كونديرا: مأساة أوروبا الوسطى (1984) | (1)

في تشرين الثاني/نوفمبر 1956، قام مدير وكالة الأنباء المجرية، قبل وقت قصير من تدمير مكتبه بقذائف مدفعية، بإرسال تلكس موجه للعالم أجمع يحمل رسالة يائسة يعلن فيها عن بدء الهجوم الروسي على بودابست. خُتمت الرسالة بهذه الكلمات: “نحن سنموت من أجل المجر ومن أجل أوروبا”.

ماذا كانت تعني هذه الجملة؟ تعني أن الدبابات الروسية كانت تُهدّد المجر ومعها أوروبا ذاتها. لكن بأي معنى كانت أوروبا في خطر؟ هل كانت الدبابات الروسية على وشك تخطي الحدود المجرية نحو الغرب؟ لا. فمدير وكالة الأنباء المجرية كان يعني أن الروس، بهجومهم على المجر، كانوا يهاجمون أوروبا نفسها. وهو مستعد أن يموت من أجل أن تبقى المجر مجراً وأوروبيةً.

حتى لو بدا معنى الجملة واضحاً، فإنها تستمر في إثارة حيرتنا. حقيقةً، في فرنسا، في أمريكا، واحدنا معتاد على التفكير بأن ما كان عرضة للخطر أثناء الغزو ليس المجر أوأوروبا بل النظام السياسي. لم يكن لأحدنا أن يقول بأن المجر على هذا النحو كانت مهددة، ناهيك عن أن يفهم أي منا كيف يُوجّه مجري يواجه لحظة موته رسالة لأوروبا. عندما يقوم (ألكسندر) سولجنيتسين بشجب القمع الشيوعي، هل يقوم باستدعاء أوروبا كقيمة أساسية تستحق الموت من أجلها؟

لا، “الموت من أجل دولة أحدهم أو من أجل أوروبا”. هذه جملة لا يمكن أن تطرأ على التفكير في موسكو أو لينينجراد، لكنها تحديداً الجملة التي تطرأ على التفكير في بودابست أو وارسو. في الحقيقة، ماذا تعني أوروبا لشخص مجري، تشيكي، بولندي؟ لألف سنة انتمت بلادهم لهذا الجزء من أوروبا المتجذر في المسيحية الرومانية. ساهموا في كل حقبة من تاريخها. بالنسبة إليهم، كلمة “أوروبا” لا تمثل ظاهرة جيوغرافية بل مفهوماً روحياً يرادف كلمة “الغرب”. في اللحظة التي لا تكون فيها المجر أوروبية – بمعنى ليست غربية بعد الآن – يتم اقصاؤها من مصيرها الخاص، أبعد من تاريخها الخاص؛ فتفقد روح هويتها.

“أوروبا الجيوغرافية” (التي تمتد من المحيط الأطلسي حتى جبال الأورال) دائماً ما كانت مُقسّمة إلى نصفين تطورا بشكل منفصل: أحدهما مرتبط بروما القديمة والكنيسة الكاثوليكية، والثاني يرسو في بيزنطية والكنيسة الأرثوذكسية. بعد 1945، تحركت الحدود بين الأوروبيتين عدة مئات من الكيلومترات باتجاه الغرب، واستيقظت دول تعتبر نفسها دولاً غربية لتكتشف أنها أصبحت الآن في الشرق. نتيجةً لذلك، نشأت ثلاثة مواقف أساسية في أوروبا ما بعد الحرب: أوروبا الغربية، أوروبا الشرقية، وأكثرها تعقيداً، ما يخص الجزء من أوروبا الواقع جيوغرافياً في الوسط – يقع ثقافياً في الغرب وسياسياً في الشرق.

