أمريكا: الطبقة الوسطة بين الولاء لترامب وتأييد سياسة بايدن!

فى عدد مارس/أبريل 2020 من دورية فورين أفيرز، طرح الرئيس جو بايدن (المرشح الرئاسى آنذاك) رؤيته لسياسة بلاده الخارجية فى مقال تأسيسى بعنوان «لماذا يجب على أمريكا أن تقود العالم مرة أخرى؟».

انتقد بايدن في تلك الرؤية سياسات سلفه دونالد ترامب، وتعهد باتخاذ خطوات لتجديد الديمقراطية والتحالفات الأمريكية، وحماية المستقبل الاقتصادى للولايات المتحدة، كما اعتبر أن بلاده تمتلك فرصة مناسبة، فى قوتها وأهميتها، لتقود العالم من جديد مثلما فعلت إبان الحربين العالميتين فى النصف الأول من القرن الماضى. وإضافة لما ذكره عن دعم الديمقراطية داخل بلاده وحول العالم، ومواجهة تيار الاستبداد العالمى بزعامة الصين وروسيا، تطرق بايدن إلى مفهوم «سياسة خارجية للطبقة الوسطى»، أى سياسة خارجية تستفيد منها بالأساس الطبقة الوسطى الأمريكية.
قصد بايدن أن إدارته ستعمل على تجهيز المواطنات والمواطنين الأمريكيين للنجاح فى الاقتصاد العالمى، والفوز فى المنافسة من أجل المستقبل ضد الصين، ودعا إلى شحذ قدرات بلاده الابتكارية وتوحيد القوة الاقتصادية للديمقراطيات فى جميع أنحاء العالم لمواجهة الممارسات الاقتصادية المسيئة والحد من عدم المساواة.

***

على مدى العامين ونصف العام من حكم جو بايدن، عمل الرئيس الأمريكى على الاستثمار فى البحث العلمى والتطوير، والبنية التحتية الرقمية والمادية، وغيرها من المجالات لتحسين القدرة التنافسية لبلاده، ومعالجة مخاوف وانكسارات الطبقة العاملة والمتوسطة التى عرفتها على مدى العقود الأخيرة نتيجة لسياسات العولمة المتراخية، وجشع القطاع الخاص الأمريكى لدرجة أضرت بأغلبية الشعب الأمريكى.
تطلب ذلك استثمارات هائلة فى البنية التحتية من الطرق السريعة، والسكك الحديدية، وشبكة الطاقة، والمدن الذكية، وتطبيقات الحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعى، وشبكات الجيل الخامس 5G.
وبالفعل وقع بايدن على قانون دعم البنية التحتية بقيمة تريليون دولار فى نوفمبر/تشرين الثاني 2021، والذى وفر 284 مليار دولار لإصلاح الطرق والجسور والسكك الحديدية والمطارات، ونشر السيارات الكهربائية فى البلاد، مع تخصيص 65 مليار دولار للإنترنت السريع فى المجتمعات الريفية والنائية، و73 مليار دولار لبنية الطاقة المتجددة، و55 مليار دولار لمياه الشرب النظيفة.

قبل أربع سنوات وصل ترامب للحكم فى لحظة استثنائية عندما ساد الغضب الشارع الأمريكى نتيجة سياسة العولمة التى تجاهلت الطبقة الوسطى بصفة أساسية، لكن بعد أكثر من ست سنوات من حكم ترامب وأكثر من عامين من حكم بايدن، يزيد غضب الشارع الأمريكى وانشقاقه، وما زالت الطبقة الوسطى منقسمة بين الولاء لترامب وتأييد سياسات بايدن

ثم مرّر الكونجرس قانون تشيبس (CHIPS) فى أغسطس/آب من العام الماضى، وتم تخصيص ما يقرب من 53 مليار دولار من التمويل الفيدرالى لتصنيع رقائق أشباه الموصلات فى الولايات المتحدة، بدلا من الاعتماد على الصين أو كوريا الجنوبية أو تايوان أو غيرها فى إنتاجها.
أخيرا نجح بايدن فى تمرير قانون إعادة البناء بشكل أفضل، وهو مشروع قانون إنفاق اجتماعى ضخم يصل إلى ما يقرب من 2 تريليون دولار، ويتضمن إصلاح برامج الرعاية الصحية الرئيسية، وإجازة ما قبل الروضة الشاملة والإجازة العائلية مدفوعة الأجر، وتخصيص 550 مليار دولار لمكافحة تغير المناخ.
هدف وعد بايدن بـ«سياسة خارجية للطبقة المتوسطة» إلى إظهار أن المشاركة العالمية يجب أن تخدم مصالح العائلات الأمريكية من الطبقات العاملة بصورة مباشرة. ومن وجهة نظر بايدن، تمثل هذه التدابير دفعات أولية لتجديد وإصلاح داخلى يساعد بلاده على الانتصار فى صراع القوى الكبرى، عمليا وأيديولوجيا، كما انتصرت خلال الحرب الباردة.

