبن كما الأب، كلاهما يتوجس منه شر توجس، فضلاً عن أن رئيس تيار المستقبل يُسجل له صلابته في رفضه معادلة الصدام مع حزب الله بعدما وجدها غير مجدية لا بل قاتلة، وهو يعرف انه حتى حين فاز بالاكثرية النيابية عامي 2005 و2009 وجد ان هذه الاكثرية غير فاعلة، فالأرقام والمعسكرات شيء والقدرة على الحكم شيء آخر. يسري ذلك عليه وعلى من أمسكوا بالأكثرية من بعده. قدرة على التعطيل بلا قدرة على الحكم!

ها هو بهاء رفيق الحريري، قرر أن يكتشف السياسة حديثاً فأرسل مستشاريه وأمواله تواكبهم شبكة إعلامية تبث عبر أثير فضائيتين لبنانيتين بحثاً عن افق الصناديق الاقتراعية، مع بركان أوهام بأنه يستطيع استعادة تجربة رفيق الحريري في الانتخابات، من دون الالتفات إلى ان الزمن تغير والسياسة تبدلت حالها وقواعدها

وثمة مفارقة أنه في مدينة مثل طرابلس، تبدو السياسة شبه غائبة باستثناء تصريحات مصطفى علوش “الثورجية” والمستعارة نبرتها، بمفعول رجعي، من أرشيف السبعينيات والثمانينيات الماضية، وكذلك الأمر في بيروت، ففي طول المدينة وعرضها لا تجد من بين النواب غير رلى الطبش تتواصل مع جماعات اهلية واحياء من هنا وهناك. أما النائب نهاد المشنوق فقد إنكفأ عن السياسة والإنتخابات ـ أقله حتى الآن ـ لمصلحة الغرق في مهنة المتاعب ولكن بمفردات “سنية” تستدرج خطاباً طائفياً مضاداً وتندرج في خانة الحفر البطيء لمستقبل يبدو غامضاً حتى الآن. أما نائب “الاحباش” عدنان طرابلسي، فإنه يُمني النفس أناء الليل وأطراف النهار في مجالسه الخاصة بأن يأخذ فرصة كالتي حصل عليها حسان دياب ولسان حاله أن يؤدي إنكفاء الحريري إلى نيل جماعته حاصلين إنتخابيين مثله مثل فؤاد المخزومي برغم أن الأخير يُبدّل خياراته بسرعة سيارة “الفيراري” علّ وعسى أن تأتي “موجة ثورية” ترفعه إلى رئاسة الحكومة المستحيلة!

واستطراداً على هذا الأصل، فقد انهارت مملكة احلام أشرف ريفي السيادية بعد الانتخابات البلدية الطرابلسية والإرتجالات الطائشة، وهو لا يتردد في زيارة “فتى الكتائب” سامي الجميل بحثاً عن تحالف ثم الانتقال لتأييد جعجع على الرغم مما يشكله ذلك من حساسية لكثيرين في طرابلس على خلفية قضية اغتيال رشيد كرامي. وها هو رجل الاعمال بهاء رفيق الحريري، قرر أن يكتشف السياسة حديثاً فأرسل مستشاريه وأمواله تواكبهم شبكة إعلامية تبث عبر أثير فضائيتين لبنانيتين بحثاً عن افق الصناديق الاقتراعية، مع بركان أوهام بأنه يستطيع استعادة تجربة رفيق الحريري في الانتخابات، من دون الالتفات إلى ان الزمن تغير والسياسة تبدلت حالها وقواعدها، فيما الرئيس تمام سلام حسم خياره بالتقاعد السياسي المبكر، لمصلحة توريث إبنه “صائب جونيور”.

على هذا تتوالى الأسئلة الصادقة عن مآلات “اليُتم السني” خصوصاً مع تولي نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة، وتحول سعد الحريري إلى زائر نصف سنوي لبيروت وثمة تسريبات عن أنه “لن يترشح للنيابة”، وهنا كان السؤال الجنبلاطي التاريخي: إلى أين؟

الرئيس نجيب ميقاتي سئل عن الانتخابات، فقال “أنتظر الحريري”، وثمة من يقول إنه سيقود الدفة في هذه المرحلة، فالرجل في مساره الأخير كأنه يستأنف ما بدأه الحريري حين كان مرشحاً لرئاسة الحكومة، وهو حتى في اختياره الوزراء السنّة، ابقى على أبرز  من سمّاهم الحريري (ناصر ياسين، وفراس ابيض). لم يترشح للحكومة من خارج رضا الاكثرية السنية وموقف دار الفتوى. له حيثية شعبية وخدماتية في طرابلس ومناطق أخرى تؤهله للإنتقال من الأصغر إلى الأكبر. له حيثية دولية وعربية وإسلامية. أيضاً في جيب ميقاتي “إتصال ذهبي ثلاثي” مع إيمانويل ماكرون ومحمد بن سلمان في وقت كانت السعودية الغت اهتمامها بالبقعة الجغرافية التي تسمى لبنان، وبدت كأنها في نزاع معه. رصيد لا يتوفر لأي شخصية سنية في لبنان، لكن ماذا بعد؟

ثلاث محطات أولى في اليوم الأول لسعد الحريري في بيروت: دار الفتوى والسراي الكبير وضريح رفيق الحريري. لكل واحدة منها رمزيتها. لم يُعدل الرجل خارطة طريقه حتى الآن. رابعة محطاته إلتئام نادي رؤساء الحكومات ومن ثم ترؤس قيادة تيار المستقبل. هل يمضي سعد إلى حيث يريد أن يفاجىء الجميع أم نشهد “تلزيماً” سياسياً يجعل الميقاتية ممراً إلزامياً لعودة الحريرية مستقبلاً أو لإعلان موتها الأخير؟

للمرة الأولى، منذ فتح باب الترشيح للإنتخابات، تتبدى حتمية “الإنتخابات الدولية” على كل ما عداها من أوهام بتطييرها أو تأجيلها بحسابات محلية. لن يفرح اللبنانيون كثيراً بعودة حكومتهم للإجتماع، فموسم الإنتخابات سيجعلهم أسرى خطاب مقيت ومستقبل قاتم.. حمى الله بلدنا.

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إنفجار لبنان الإجتماعي.. آت لا محالة