“الربيع العربي” سيتجدد حتماً.. ولبنان نموذجاً!

"الثورة ليست حفل عشاء"، كما يقول ماو تسي تونغ، وتالياً “لا ينبغي اعتبار النكسات بمثابة فشل بقدر ما هي بداية خاطئة”. ما نشهده في العديد من الساحات العربية يشي بأن شرارة "الموجة الثالثة" عندما تندلع مجدداً ستسري كالنار في الهشيم العربي.

إنطلقت الموجة الأولى من الربيع العربي عام 2010 في تونس واجتاحت مصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين، وأطاحت بأربعة حكام “خالدين” لكنها لم تحقق أياً من المطالب المرفوعة: الحرية، الكرامة، والعيش الرغيد. الأمر نفسه تكرّر مع الموجة الثانية التي انطلقت في أواخر عام 2019 في السودان والجزائر والعراق ولبنان. صحيح أنها اسقطت أحد “الخالدين” (عمر البشير) وحكومتي سعد الحريري (لبنان) وعادل عبد المهدي (العراق)، لكنها لم تحقق أيضاً معظم الأهداف الرئيسية، لا بل عمّقت كلا الموجتين الشروخ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في كل هذه البلدان، ليصبح السؤال: هل من موجة ثالثة تُنقّح مسار الموجتين السابقتين وتُحقّق التغيير المنشود أم تأخذنا من حافة الهاوية إلى بئر بلا قعر؟

كل المحركات التي أدت الى اندلاع الثورات العربية، ما تزال نشطة وحاضرة وتختمر: استبداد الأنظمة الجديدة التي حلّت محل القديمة وتلك التي نجت بريشها بواسطة القمع والحرب؛ تعمق أزمة الثقة بين الأنظمة والحكومات من جهة وعامة الناس من جهة ثانية؛ استفحال الازمات الاقتصادية وازدياد الفقراء جوعاً والأغنياء عهراً وبطراً واضمحلال الطبقات الوسطى أو تهميشها؛ فساد لا يتخيله عقل حتى في زمن الإنهيار؛ انهيار سريع في قيمة العملات الوطنية وارتفاع جنوني لمعدلات المديونية والعجز المالي وأرقام قياسية للبطالة والعوز الاجتماعي وخروج التضخم عن أي ضوابط؛ إنحسار مظاهر الديموقراطية وبروز أحزاب جديدة تتقمص أدوار الأحزاب المنحلة إلى درجة تماهي بعض الجدد مع جلادهم القديم، قمعاً وتسلطاً وانكاراً للواقع المعاش.

لاحظ موقع “فير اوبزرفير” الأميركي أن المشهد العربي الراهن، “صار أشبه بثمرة نضجت اليوم في ربيع يأتي باصرار أقوى”، وجزم بان لا مفر من عودة الربيع العربي عاجلاً ام آجلاً، “لكن السؤال متى وتحت أي شعار”؟

مقابل ذلك، وبرغم الاحباطات الهائلة وخيبات الأمل الكبرى يزداد إصرار الشباب على المقاومة والتغيير وتحسين ظروف الحياة، ويزداد تفاعلهم وتواصلهم وتعبئتهم بفعل ثورة المعلوماتية والتكنولوجيا الرقمية الحديثة. الشباب الذين نزلوا الى الساحات في بغداد وبيروت والخرطوم والجزائر العاصمة عام 2019، كانوا أطفالاً عندما اندلعت ثورة البوعزيزي في تونس قبل تسع سنوات، ولم يعقهم عن ثورتهم الترهيب سواء بنماذجه السورية والليبية واليمنية او بعودة العسكر الى المسرح على الطريقة المصرية. لذا فان الإحباط العام الذي خيّم على شباب لبنان والعراق والجزائر والسودان بسبب عدم تمكن حراكهم من تجاوز ربع الطريق الى هدفهم المنشود، لن يقف – على الأرجح – حاجزاً في وجه شباب الغد، أي أطفال اليوم، في توقهم الى الانعتاق من كوابيس الخوف والذل والجوع المخيمة على العالم العربي من أقصاه الى اقصاه.. ولعل ما حدث مؤخراً في سريلانكا وقبل ذلك وبعده من عمليات تصحيح ذات طابع تقدمي في عدد من دول اميركا اللاتينية، تُقدّم حافزاً للجيل الجديد.

