“فورين أفيرز”: واشنطن تدفع باتجاه تطبيع سعودي-إسرائيلي أجوف!

منى فرحمنى فرح19/08/2023
يسعى الرئيس الأميركي، جو بايدن، لإتمام صفقة التطبيع بين السعودية وإسرائيل بحلول نهاية العام، طمعاً بتعزيز رصيد حملته الانتخابية الرئاسية. لكن الوقت غير مناسب، والشرق الأوسط لم يعد قابلاً لصفقات "جوفاء". فالخطوط العريضة لا تأخذ في الحسبان حقائق السياسة الداخلية الإسرائيلية، وبالتالي لن تحقق السلام بل ستجعل الأمور أكثر سوءاً، بحسب داليا داسا كاين (*).

تسعى الولايات المتحدة عن كثب وبدأب من أجل إتمام صفقة في الشرق الأوسط من شأنها تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. وثمة تطورات بارزة على الساحتين، الدولية والإقليمية، تدعم ذلك وتؤكد بأن الرئيس الأميركي، جو بايدن، يريد أن يحصل ذلك بحلول نهاية العام 2023. ففي منتصف تموز/يوليو الماضي، زار رئيس المخابرات الإسرائيلية، ديفيد بارنياع، واشنطن لمناقشة تفاصيل “الصفقة” المحتملة مع البيت الأبيض ومسؤولي وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي. آي. إي). وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، أرسل بايدن مستشاره للأمن القومي، جيك سوليفان، إلى الرياض لمناقشة الأمر ذاته مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

خلال السنوات الأخيرة عملت إسرائيل والسعودية على تعزيز العلاقات بينهما بهدوء. وإتمام صفقة التطبيع بشكل رسمي سيساعد إسرائيل كثيراً في تحقيق أهدافها المنشودة منذ أمد طويل، ألا وهي: أن يلقى وجودها قبولاً وإعترافاً كاملين من قبل العالم العربي، وإطلاق العنان لإمكانات اقتصادية جديدة في المنطقة تكون هي المستفيد الأكبر منها. ومع ذلك، فإن الخطوط العريضة لـ”الصفقة” تشير إلى أنها لن تحقق السلام في الشرق الأوسط. وفي الواقع، يمكن أن تجعل الأمور أكثر سوءاً بكثير.

أهداف السعودية

يُقال إن الرياض تريد من واشنطن أن تحقق لها ثلاثة أهداف أساسية، وهي:

  • أن تبيعها أسلحة حديثة ومتطورة؛ تشمل نظام الدفاع الصاروخي الخاص بالمناطق الجبلية المرتفعة،
  • منحها ضمانات أمنية شبيهة بتلك التي يوفرها حلف شمال الأطلسي (الناتو)،
  • مساعدتها في إنشاء برنامج نووي يمكّنها من تخصيب اليورانيوم محلياً.

وبرغم كل المشاكل التي قد تنطوي عليها أي صفقة أسلحة جديدة في منطقة مضطربة مثل الشرق الأوسط، فإن طلب الحصول على صفقة أسلحة متطورة ربما يكون العنصر الأقل إثارة للجدل في الاتفاق. فقد سبق لبايدن أن وافق على بيع السعودية أسلحة جديدة بمليارات الدولارات (خلال الزيارة التي قام بها إلى جدة في صيف 2022)، ولم يعارضه الكونغرس في ذلك برغم تعهده في حملته الانتخابية بتقليص صفقات الأسلحة إلى المملكة.

الخطوط العريضة لـ”صفقة بايدن” تشير إلى أنها لن تؤدي إلى تعزيز السلام في الشرق الأوسط، بل ستجعل الأمور أكثر سوءاً

ومع ذلك، فإنه من المحتمل أن يلقى الشرطان الآخران ردود فعل قوية من جانب الحزبين الجمهوري والديموقراطي. فبرغم العلاقة الإستراتيجية وكل الروابط الوثيقة، ليس لدى واشنطن اتفاقية رسمية تُلزمها بالدفاع عن إسرائيل، فكيف لها أن تتعهد بالدفاع عن دولة عربية وتمنحها ضمانات أمنية مثل تلك التي يوفرها “الناتو”؟ كما أن أميركا ساعدت وتساعد في برامج نووية مدنية تخص دولاً خليجية، مثل الإمارات، لكن تلك الاتفاقيات لا تسمح بتخصيب اليورانيوم محلياً. أضف إلى ذلك أن السعودية لم تكن أبداً “الشريك الأمني الأمثل” بنظر الولايات المتحدة، خصوصاً بعد الحرب في اليمن، وحادثة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

