مفارقات شيعية بين لبنان والعراق.. هل من حزب للدولة؟ (1)

هي الجيوبوليتيك. لعنة ونعمة. تحكم لبنان كما تحكم العراق. أصعب إمتحان يواجه بيروت وبغداد عندما تخضعان لإمتحان الإختيار بين العروبية والإيرانية. الجواب اللبناني ـ العراقي ليس بديهياً اذا كان البحث عن العمق العربي يؤدي الى عداوة مع ايران، لكن النظري يختلف عن العملي ولا يُحرّر هذا البلد أو ذاك من أعباء والتزامات وقضايا وهواجس كثيرة..

لنترك العنوان اللبناني جانباً. له مقاربته المستقلة. العراق ليس عراقياً وحسب. جعلته الجغرافيا السياسية تاريخياً ساحة صراع. ساحة نزاع وتفاعل في الإقليم. أقله في آخر خمسمائة سنة. عندما تأسست الدولة الصفوية في إيران (1501) وأعلن الشاه إسماعيل الأول إعتناق المذهب الشيعي، وقع العراق ضحية إشتباك بين الامبراطوريتين الفارسية والعثمانية، سعياً لإجتذابه والسيطرة على مقدراته. راح الشاه الفارسي والسلطان العثماني يتنافسان حول من يكون “عاهل الإسلام”، قبل أن يتخذ الصراع طابعاً سنياً ـ شيعياً، تخللته محاولات عدة لإخضاع العتبات المقدسة (النجف وكربلاء والكوفة)، إلى أن رُسمت حدود قصر شيرين بين الامبراطوريتين الصفوية والعثمانية، وهي اول حدود بين امبراطوريتين. حدود أنهت الحرب وكانت جزءاً من تفاهم على تقاسم النفوذ في العراق، على ان يكون الجنوب مع البصرة من حصة الصفويين والشمال مع بغداد من حصة العثمانيين. استمرت الأمور على هذه الحال حتى سيطرة الاستعمار البريطاني على بلاد الرافدين في لحظة قيام النظام الملكي في العراق عام 1921. اللحظة نفسها جسّدت إنهيار السلطنة العثمانية من جهة وطي الحقبة القاجارية وبدء الحقبة البهلوية (إنقلاب رضا خان على أحمد شاه آخر حكام السلالة القاجارية) في إيران من جهة ثانية.

ومنذ مائة سنة حتى يومنا هذا، يستمر العراق ساحة صراع وتجاذب بين المحاور الاقليمية والدولية مروراً بحلف بغداد والمشكلة الكردية التي أنتجت أول اتفاق بين الشاه والعراق، لكن الصراع إكتسب أهمية إستثنائية، مع امساك بغداد بالوضع العربي غداة عزل مصر من جامعة الدول العربية إثر توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979. تزامن ذلك مع هبوب رياح حركة الإحياء الشيعية وسقوط الحكم البهلوي وإنتصار ثورة الخميني عام 1979. سُرعان ما أرادت دول الخليج إسقاط الثورة الوليدة بتشجيعها مغامرة الحرب العراقية ـ الإيرانية. حربٌ دمّرت جيشي البلدين والكثير الكثير من إمكاناتهما، قبل أن يتجرع الخميني السم، لحظة قبوله بوقف النار، في ظل موازين قوى راجحة لمصلحة العراق. تكفّل الأميركيون بصدام حسين عام 2003. سقطت البوابة الشرقية فانفرجت أسارير أهل النظام في طهران. كان أحد كبار قادة الخليج يقول في يوم من الأيام لرئيس تحرير “السفير” طلال سلمان “شنو يدريك بكرا الأميركان يشيلون صدام ويركبون حكم شيعي بالعراق. إذا كان هذا هدفهم نقبل بمائة صدام”!

في العراق، بدت مسألة الدولة والسلطة أكثر تشابكا وتعقيداً. ثمة شعور دفين عند معظم الشيعة أن هذه الدولة ليست دولتهم وأن صدام حسين لم يمت، علماً أن المهدويين العراقيين يذهبون إلى حد القول بوجوب إنتظار ظهور الإمام المهدي، فتأتي معه دولة الحق الإلهية العادلة

قبيل أقل من سنة من غزو بغداد، صادف أن كان علي عبدالله صالح، رئيس اليمن الموحد، في بيروت. على هامش القمة العربية، إلتقى  بـ”أهل البيت الشيعي اللبناني” من رسميين وروحيين، في جلسة بعيدة عن الأضواء. قال “الراقص على رؤوس الثعابين” بالحرف الواحد إنه مكلف من الأميركيين بنقل رسالة محددة: “العراق سيُحكم شيعياً.. وسيكون للأمر تداعياته على مستوى الإقليم”. رسالة مُبطنة تحمل في طياتها ما تحتمل.. سورياً ولبنانياً. رسالة يُمكن أن تُفسّر الكثير من الأحداث اللاحقة بهذا التاريخ.