وها هو رئيس الوزراء الأردني الأسبق، عبد الرؤوف الروابدة، يُحذر بالفم الملآن من أن العالم العربي سيشهد من جديد وقريباً انفجاراً مشابهاً لما حدث عام 2011، مشيراً الى أن الفارق سيكون بحجم الانفجار وتوقيته وشكله، ويقول إن شعوب العالم العربي محتقنة ومحبطة “إلى الدرجات القصوى”.

كما أفادت دراسة لشركة “أليانز تريد” للتأمين أن 11 دولة، معظمها في الشرق الأوسط، معرّضة لاحتمال مرتفع بنشوب توترات اجتماعية، وأشارت إلى أن “عدم إطعام الشعوب يعني تغذية النزاعات”. وحدّدت من بين الدول المرشحة للانفجار: الجزائر، تونس، مصر، الأردن، لبنان وتركيا.

ولاحظ موقع “فير اوبزرفير” الأميركي أن المشهد العربي الراهن، “صار أشبه بثمرة نضجت اليوم في ربيع يأتي باصرار أقوى”، وجزم بان لا مفر من عودة الربيع العربي عاجلاً ام آجلاً، “لكن السؤال متى وتحت أي شعار”؟

لا شك في أن أحد أبرز أسباب فشل ثورات الربيع العربي كان اكتفاؤها باطلاق شعارها الفضفاض “الشعب يريد إسقاط النظام”، لكنها لم تُحدّد أي نظام بديل تريد، وأي بديل سياسي واقتصادي تريد. لذا، معظم الانتفاضات التي “نجحت” في اقتلاع “الخالدين” لم تأتِ ببديل أفضل منهم أو أنها جاءت بالخراب أو الفوضى، أقله حتى الآن؛ وان استطاع بعضها توفير هامش أكبر من الحريات ولو أنه لا يسمن ولا يغني من جوع على غرار ما يحصل في تونس.

زدْ على ذلك أن بعض الثورات أنتجت بدائل أفدح. أول قرار لحكام ليبيا الجدد بعد الثورة هو تعديل قانون الأحكام الشخصية للسماح بتزويج القاصرات وتعدد الزيجات وفحص عذرية النساء، لكأن مشكلة نصف قرن من حكم الديكتاتور معمّر القذافي كانت في قوانين الزواج والطلاق!

وعلى غرار ليبيا، تباهى “اخوان” مصر فور تسلمهم السلطة بأنهم رفعوا الآذان داخل مبنى مجلس الشعب، ناهيك عن إستبدادهم الذي مهّد الطريق لعودة اقوى للعسكر وإمساكهم السلطة بقبضة حديدية. كذلك فعل اسلاميو سوريا في مناطق سيطرتهم الامر الذي عبّد الطريق نحو الاستبداد الديني ممثلاً بـ”داعش” ومتفرعات “القاعدة”، وكان ذلك بمثابة هدية للنظام الذي حافظ على السلطة بفعل الدعم الخارجي وشيطنة معارضيه (لا سيما بعد أن تسلحوا)، من دون تقديم أدنى تنازلات أو اصلاحات دستورية حتى الآن. لكأن الناس صاروا مخيّرين في معظم هذه الدول بين “الجزمة” و”اللحية” أو في أفضل الأحوال صاروا أسرى تيارين علماني واسلامي لدى كل منهما مخاوفه من التيار الآخر بفعل غياب الثقة في أوساط النخب السياسية وعدم الانسجام بين تياراتها المختلفة أيديولوجياً، وفي ذلك أوضح دلالة على إغتراب هذين التيارين عن الشريحة العظمى من الشعوب العربية غير المكترثة بأولوياتهما الايديولوجية، ذلك أن جُلّ طموحها توفير الماء والغذاء والكهرباء وفرصة العمل والتعليم والحد الأدنى من الكرامة والحرية. لذلك، لن يكون مفاجئاً مُضي هذين التيارين بالهروب إلى الأمام، وصولاً إلى التصويب على أي فرصة تغييرية.. وشيطنتها!