أهداف بايدن

يعتقد بايدن أن الدفع نحو تحقيق “صفقة السلام” في المنطقة يستحق مثل هذا الثمن من الولايات المتحدة، خصوصاً وأنها ستحقق بعض طموحاته الشخصية الهامة، وهي:

  • تقديم الدعم اللازم للفلسطينيين وترويض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو،
  • تحقيق فوز ما كبير قبل حملته الانتخابية، في عام 2024. و”الصفقة” في الشرق الأوسط ستساعده في إثبات ما كان يمثل تحولاً محيراً: فهو كمرشح رئاسي في عام 2020، تعهد بتغيير سياسة بلاده، وجعل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان “منبوذاً”. لكنه وجد نفسه، في تموز/يوليو الماضي، مضطراً لزيارة المملكة كرئيس ومصافحة ولي العهد (بقبضة اليد) على وقع قرارات “أوبك بلاس” خفض انتاج النفط ورفع الأسعار،
  • إضعاف نفوذ إيران وعرقلة جهود الصين التي تسعى لتغيير موازين القوى في المنطقة لصالحها.

تؤكد الفكرة القائلة بأن اتفاقاً إسرائيلياً سعودياً يمكن أن يغير المنطقة بشكل كبير على أن إدارة بايدن تعمل وفق كتاب قواعد عفا عليه الزمن لجهة أن تُحدث بعض الاتفاقات والمصافحات المتلفزة تغييراً في الشرق الأوسط. هذه “الصفقة” بالذات ليست مجرد مناورة طويلة المدى، ويمكن أن تكون خطيرة أيضاً، ليس فقط على المنطقة بل وعلى الولايات المتحدة كذلك.

مشكلة مزدوجة

في مقابلة نشرتها صحيفة “ذا نيويوركر”، اقترح توماس فريدمان أن يكون الاتفاق الإسرائيلي السعودي “ثنائياً”، بحيث يحفّز نتنياهو على التخلي عن ائتلافه اليميني المتشدد لصالح حلفاء وسطيين والعودة إلى حل الدولتين. من المؤكد أن الرياض ستتوقع بعض التنازلات الجوهرية من إسرائيل على الجبهة الفلسطينية مقابل التوصل إلى اتفاق معها. لكن التوقعات بأن “الصفقة” يمكن أن تكون في صالح الفلسطينيين أو أن تكون حقاً مفيدة لهم بطريقة أو بأخرى، هي توقعات منفصلة عن الواقع.

فنتنياهو لم يُظهر أي اهتمام جدّي باتخاذ خطوات ملموسة للحفاظ على إمكانية تحقيق حل الدولتين. لقد جادل دائماً بأن شروط السلام مع العرب تحددها قوة إسرائيل وليس تنازلاتها. نتنياهو يصف أي اتفاق محتمل بأنه سيكون “محور التاريخ”، لكنه في الوقت نفسه يسخر، وبشكل علني، من فكرة أنه قد يقدم تنازلات للفلسطينيين، ويكرر دائماً معارضته لفكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة.

قد يفترض نتنياهو أن التوصل إلى اتفاق مع الرياض يتطلب إحراز تقدم شكلي فقط مع الفلسطينيين. ولكن هكذا اتفاق لن يصمد. فالسعودية بدأت تختبر بالفعل عزم نتنياهو. وفي إشارة واضحة إلى أن دعمها للقضية الفلسطينية مستمر، قرّرت، في 12 آب/أغسطس، تعيين سفيرها لدى الأردن ليكون مبعوثاً غير مقيم لها لدى السلطة الفلسطينية وقنصلاً عاماً لها في القدس أيضاً. وهذا الأمر الذي لاقى رفضاً قاطعاً من تل أبيب عبَّر عنه وزير الخارجية، إيلي كوهين، بقوله: “إسرائيل لن تسمح بفتح قنصلية سعودية في القدس، وتعارض أي تمثيل دبلوماسي للفلسطينيين في المدينة”.

