الحلف الأنغلوسكسوني يتحدى العالم.. “المستقبل لنا”

الدول الكبرى الناطقة الإنكليزية، وهي أميركا وبريطانيا وأوستراليا، تأتلف ضمن تحالف سياسي عسكري إستراتيجي على أساس هوياتي عماده القواسم المشتركة من لغة وثقافة وتاريخ، في مواجهة الهويات القومية الأخرى والتكتلات الإقتصادية الكبرى والدول الطامحة إلى عالم متعدد الأقطاب، لا سيما الصين وروسيا وأيضاً الحليف اللدود الإتحاد الأوروبي.

الغرب، مصطلح ملتبس في السياسة والفكر والثقافة، هل هو مكان أو منطقة من العالم؟ هل هو أوروبا أم أميركا أم الاثنين معاً؟ هل هو مجموع الدول التي تطلق على نفسها مسمى الدول الديموقراطية؟ هل هو كيان إثني وثقافي وديني؟ هل هو مرحلةٌ من التّاريخ أم نظامٌ اقتصاديّ؟

هذه الإشكالية يصعُب حلها في مقالة، لكن عندما يقال (الغرب) بالمعنى السياسي، فالمقصود بالدرجة الأولى الولايات المتحدة، أي الدولة الغربية الأعظم والأكثر تأثيراً سياسياً واقتصادياً. تأتي بريطانيا وفرنسا في الدرجة الثانية، قبل أن تحل في الدرجة الثالثة الدول الأضعف تأثيراً كألمانيا وإيطاليا وكندا وصولاً إلى أوستراليا، ويأتي بعدهم الدول الإسكندنافية وسائر الدول الأوروبية الصغيرة.

ويسود الإعتقاد أن الغرب صاحب توجه واحدٍ ومصالح واحدة، وإن اختلفت دوله في بعض الأحيان في مسائل سياسية أو اقتصادية أو عند اتخاذ مواقف معينة. لكن الحرب الروسية في أوكرانيا، أظهرت بوضوح أن الغرب غربان، وأن الفواصل بينهما كبيرة وكذلك المسافات والمصالح. غربٌ، انغلوسكسوني يُخطّط ويتخذ مبادرات لإثبات هيمنته على العالم ولا يأبه بمصالح شركائه الأوروبيين والغربيين الآخرين الذين انضموا إلى لائحة ضحاياه؛ وغربٌ آخر، حدوده القارة القديمة؛ وهو غربٌ تائهٌ بلا بوصلة استراتيجية، وما فاقم أوضاعه وضياعه ارتباطه بالمواد الأولية من روسيا، ولا سيما الطاقة والمعادن الثمينة.

الأنغلوسكسونية الجديدة، هي نادٍ للناطقين بالإنكليزية وحاملي القيم الثقافية نفسها، في مواجهة نزعات قومية أخرى كالروسية والصينية والفرنسية والألمانية والعربية طبعاً، وهي تمزج في طياتها ما بين الأنغلوسكسونية البريطانية القديمة والأنغلوسكسونية الأميركية ذات الجذور البريطانية التي انتشرت وتعاظمت بعد الانتصار الأميركي في الحرب العالمية الثانية، وتسعى إلى إبقاء يدها العليا على العالم والهيمنة على سياساته ومقدراته.

بدأت تتضح الأسباب الحقيقية لخروج بريطانيا من الإتحاد الاوروبي بموجب “البريكست”، والالتحاق أكثر فأكثر بأميركا. فالمسألة أكبر بكثير من مجرد منفعة اقتصادية أو ابتعاد عن مشاكل البر الأوروبي والمهاجرين؛ هي في صلب النظرة الأنغلوسكسونية لأوروبا التي يريدونها ضعيفة ومفككة وغير قادرة على تشكيل قطب عالمي جديد

وتضم الأنغلوسكسونية الجديدة واشنطن ولندن اللتين تهدفان إلى إحكام السيطرة على الكوكب، ويتجلى ذلك في عملهما المشترك في مواجهة الإتحاد السوفياتي السابق ولاحقاً الصين وغزو العراق وأفغانستان والكثير من العمليات وآخرها إعلان الحلف الثلاثي الأنغلوسكسوني المسمى “أوكوس” بين بريطانيا والولايات المتحدة وأوستراليا التابعة للتاج البريطاني، بهدف محاصرة الصين الطامحة إلى تبؤ المرتبة الأولى إقتصادياً في العالم.