لبنان الذي يعيش أسوأ أيامه منذ نشوئه قبل مائة سنة، يتجه نحو نموذج كارثي فريد من نوعه في العالم، يمزج ما بين النموذج الفنزويلي من حيث انهيار عملته الوطنية وتردي معيشة مواطنيه، والنموذج الصومالي من حيث انهيار مؤسسات الدولة والنظام العام، ويتفوق على النموذج النيجيري في الفساد

راح الحلم بغد أفضل يتبدّد بوحشية تحت وطأة ضربات الثورة المضادة التي شنّتها الأنظمة القديمة مستفيدة من عدم توفر البديل عند معارضيها ومن تحالفها مع بعضها البعض تبعاً للمصالح، فكانت السعودية والامارات مع الجيشين المصري والسوداني نكاية بـ”الاخوان” وهكذا فعلتا في البحرين واليمن نكاية بالمعارضين الشيعة والحوثيين بعدما صُنّفوا في خانة “الادوات الإيرانية”، فيما اختارت قطر ومعها تركيا دعم الاسلاميين في سوريا وليبيا والسودان. وفي كل الاحوال، أحكم الحكّام الجدد او المجدد لهم، قبضتهم على السلطة، وباتوا أكثر قسوة وقمعا من ذي قبل.. وها هي الحروب الأهلية تمزق ثلاث دول من دول “الربيع العربي” هي ليبيا وسوريا واليمن. وقد أصبح عنف الدولة أشرس بكثير مما كان عليه قبل الثورة في اثنتين منها، هما مصر والبحرين.

إقرأ على موقع 180  روسيا تتمدد في "الأسود" و"المتوسط".. بديل عن "ضائع"؟

ولأن ماكينات النهب والقمع المنظمة والمؤطرة في نظم سياسية ومؤسسات لا تزال تعمل وباتت اليوم أسوأ بكثير من الماضي، مضافاً الى ذلك اختناقات اقتصادية واجتماعية ضاعفتها تداعيات جائحة كورونا والحرب “العالمية” المصغرة الجارية على الأرض الأوكرانية، وأزمات الطاقة والغذاء وسلاسل الامداد والتوريد العالمية، فان الأوضاع في معظم الدول العربية باتت اشبه بمراجل تغلي ويمتزج فيها الغضب باليأس والبؤس ولا أحد يعرف متى تأتي لحظة الإنفجار الكبير.

لبنان الذي يعيش أسوأ أيامه منذ نشوئه قبل مائة سنة، يتجه نحو نموذج كارثي فريد من نوعه في العالم، يمزج ما بين النموذج الفنزويلي من حيث انهيار عملته الوطنية وتردي معيشة مواطنيه، والنموذج الصومالي من حيث انهيار مؤسسات الدولة والنظام العام، ويتفوق على النموذج النيجيري في الفساد. يبقى سؤال الغضب المختنق في نفوس شبابه التائه المقهور متى ينفجر ويُجدد شباب انتفاضته التشرينية بشراسة وتصميم.

وعلى غراره، فإن العراق الذي لم تنقذه أيضاً ثورته التشرينية، استفحلت فيه الفوضى السياسية والانقسام والعبث المحلي والخارجي وانهكه استشراء الفساد ونهب الثروات (ثمة حديث عن نهب أكثر من 10 مليارات دولار في السنوات الأخيرة)، ولم يعد من المستغرب أيضا ان ينفجر شبابه المُحبط فجأة بوجه كل الاحزاب وكل السلاح الداخلي والنفوذ الخارجي، اذ لم يعد لدى هؤلاء ما يخسرونه سوى القيود التي تُكبّل أياديهم وترمي بهم في غياهب الحرمان برغم ان دولتهم هي الاغنى في المنطقة وتملك كل مقومات الرفاه المسروق بكل صفاقة أمام أعينهم.

مصر تغرق في أسوأ أزمة اقتصادية مركبة منذ عقود، ومن شأنها ان تُطبِق بقوة على الاقتصاد المصري الهش. وفي ظل خنق الحريات وعدم القدرة على الانعتاق من مقصلة مطالب صندوق النقد الدولي في ظل المديونية الباهظة والتضخم الهائل وارتفاع أسعار الفائدة واسعار الخبز وابسط مقومات الحياة، فان انفجار الغضب الشعبي صار على الأبواب. مصر تُمهل ولا تُهمل، والتظاهرات المليونية التي تحدّت الرصاص باللحم الحي لا تزال ذكرياتها طرية.. والحنين اليها ماثلاً في الاذهان.