***

يتفق الكثير من الخبراء الاقتصاديين على أن الطبقة الوسطى الأمريكية تشكل 60% من سكانها، وتضم ما يقرب من 77 مليون عائلة، تجنى الواحدة فيها ما يتراوح بين 27 ألف دولار إلى 141 ألف دولار سنويا. وتضررت هذه الفئة من سياسات العولمة، وهجرة التصنيع لخارج أمريكا، وهو ما دفع الكثير منها إلى تيار اليمين الشعبوى، والذى اغتنمه دونالد ترامب، وما زال يسيطر عليه.
يؤمن بايدن أن تحسين الأوضاع الاقتصادية للطبقة الوسطى هو تأمين ضد التيار الترامبى اليمينى، ويدعم الديمقراطية الأمريكية داخل حدودها، لكن نتج عن سياسة بايدن فى الواقع العملى تبنى لشعار وسياسات «اشتر أمريكا» الذى لا يختلف كثيرا عن شعار وسياسات ترامب «أمريكا أولا» بصورة أو بأخرى. ودفع ذلك لنتائج مخيبة لآمال شركاء واشنطن التجاريين وحلفائها الكبار فى آسيا وأوروبا، الذين يشككون بدورهم فى استراتيجية بايدن التى تخدم مواطنات ومواطنى بلاده فقط بينما تضر بفكرة الحرية التجارية، وتبقى على الكثير من السياسات الحمائية التى أطلقها ترامب، واعتبروها مضرة بطموحات ازدهار وتماسك المعسكر الديمقراطى الحر.
لم تكترث إدارة بايدن بكسر بعض القواعد الاقتصادية العالمية التى وضعتها بالأساس دولتهم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وخلال هذه العقود لم يزد سكان أمريكا على 5% من إجمالى سكان العالم، لكنها تولد 25% من الناتج العالمى، ويدرك صناع السياسات فى واشنطن أن 95% من الأشخاص المستهلكين للمنتجات والتطبيقات الأمريكية يعيشون خارج حدود دولتهم، وبالتالى يصبح الابتكار والاجتهاد الأمريكيان من ناحية، وضمان بقاء الأسواق حول العالم مفتوحة من ناحية ثانية، بمثابة دعامتى الازدهار الأمريكى.

إقرأ على موقع 180  لأستراليا دور يتجدد

***

ترى إدارة بايدن أن القوة الاقتصادية الأمريكية تتضاءل بسبب تفريغ القاعدة الصناعية للبلاد، وتصدير الوظائف الأمريكية واختفاء الصناعات التقليدية. لذلك تدفع سياسات بايدن المعنية بتقديم الإعانات وفرض التعريفات والحظر وتعزيز الاستثمارات الحكومية لزيادة دور الدولة فى الاقتصاد. وعلى عكس ما عرف التاريخ الأمريكى، نجحت التجربة الأمريكية بدور شديد المحدودية للحكومة فى مجال التصنيع والابتكار وانتقال البضائع.
تكرر إدارة بايدن مقولات تتعلق «بضرورة الحفاظ على الريادة التكنولوجية لأسباب تتعلق بالأمن القومى والتهديدات الصينية»، إلا أن تدخل الحكومة لتحديد الصناعات الاستراتيجية الرئيسية التى تحتاج إلى الدعم سيقلل من مسيرة الابتكار والتجديد التلقائية طبقا لآليات السوق، والجنوح بدلا من ذلك لسياسات متحفظة لا تعرف المنافسة المفتوحة التى طالما تقدمت الشركات الأمريكية فى ظلها.

***

قبل أربع سنوات وصل ترامب للحكم فى لحظة استثنائية عندما ساد الغضب الشارع الأمريكى نتيجة سياسة العولمة التى تجاهلت الطبقة الوسطى بصفة أساسية، لكن بعد أكثر من ست سنوات من حكم ترامب وأكثر من عامين من حكم بايدن، يزيد غضب الشارع الأمريكى وانشقاقه، وما زالت الطبقة الوسطى منقسمة بين الولاء لترامب وتأييد سياسات بايدن.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  نار الإسلام الأمريكي في فرنسا.. حماية للعولمة!