هذا التحالف يعكس تماهي واشنطن ولندن في مواقفهما المتشددة حيال قضايا دولية بينها الحرب الروسية الأوكرانية. بيد ان هذا التحالف الذي يستهدف علناً توجيه ضربة إلى موسكو وطموحاتها التوسعية خارج حدود الوطن الأم روسيا واستعادة الإرث السوفياتي المفقود، جعل من هذه الحرب وتأجيجها فرصة لإضعاف الإتحاد الأوروبي، إقتصادياً وأمنياً وعسكرياً، فأي قطع لمصادر الطاقة الروسية سيضر بأوروبا اقتصاديا، وكل ضخ للأسلحة والأموال سيستنزف أوروبا إقتصادياً، وأي تطورات للحرب ستتضرر منه، وتالياً فإن القارة القديمة ستخرج من هذه الحرب ضعيفة مُفككة ما يبقيها أسيرة لنفوذ الانغلوسكسونية الجديدة وتوجهاتها.

لذا، أسهمت العقوبات الاقتصادية التي أرغمت واشنطن الحلفاء الغربيين على فرضها على روسيا، بحماسة بريطانية، في خلق الشك والريبة المتبادلة بين الجانبين الأميركي والأوروبي، خصوصاً بعد أن إرتدت العقوبات المتطرفة وبالاً على الإقتصاد الأوروبي المتأثر أصلاً بجائحة كورونا، وأدى هذا الوضع إلى تنامي بذرة التطرف والانعزال والانغلاق القومي في بنيان أوروبا الاجتماعي والسياسي؛ وبالفعل تراجع الاقتصاد الألماني أكثر من 20% وتفاقمت أزمات الطاقة وارتفعت أسعار المواد الغذائية في كل الدول الأوروبية وزاد التضخم وسقطت حكومات وثمة منحى أوروبي نحو اليمين المتشدد نتلمس طلائعه بانتصارات انتخابية في المجر والسويد وإيطاليا المهددة بنزعة فاشية قومية جديدة قد تقلب المفاهيم الاوروبية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وربما تطيح بوحدة الإتحاد الأوروبي نفسه. وعليه، بقدر ما تتأثر روسيا بالعقوبات بقدر ما تنعكس سلباً على ما يمكن تسميته “الجناح الأوروبي للغرب” أو “الجناح الشرقي للغرب” مقابل سلامة “الجناح الغربي للغرب” المكون من الانغلوفون في بريطانيا والولايات المتحدة إضافة الى كندا العضو الآخر في الكومنولث البريطاني التابع أيضاً لتاج المملكة المتحدة.

مع هذه التطورات، بدأت تتضح الأسباب الحقيقية لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي بموجب “البريكست”، والالتحاق أكثر فأكثر بأميركا. فالمسألة أكبر بكثير من مجرد منفعة إقتصادية أو إبتعاد عن مشاكل البر الأوروبي والمهاجرين؛ هي في صلب النظرة الأنغلوسكسونية لأوروبا التي يُريدونها ضعيفة ومفككة وغير قادرة على تشكيل قطب عالمي جديد.

وللتذكير، فإن الدولة العميقة في اميركا، تعتبر فرنسا وألمانيا شريكين رئيسيين، بينما تحتفظ لبريطانيا وأوستراليا وكندا بصفة الحليف الإستراتيجي. ولا حاجة للتذكير أيضاً بكم الخلافات التي تراكمت على مدى السنوات الاخيرة بين فرنسا الحامية الأبرز للأوروبية، وبين الثنائي الأميركي ـ البريطاني.  فقبل عام ونيف، لم تتوانَ واشنطن ولندن في توجيه صفعة مؤلمة لباريس التي كانت تُعوّل على إبرام صفقة العصر مع أوستراليا ببيعها غواصات بما يفوق 37 مليار يورو، قبل أن تقرر كانبيرا إستبدالها بغواصات أميركية تعمل بالوقود النووي. صفقة أسّست لحلف عسكري انغلوسكسوني بين واشنطن ولندن وكانبيرا هو حلف «أوكوس» لمحاصرة الخصم الأبرز: الصين.

