غورباتشوف لو إستطاع تقليد التجربة الصينية

يُجادل الكثيرون في الحيثيات التي تحكمت بالسياسة التي تبناها آخر الزعماء السوفيات ميخائيل غورباتشوف، وقادت إلى إنهيار الإتحاد السوفياتي الذي كان إمبراطورية مترامية الأطراف فرضت على الولايات المتحدة الثنائية القطبية على مدى 75 عاماً.     

بعد مضي أكثر من 30 عاماً، لا تزال تثار تساؤلات حول دوافع إنهيار الإتحاد السوفياتي، هل هي ذاتية، أم بفعل الضغوط الخارجية؟ ولماذا لم يبادر غورباتشوف إلى فعل شيء لمنع الإنهيار؟

يرى البعض أن عوامل الإنهيار كانت مستفحلة قبل وصول غورباتشوف إلى الزعامة، وأن المرض بدأ يدب في أوصال الإتحاد في أواخر سنوات عهد ليونيد بريجينف ليبلغ درجة الإنهيار في أواخر الثمانينيات الماضية.

وربما يبالغ البعض الآخر في إستحضار علامات الإنهيار السوفياتي، كإيراد مثال على ذلك، تمكُن الطيار الألماني ماتياس روست من الهبوط بطائرته السيسنا في الساحة الحمراء بموسكو في 28 أيار/مايو 1987 بعدما قادها من فنلندا متخطياً الدفاعات السوفياتية التي لم تتمكن من معرفة هل الطائرة تابعة لجهة صديقة أم عدوة؟

وبعيداً عن الإشارات الرمزية، تركز السردية الغربية على أن غورباتشوف، هو شخصية على نقيض مع مَن سبقوه على عرش الإمبراطورية السوفياتية، لأنه رفض أن يكون جوزف ستالين أو نيكيتا خروتشيف أو بريجينف (ولا يتم ذكر أندروبوف وتشيرنينكو نظراً لقصر مدة حكمهما قبل صعود غورباتشوف)، إذ أنه لم يمانع في ترك دول أوروبا الشرقية تقرر مصيرها وكذلك إتحاد الجمهوريات السوفياتية الإشتراكية الـ15.   وعندما تحضر صورة غورباتشوف، تحضر صورة نقيضه في الغرب، فلاديمير بوتين. لا أحد ينسى للرئيس الروسي الحالي أنه قال ذات مرة إن تفكيك الإتحاد السوفياتي كان “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”، ولذلك هو متهم بمحاولة إعادة جمع ما فرّط به غورباتشوف وبالسعي إلى إحياء “الإمبراطورية”، والدليل الأخير هو حرب أوكرانيا، وما سبقها من خطوات إتخذها بوتين في الفضاء السوفياتي السابق.

وبعد.. لا يقر القادة والمفكرون الغربيون في خلفيات تفكيرهم العميق بأن غورباتشوف كان رجلاً إصلاحياً (عبر البيريسترويكا) أو شفافاً (عبر غلاسنوست)، وإنما هو زعيم سوفياتي حقيقي وشيوعي حقيقي، أراد إعادة هيكلة الدولة المترامية الأطراف والمنهكة إقتصادياً بفعل سباق التسلح الذي أطلقه رونالد ريغان نحو “النجوم” ونتيجة الإنهاك العسكري والمعنوي في حرب أفغانستان، لكن الأمور خرجت عن سيطرته وذهبت في الإتجاهات التي ذهبت فيها “بسبب التغييرات المعقدة والمؤثرة وتحديات سياسية كبيرة خارجية واقتصادية واجتماعية” وفق ما قال بوتين في نعيه لغورباتشوف.

وفي آخر خطاب له أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1988، دعا غورباتشيوف العالم إلى التغلب على فروقاته الإيديولوجية وآمن بأن ثمة إمكانية للتعايش بين الإشتراكية والرأسمالية في نظام متعدد الأقطاب. ورأى الأستاذ المشارك في قسم التاريخ بالجامعة الأميركية بالولايات المتحدة أنطون فيدياشين، أن هذا الخطاب هو الذي أنهى الحرب الباردة، وليست قوة الغرب وما جرى بعدها من سقوط جدار برلين والموافقة على توحيد ألمانيا، ويرى أن غورباتشوف دعم حرب الخليج الأولى التي قادها جورج بوش الأب، إيماناً منه بعالم متعدد الأقطاب وبأن ثمة مساحة للإلتقاء مع الولايات المتحدة ووضع الصراعات جانباً.

إن عدم إصرار غورباتشوف على الحصول على ضمانات في غمرة هذه التحولات التي عصفت بروسيا وأوروبا الشرقية، هي التي قادت في أوكرانيا اليوم، إلى أخطر حرب على الأراضي الأوروبية منذ عام 1945، وتهدد بمواجهة مسلحة مباشرة بين روسيا وأميركا اللتين تملكان من الأسلحة النووية ما يمكن أن يدمر الكوكب عشرات المرات

من المؤكد أن غورباتشوف ليس ستالين ولا خروتشيف أو بريجينيف. والدليل أنه عندما تململت دول أوروبا الشرقية بدءاً من بولونيا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية، لم تكن ثمة مشاهد مستعادة من عامي 1956 في المجر و1968 في براغ. وإنتقلت العدوى إلى جمهوريات البلطيق وجورجيا داخل الإتحاد السوفياتي. وبدا أن غورباتشوف غير مستعد لإستخدام القوة للحفاظ على الإتحاد السوفياتي أو على النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية، فكان الإنهيار الكبير.