بموازاة ذلك، كان رفيق الحريري موجوداً في دمشق في ربيع العام 2003، غداة إقتحام الدبابات الأميركية أسوار بغداد. إجتمع مبعوث ايراني كبير بقادة أمنيين سوريين. بدا واضحاً أن السوري إستشعر الخطر الآتي. طلبت دمشق المساعدة من طهران في إدخال السلاح والمسلحين إلى العراق لإغراق الأميركيين في رمال بلاد ما بين النهرين المتحركة. تحفظ الإيرانيون. كان القيادي السوري الراحل محمد ناصيف (أبو وائل) يُردّد أمام سائليه: “هناك سوريون (أصوليون) متحمسون للذهاب إلى الجنة عبر الخط العسكري (إنتحاريون). خَطّهم سيكون بإتجاه واحد”. وبالفعل فُتحت الحدود أمامهم قبل أن يرتدوا على سوريا بعد سنوات قليلة.. فكان “داعش” وما أدراك ما ظروف ولادة هذا التنظيم من رحم “البعثين”!

ركّب الأميركيون للعراق دستوراً متماهياً إلى حد بعيد مع النموذج الطائفي اللبناني. إستشار إياد علاوي صديقه اللبناني رفيق الحريري في صياغة الدستور الجديد. دستور يعطي الأرجحية للشيعة لكنه يضع العراق على خط الزلازل والمحاصصة الطائفية والمذهبية. دستور لا يبني دولة.

مع الوقت تبدّت إشكاليات غير مألوفة بينها أن المسلمين الشيعة في العراق (كغيرهم من شيعة العرب) ليسوا أهل سلطة ودولة على عكس المسلمين السنة منذ 1400 سنة. هؤلاء هم الأمة والسلطة والدولة والخلافة. صاروا بمعنى من المعاني هم الدولة العميقة تاريخياً بحكم الثقافة والتجربة وموازين القوى.

في طهران، وبرغم إصطدام آيات الله بهذه الفجوة الكبيرة؛ ذلك أن أصل الدولة في الفقه الشيعي غير موجود منذ الف واربعمائة سنة. فإن إيران الجمهورية الإسلامية تُشكل إمتداداً للدولة الفارسية بحضارتها وحاضرها ومستقبلها. لم يتغير شيء سوى أن استبداد الزمن الشاهنشاهي تحول لمصلحة “الديكتاتور الفقيه” تحت مُسمى “دولة الثورة”.. زدْ على ذلك أنه في زمن الغيبة في الفقه التقليدي الشيعي لا يمكن قيام الدولة. المعصوم او المهدي المنتظر هو من يقوم بذلك.. أي لا أحد يحل محل الإمام الغائب. أفتاها الإمام الخميني بمقاربة براغماتية ذكية. الولي الفقيه هو الحاكم الشرعي بالوكالة إلى حين ظهور المهدي. عملياً صار الولي الفقيه يسمو فوق الدستور والقانون والسلطة.

في العراق، بدت مسألة الدولة والسلطة أكثر تشابكا وتعقيداً. ثمة شعور دفين عند معظم الشيعة أن هذه الدولة ليست دولتهم وأن صدام حسين لم يمت، علماً أن المهدويين العراقيين يذهبون إلى حد القول بوجوب إنتظار ظهور الإمام المهدي، فتأتي معه دولة الحق الإلهية العادلة. هذا وحده يُفسّر كيف كان محمود احمدي نجاد (رئيس إيران الأسبق)، وهو من المهدويين (أو الحجتيين)، يتصرف على اساس ان ولاية آية الله السيد علي خامنئي “منقوصة شرعياً”!

إقرأ على موقع 180  إيران ورئيس أميركا المقبل.. الأولوية لجهاد النفس؟

إدارة الظهر للدولة من قبل شيعة العراق، لأسباب يختلط فيها الديني بالسياسي، جعل هذا البلد على مدى عقدين من الزمن أسير منهبة لا مثيل لها في التاريخ العراقي. حجم السرقات والإختلاسات وحجم التوظيف في القطاع العام (حوالي نصف مليون وظيفة وهمية)، وحجم تردي الخدمات بما في ذلك في العتبات المقدسة وحتى في الزاروب الذي يؤدي إلى منزل المرجع السيد علي السيستاني في النجف، كلها شواهد على حجم الكارثة التي حلّت بالعراق والعراقيين.

ما يزيد الواقع مأساوية أن كل دول الجوار العراقي من دون إستثناء لا تريد عراقاً قوياً حتى يثبت العكس. كما أن العراقيين أنفسهم لا ينشدون الدولة المشتهاة. لا الذي يترحم على صدام يتمنى لهذه الدولة أن يقوى عودها ولا الطامح إلى الفيدرالية والإنفصال يتصور الدولة القوية حتى في أحلامه.. ولا “أهل البيت” ممن يريدون للدولة أن تكون عبارة عن بقرة حلوب، بدليل ما أصاب ويصيب العراق والعراقيين طوال 19 عاماً.