إقرأ على موقع 180  نظامٌ دوليٌ يتلاشى وآخر يوشك على الولادة

هذا الحلف الجديد بدا كأنه “جناح عسكري خاص” ينطق بالانكليزية على هامش حلف “الناتو” الذي يتحدث بلغات كثيرة. واللافت للإنتباه أن الحلف العسكري الجديد تأسّس في وقت كانت واشنطن تعرقل إنشاء جيش أوروبي مُوحد تحت ذريعة عدم إضعاف الحلف الأطلسي، الذي يجب أن يكون المظلة العسكرية للغرب برمته.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل فاجأت واشنطن شركاءها الأوروبيين في الحلف الأطلسي، بابعادهم جميعاً عن تعاون كبير جديد مع كانبيرا ولندن لتطوير صواريخ فرط صوتية ومضاداتها التي تُعد أساسية للردع العسكري الآن ومستقبلاً.

وارتفع منسوب الغضب الأميركي من الأوروبيين بعد توقيع دول الإتحاد الأوروبي اتفاقيات تعاون وشراكة مع كل من روسيا والصين، لا سيما اتفاقية الشراكة الصينية الأوروبية الذي رأت فيها واشنطن بداية تغيير في البوصلة السّياسية والاقتصادية والعسكرية للحلفاء التقليديين باتجاه الصين وروسيا. وبالأخص عندما راحت الغواصات الصينية والروسية تجوب مياه البحر الأبيض المتوسط الذي كان يُعدُ بحيرة أميركية، وبموافقة فرنسا وإسبانيا وإيطاليا.

وسبق لواشنطن أن أسّست أكبر شبكة تجسس في التاريخ وتسمى «أشلون» ضمت اليها الدول الكبرى الناطقة بالانكليزية، أي بريطانيا وكندا وأوستراليا ونيوزيلندا وطالت عملياتها “الأصدقاء الأوروبيين”.

أي قطع لمصادر الطاقة الروسية سيضر بأوروبا اقتصاديا، وكل ضخ للأسلحة والأموال سيستنزف أوروبا إقتصادياً، وأي تطورات للحرب ستتضرر منه، وتالياً فإن القارة القديمة ستخرج من هذه الحرب ضعيفة مُفككة ما يبقيها أسيرة لنفوذ الانغلوسكسونية الجديدة وتوجهاتها

بريطانيا، من جهتها، ماضية في معانقة أميركا وركل أوروبا. واستدارتها من الضفة الشرقية الأوروبية للأطلسي نحو الضفة الغربية الأميركية للمحيط التي اطلقها رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون تُوجت بوصول ليز تراس إلى 10 دوانينغ ستريت لتولي رئاسة الوزراء في المملكة المتحدة. فهذه السيدة التي كانت مؤيدة لبقاء بريطانيا في الإتحاد عام 2016، انقلبت اليوم على نفسها وباتت من أعلى الأصوات داخل حزب المحافظين سعياً إلى تحالف استراتيجي أنغلوسكسوني، وصولاً إلى قطع الصلات مع الإتحاد الأوروبي. وعندما سئلت عما إذا كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صديقاً أم عدواً فأجابت بأنها لم تحسم الأمر بعد!

هي ببساطة لا تكن الود لفرنسا التي تزعمت على مدى عقود نظرية البيت الأوروبي المستقل عن القرار الأميركي والتوجه نحو الانفصال الإستراتيجي عن الولايات المتحدة.. وهي ببساطة أيضاً تعتبر أن التحالف مع أميركا هو المستقبل ويؤيدها في ذلك المحافظون الجدد الذين يسيطرون على المشهد السياسي البريطاني بعد فشل حزب العمال في إقناع البريطانيين بالبقاء ضمن الحاضنة الأوروبية.

وليس سراً أن أبرز أهداف الأنغلوسكسونية الجديدة السيطرة على العالم وضرب أي تحالفات ومنع صعود أي دولة أو تكتلات إقليمية، عبر تطويق الصين بحصارها في بحارها والمحيط الهادىء وعزلها في البر، وإضعاف روسيا بجرها الى حرب مدمرة في أوكرانيا ومنعها من الانتصار عبر ضخ أحدث الأسلحة من بعيد لبعيد، واشعال الحرائق المتنقلة في حدائقها الخلفية في القوقاز وآسيا الوسطى، وتقزيم الإتحاد الأوروبي باضعافه إقتصادياً ومالياً واشغاله بحروب لم يقررها.. تُهدّد حدوده ووحدته.

لعبة الأمم في ذروتها وصراع الهويات في أوجّه، فهل ينجح الحلف الجديد في إبقاء هيمنته على العالم أم على واشنطن ولندن وكانبيرا أن يتعلموا من درس روما؟

Print Friendly, PDF & Email
أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  متاعب أمريكية