تناقضات أوروبا التي أسميها الوسطى تساعدنا على فهم لماذا تركزت الدراما الأوروبية هناك خلال السنوات الخمس والثلاثين الأخيرة: الثورة المجرية الكبرى في 1956 والمذبحة التي تبعتها، ربيع براغ واحتلال تشيكوسلوفاكيا في 1968، الثورات البولندية في 1956، 1968، 1970، وفي السنوات الأخيرة. في المحتوى الدرامي والأثر التاريخي، لم يحدث شيئاً في “أوروبا الجيوغرافية”، في الغرب أو في الشرق، مما يمكن مقارنته بتتالي الثورات في أوروبا الوسطى. وكل واحدة منها كانت مؤيدة تقريباً من معظم السكان.

حظرُ مسرحية كتبها آدم ميتسكيفيتش، أعظم شاعر رومانسي بولندي، أجّج الثورة الشهيرة للطلبة البولنديين في 1968. كان هذا الزواج السعيد بين الثقافة والحياة، بين الإنجاز الإبداعي والمشاركة الشعبية، هو ما وسم ثورات أوروبا الوسطى بجمال فريد سيظل يلقي بآثاره على كل من عاشوا عبر هذه الأزمنة

وفي كل حالة، كل نظام حكم لم يكن ليقدر على الدفاع عن نفسه لأكثر من ثلاث ساعات إذا لم يكن مدعوماً من روسيا. مع ذلك، لا يمكننا بعد الآن اعتبار ما حدث في براغ أو وارسو في جوهره كدراما خاصة بأوروبا الشرقية، أو بالحلف السوفييتي، أو بالشيوعية، إنما هي دراما خاصة بالغرب-غرب قام بالخطف، التهجير، وغسيل المخ، وبالرغم من ذلك يصمم على الدفاع عن هويته. هوية ناس وهوية حضارة عكست وركزت ما تم تكوينه في العقل-فيما يعرف بـ”الثقافة”. إذا ما تم تهديد هذه الهوية بالفناء، تنمو الحياة الثقافية استجابة لذلك بشكل أكثر كثافة، أكثر أهمية، حتى تصير الثقافة في ذاتها هي قيمة العيش التي يلتف حولها كل الناس. هذا هو السبب، في كلِ من ثورات أوروبا الوسطى، بأن اتخذت الذاكرة الثقافية الجمعية والجهد الإبداعي المعاصر أدواراً غاية في القوة والحسم-أكثر قوة وأكثر حسماً بكثير مما اتخذتها في أي ثورة أوروبية كبرى أخرى.

كان الكتاب المجريون، في مجموعة أسميت على اسم الشاعر الرومانسي ساندور بيتوفي، هم من تولوا مهمة النقد القوي الذي قاد الطريق إلى الانفجار الذي حدث في 1956. المسرح، الأفلام، الأدب، والفلسفة، في السنوات التي سبقت 1968، أدت كلها في مآل الأمر إلى إطلاق ربيع براغ. حظرُ مسرحية كتبها آدم ميتسكيفيتش، أعظم شاعر رومانسي بولندي، أجّج الثورة الشهيرة للطلبة البولنديين في 1968. كان هذا الزواج السعيد بين الثقافة والحياة، بين الإنجاز الإبداعي والمشاركة الشعبية، هو ما وسم ثورات أوروبا الوسطى بجمال فريد سيظل يلقي بآثاره على كل من عاشوا عبر هذه الأزمنة.

إقرأ على موقع 180  كهف41º، سوليدار.. شجرة كريسماس في أنفاق الملح!

يستطيع واحدنا القول: سنعترف بأن دول أوروبا الوسطى تدافع عن هوياتها المهددة، لكن وضعهم ليس بالفريد. فروسيا في وضع مماثل. هي أيضاً على وشك فقدان هويتها. في حقيقة الأمر، هي ليست روسيا، بل الشيوعية (أو الإشتراكية) التي تقوم بحرمان الأمم من جوهرها، علاوة على ذلك، هي التي حوّلت الشعب الروسي إلى أول ضحاياها. حقاً، إن اللغة الروسية تقوم بخنق لغات الأمم الأخرى في الاتحاد السوفييتي، لكن ذلك ليس بسبب أن الروس أنفسهم يريدون “روسنة” الآخرين، إنما هي البيروقراطية السوفييتية- منعدمة القومية، المضادة للقومية، المتخطية للقوميات- التي تحتاج لأداة توحد دولتها.