وبعد عقد من الإضطراب السياسي والإقتصادي والإجتماعي الذي عاشته روسيا في سنوات بوريس يلتسين، بدأ كثير من الروس يمعنون النظر في ما حدث، ويأخذون على غورباتشوف أنه قدّم للغرب أعظم نصر إستراتيجي بالمجان، ومن دون أن تحصل روسيا على أي ضمانات تحفظ هيبتها كدولة عظمى وتؤمن لها مصالحها في أوروبا والعالم، حتى صار كثيرون يتندرون في أميركا على أن روسيا لم تعد بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي سوى عبارة عن محطة وقود مجهزة بأسلحة نووية.

ويتساءل الروس أيضاً لماذا لم يأخذ غورباتشوف خلال التفاوض مع القادة الغربيين على الإنسحاب من أوروبا الشرقية، ضمانات خطية من أن حلف شمال الأطلسي لن يتمدد إلى أوروبا الشرقية نحو الحدود الروسية؟ وهل فعلاً إعتقد غورباتشوف لوهلة بأن الولايات المتحدة المنتشية بالنصر في الحرب الباردة والتي توّجها بوش الأب زعيمة على النظام العالمي الجديد، ستترك أوروبا الشرقية منطقة محايدة بين روسيا وأوروبا الغربية؟ أو هل إعتقد أن الولايات المتحدة ستقبل بروسيا “أطلسية”؟

إقرأ على موقع 180  شبح أسيا: الصين، الغرب والإسلام.. التحدي والإستجابة

إن عدم إصرار غورباتشوف على الحصول على ضمانات في غمرة هذه التحولات التي عصفت بروسيا وأوروبا الشرقية، هي التي قادت في أوكرانيا اليوم، إلى أخطر حرب على الأراضي الأوروبية منذ عام 1945، وتهدد بمواجهة مسلحة مباشرة بين روسيا وأميركا اللتين تملكان من الأسلحة النووية ما يمكن أن يدمر الكوكب عشرات المرات.

لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للتعامل برحمة مع روسيا بعد إنهيار الإمبراطورية ووضعها الإقتصادي المزري في العقد الأول من التسعينيات، فقاد الرئيس الأميركي سابقاً بيل كلينتون الموجة الأولى من تمدد الناتو إلى أوروبا الشرقية وصولاً إلى الرئيس الحالي جو بايدن الذي ضم فنلندا والسويد هذا العام.

ما طالب به بوتين من ضمانات أمنية من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في الأشهر التي سبقت حرب أوكرانيا، هو ما كان يجب أن يصر عليه غورباتشوف قبل تسليم أوراق القوة التي بين يديه.

العالم يقف اليوم على حافة حرب عالمية ثالثة لأن الولايات المتحدة، لم تأخذ في الإعتبار المخاوف الأمنية لروسيا، ولأنها لا ترى أن من حق روسيا أن تكون دولة تتمتع بنفوذ في الفضاء السوفياتي السابق، وأن من حق حلف الأطلسي أن يتمدد إلى أوكرانيا وجورجيا وأن يكون حلفاً عسكرياً-أمنياً بلا حدود مهمته دور الشرطي في العالم والحفاظ على الأحادية القطبية الأميركية. والبحث جارٍ في الوقت الحاضر عن الدور الذي يمكن أن يقوم به “الأطلسي” في نظيريه الهادىء والهندي في مواجهة الصعود الصيني.

ومنذ خطاب بوتين أمام مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، عندما حذر من عواقب إستمرار تمدد الأطلسي نحو الحدود الروسية، ومن إستمرار الأحادية القطبية، كان يمكن قراءة الحرب الأوكرانية مسبقاً. وبالعودة إلى غورباتشوف ومقارنته بالتجربة الصينية، لا يمكن إلا تذكر دنغ شياو بينغ الذي تبنى إقتصاد السوق بعد رحيل ماو تسي تونغ في أواخر السبعينيات، بينما أبقى قبضة الحزب الشيوعي على السياسة الداخلية. ونزلت دبابات جيش التحرير الشعبي إلى ميدان تيان آن مين في بكين عام 1991 لفض إعتصام المطالبين بالإصلاحات السياسية. كان المعتصمون يطالبون بإصلاحات سياسية إقتداءً بما جرى في أوروبا الشرقية والإتحاد السوفياتي. وتحولت الصين بعد ثلاثة عقود من الزمن إلى ثاني قوة إقتصادية في العالم ولم تتفتت سياسياً. ألم يكن في وسع غورباتشوف أن يفعل ما فعله دنغ شياو بينغ؟ أم أنه حاول فأخفق؟ من المؤكد أنه كان للعالم وجهاً مختلفاً اليوم.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  روسيا وطالبان.. قصة سلام أم قصة حرب؟