عقدان من زمن ما بعد صدام فماذا كانت النتيجة؟ كثرة من العراقيين يترحمون اليوم على زمن البعث. ما يجري منذ ثلاث سنوات في بغداد، يجعل العراق مكشوفاً، أمناً وسياسةً وإقتصاداً وإجتماعاً. هذا الإنكشاف تتحمل مسؤوليته طهران أيضاً. عندما سقطت بغداد بأيدي الأميركيين في العام 2003، كانت طهران ما تزال في حالة نشوة. حليفها اللبناني حزب الله فرض على إسرائيل للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي أن تندحر عن لبنان بلا قيد أو شرط. قال السيد حسن نصرالله من عاصمة التحرير بنت جبيل إن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت. عبارة كان وقعها قوياً وساحراً في طهران، كما في دمشق والقاهرة والجزائر وتونس والمغرب.

النشوة الإيرانية دفعت ببعض رجالات الحرس الثوري إلى محاولة إستنساخ “النموذج اللبناني” عراقياً. حاول كثيرون ثنيهم عن ذلك، وبينهم عراقيون ولبنانيون. الشخصيتان اللبنانية والعراقية مختلفتان إلى حد كبير. الشخصية العراقية موغلة في الزمن أكثر من سبعة آلاف سنة. شخصية رفضية تحتمل الشيء وعكسه. شخصية تشبه الأرض نفسها. المدينية والبداوة. قال عالم الإجتماع العراقي علي الوردي إن لجغرافيا العراق أثرها في تكوين الشخصية العراقية. العراق بلد مُعقد جغرافياً. يوجد فيه نهران كبيران هما دجلة والفرات. له إمتدادات صحراوية لطالما كانت عرضة لهجرات أثّرت في نسيجه وبنائه المجتمعي. الشخصية العراقية حصيلة متناقضات حضرية وبدوية في آن واحد. يقول رجل دين لبناني خَبِرَ العراق جيداً إن العراقي يتبنى رأياً اليوم ويحاول أن يُقنعك بعكسه في اليوم التالي. “ثمة شخصية “صدّامية” كامنة في كل عراقي. شخصية العنف والرفض، بعكس شيعة جبل عامل مثلا. هم شيعة ولائيون تاريخياً”.

لو أخذنا نموذج البيت الشيعي في لبنان لوجدنا أنه نقيض العراقي. موازين القوى جعلت الحزب اللبناني الذي سلّم بولاية الفقيه هو الذي يُدوّر الزوايا ويفرض الحقائق بقوة تمثيله وحضوره وكاريزما قائده.. وصفة سحرية جعلت هذا البيت بمنأى عن الصراع على السلطة. حتى أن “الثنائي” نفسه تكفيه كلمة واحدة من الولي الفقيه: “إجتماعكما (حزب الله وامل) على كلمة سواء ووحدتكما.. يُفرِح قلب صاحب الزمان”.

إكتشف الإيرانيون أن لا نصرالله عراقياً. الكل يريد السلطة ولا شيء إلا السلطة. طابخو السم آكلوه. هم أنفسهم أرادوا لحكم المحكمة الإتحادية في العام 2010 أن يُقصي إياد علاوي عن السلطة ونجحوا في ذلك. مقتدى الصدر شريك نوري المالكي قبل 12 سنة يتجرع سم المحكمة الإتحادية اليوم

في العراق، لا أحد يُثلج قلب أحد. لا في الزمن الحالي ولا في الزمن الآتي. لا تسليم بمرجعية واحدة. الصراع التاريخي بين مرجعيتي النجف وقم من جهة. بين العرب والفرس من جهة ثانية. بين الشيعة الولائيين والشيعة الرفضيين من جهة ثالثة. قاسمهم المشترك هو السلطة ولا شيء إلا السلطة. كثر منهم أرادوا تقليد حزب الله. أولهم السيد مقتدى الصدر. عرض وريث الكتلة المليونية الصدرية على الإيرانيين منذ العام 2003 أن يكون “جيش المهدي” نسخة طبق الأصل عن حزب الله اللبناني. كان رأي فريق إيراني وازن أن مقتدى “شخصية غير ناضجة وغير مستقرة”.

مع الوقت، إكتشف الإيرانيون أن لا نصرالله عراقياً. الكل يريد السلطة ولا شيء إلا السلطة. طابخو السم آكلوه. هم أنفسهم أرادوا لحكم المحكمة الإتحادية في العام 2010 أن يُقصي إياد علاوي عن السلطة ونجحوا في ذلك. مقتدى الصدر شريك نوري المالكي قبل 12 سنة يتجرع سم المحكمة الإتحادية اليوم.

العراق بلد معقد بالمفهوم الجيو سياسي. الشخصيتان اللبنانية والعراقية مختلفتان الى حد كبير. الاولى مطعمة بالحداثة وتداول السلطة والثانية لم يتسن لها الخوض في تجربة سياسية ديموقراطية.. للبحث صلة.

(في الجزء الثاني والأخير: عراق الدم آتٍ آتٍ)

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  رياض سلامة بتعذر البديل: مجرمٌ أم بطل؟