شباب السودان الذين اطاحوا “المشير”، لن يصبروا طويلا امام محاولات “الفريق” سرقة ثورتهم التي أذهلت العالم برُقيّها وتصميمها. ولن يفيد النسخة الجديدة من “الضباط الرؤساء”، رشوتهم واشنطن بتطبيع مجاني مع اسرائيل، ذلك ان الدولار لم يهطل على الشعب السوداني الذي ازداد فقراً وبؤساً، ولم يهبط الاستقرار على هذا البلد الكبير الذي ارتفع فيه منسوب التجزئة والتقسيم والتفتت الإثني والقبلي وخفّ فيه منسوب مياه نهر النيل بفعل السياسات الخاطئة. وها هي قوى الثورة السودانية تؤكد حيويتها بـ”كندكاتها” الجاهزات لرفع الصوت مجدداً.

الحراك في الجزائر لا يزال يُسجل حضوره في المدن الكبرى والمتوسطة بعدما اطلق تظاهرات غير مسبوقة من حيث الزخم والضخامة الشعبية، والنفس الطويل، لكن السلطة التي تقول إنها تحقق مطالبه الأساسية بشكل تدريجي عبر “إعادة البناء الديمقراطي”، تلتف في الوقت ذاته على هذه المطالب ساعية الى تجديد النظام السابق من داخله مستبعدة النخب المطالبة بالتغيير من المشاركة الحقيقية داخل مؤسسات الدولة. لكن الحراك ما زال يسكن الجزائريين، ويشغل بال السلطة، وهو مرشح للاستمرار وصولاً الى بناء دولة ديموقراطية وتكريس الحريات الأساسية وإجراء اصلاحات ضرورية في السياسة والاقتصاد والقضاء.

أفادت دراسة لشركة “أليانز تريد” للتأمين أن 11 دولة، معظمها في الشرق الأوسط، معرّضة لاحتمال مرتفع بنشوب توترات اجتماعية، وأشارت إلى أن “عدم إطعام الشعوب يعني تغذية النزاعات”. وحدّدت من بين الدول المرشحة للانفجار: الجزائر، تونس، مصر، الأردن، لبنان وتركيا

وفي تونس، ينشغل السياسيون الجدد بالصراع على كراسي السلطة، بينما تتفاقم مظاهر الأزمة الاقتصادية التي اشتدت بفعل الكثير من العوامل الداخلية التي كان ولا يزال يعاني منها الاقتصاد التونسي، كما أنها ازدادت حدة بعد الكثير من الأزمات الدولية التي أضافت أعباء مستجدة لم يستطع الاقتصاد التونسي المريض تحملها فانتقلت إلى المواطنين الذين باتوا يعانون من اختفاء السلع الأساسية وليس فقط غلاء أسعارها. لكن شباب تونس الذي صار البوعزيزي رمزهم الابرز لن يقبلوا أن يدفعوا ثمن فاتورة صراع سياسي وأزمة إقتصادية من أبرز أدلتها الوقوف في طوابير الذل للحصول على خبز ووقود وحليب.

المغرب ليس في حال افضل وكذلك الأردن وموريتانيا، اما دول الخليج القادرة على رشوة مواطنيها بفعل الفوائض غير المسبوقة نتيجة إرتفاع أسعار النفط عالمياً، فإن حكاية التغيير فيها هي حكاية مختلفة، ولا بد ان بدايتها مسألة وقت ليس إلا.

الاضطهاد والبؤس والظلم وغياب الديموقراطية والحريات عوامل أشعلت الثورة قبل عقد من الزمن، وقد أصبحت اليوم أسوأ مما كانت عليه كما هو حال غضب الشعوب إزاءها. وبرغم أن الظروف لم تكن في صالح نجاح ثورات الربيع العربي، فإن الاحتجاجات الشعبية المقبلة يمكنها التعلم من أخطاء الماضي. والأهم عدم الاكتفاء باطلاق شعار “الشعب يريد اسقاط النظام”، بل الاعلان بوضوح أي نظام بديل نريد؟

Print Friendly, PDF & Email
أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  رئيس وزراء تونس يتعرض للضرب في قصر قرطاج.. فيستقيل!