أفهم المنطق. كذلك أفهم أزمة الروس الذين يخشون أن يتم خلط أرضهم العزيزة بالشيوعية الممقوتة. لكن من الضروري أيضاً فهم البولندي، الذي أُخضعت أرضه، باستثناء فترة وجيزة بين الحربين العالميتين، على يدي روسيا لمدة قرنين كانت خلالها، وهي خاضعة لعملية “روسنة”-بمعنى الضغط لكي تلتزم بكونك روسياً- صبورة بقدر ما كانت عنيدة.

بأوروبا الوسطى، الحدود الشرقية للغرب، الكل يتحسس مخاطر القدرة الروسية. ليس فقط في بولندا. فرانتيسك بالاكي، المؤرخ العظيم والشخصية الأكثر تمثيلاً للسياسة التشيكية في القرن التاسع عشر، كتب في 1848 خطاباً شهيراً للبرلمان الثوري في فرانكفورت يسوغ فيه استمرار وجود امبراطورية هابسبرغ كالمتراس الوحيد ضد روسيا، ضد “هذه القوة التي، كونها بلغت بالفعل حجماً هائلاً اليوم، تقوم بتصعيد قوتها بما يتخطى متناول أي دولة غربية”.

قام بالاكي بالتحذير من طموحات روسيا الإمبراطورية، وأنها سعت لأن تتحول إلى “ملكية كونية”، مما يعني أنها سعت إلى السيطرة على العالم. “ملكية روسية كونية”، كتب بالاكي: “ستكون كارثة هائلة ويصعب وصفها، كارثة بلا حدود ولا يمكن قياسها”. أوروبا الوسطى، وفقاً لبالاكي، ينبغي عليها أن تكون عائلة من الأمم المتساوية – تعامل كلٌ منها الأخريات باحترام متبادل وتأمن بحماية أمة قوية وموحدة – ترعى كذلك فرديتها الخاصة. وهذا الحلم، برغم أنه لم يتحقق أبداً، سيبقى قوياً وذي نفود. اشتاقت أوروبا الوسطى إلى أن تكون نسخة مكثفة من أوروبا ذاتها في كل تنوعاتها الثقافية، أوروبا في هيئة معبر-أوروبي صغير، نموذج مصغر من أوروبا مكون من أمم ولدت وفقاً لقاعدة واحدة: أكبر تنوع في أصغر مساحة. كيف لأوروبا الوسطى ألا تكون في ذعر في مواجهة روسيا نشأت على المبدأ المضاد: أقل تنوع ضمن أكبر مساحة؟

بالفعل، لا يمكن لشيء أن يكون أكثر اغتراباً عن أوروبا الوسطى وشغفها بالتنوع أكثر من روسيا. موحِدة، معيارية، مركِزة، ومصمِمة على تحويل كل أمة ضمن امبراطوريتها (الأوكرانيون، البيلاروس، الأرمينيون، اللاتفيون، الليتوانيون، والآخرون) إلى شعب روسي واحد (أو، كما يعَبّر عنه عادة في عصر الغموض اللفظي المُعَمَّم، إلى “شعب سوفييتي مفرد”).


المقالة الأصلية بقلم الكاتب التشيكي: ميلان كونديرا (26 إبريل/نيسان، 1984)

الترجمة من الفرنسية إلى الإنجليزية: إدموند وايت

الترجمة من الإنجليزية إلى العربية: 180 بوست

Print Friendly, PDF & Email
تامر منصور

مصمم وكاتب مصري

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الثورة الحقيقية مجتمعية.. وحتماً آتية