توقعات منفصلة عن الواقع

كجزء من الصفقة، يتوقع بايدن؛ ومعه عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديموقراطيين؛ أن تتوقف إسرائيل عن قضم أراض من الضفة الغربية، وتشرع في تفكيك البؤر الاستيطانية غير القانونية، وتجمد مشاريع بناء المزيد من المستوطنات، وتسليم بعض المناطق في الضفة التي لا تزال تسيطر عليها للفلسطينيين. من غير المعقول أن نتوقع من ائتلاف نتنياهو اليميني المتطرف أن يوافق على مثل هذه الشروط. وقد سبق لبعض حلفائه أن أعربوا عن معارضتهم لتقديم أي تنازل للفلسطينيين.

تعتقد إدارة بايدن أن الصفقة يمكن أن تحفز نتنياهو على تخفيف مواقفه تجاه الفلسطينيين، وتجعله يتخلى عن ائتلافه الحالي، وتشكيل حكومة جديدة من الأحزاب الوسطية. لكن السياسيين الإسرائيليين الوسطيين لا يثقون بنتنياهو. في أواخر تموز/يوليو ومرة أخرى في منتصف آب/أغسطس، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، يائير لابيد، أنه لا ينوي الانضمام إلى حكومة نتنياهو. كما أنه من غير المحتمل أن يخاطر نتنياهو بإجراء انتخابات جديدة بينما تسعى حكومته للحد من صلاحيات واستقلالية القضاء الإسرائيلي، وهو هدف يساعده في قضايا الفساد التي تلاحقه.

إقرأ على موقع 180  حرفة حماية الدول من السقوط.. هل تسري مصرياً على لبنان؟

في الواقع، يمكن لاتفاق مع السعودية أن يساعد في تخفيف بعض الضغط السياسي الداخلي على نتنياهو بعد أشهر من الاحتجاجات العامة غير المسبوقة ضد حكومته. أي أن الدفع باتجاه “صفقة” إسرائيلية سعودية لن تحقق أية مكاسب جدّية للفلسطينيين، بل يمكن أن تخاطر بدعم رئيس الوزراء الإسرائيلي المحاصر وإضعاف الحراك الشعبي ضده.

لست مُلكاً لك

قد تطلب واشنطن أيضاً من الرياض بعض الالتزامات التي تراها ضرورية، مثل منع الصين من إنشاء قاعدة عسكرية في الخليج، ووقف استخداماتها لتكنولوجيا “هاواوي”، وتسعير نفطها بالدولار بدلاً من الرنمينبي (**). لكن من المستبعد أن نأمل في أن تؤدي “صفقة التطبيع” إلى إعادة السعودية إلى المربع الأميركي وعزلها عن الفلك الصيني.

خلال العقد الماضي، ارتفعت استثمارات الصين في البنية التحتية والتكنولوجيا في الشرق الأوسط، وكذلك تجارتها مع المنطقة ووارداتها النفطية. السعودية، بدورها، تدرك بشكل متزايد قيمة الصين كشريك استراتيجي.

لقد أظهرت الرياض اهتماماً متزايداً بالتقنيات العسكرية الصينية، وخاصة الطائرات الحربية المسيَّرة والصواريخ الموَجهة. كما أن عدم اهتمام الصين بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط أو التدقيق في سجلاتها في مجال حقوق الإنسان يجعلها أيضاً شريكاً جذاباً للسعوديين.

حتى لو تمكن بايدن من إقناع الرياض بتلبية طلبات محدَّدة، فلا يمكنه أن يتوقع تآكل علاقتها مع الصين التي بدأت تقوى وتتوسع. كما أنه ليس من المرجح أن يتخلى السعوديون عن مبادراتهم الأخيرة لتخفيف التوترات مع إيران. المراهنة على أن اتفاقية التطبيع الإسرائيلية السعودية يمكن أن تعزز المعارضة ضد إيران في المنطقة تتعارض مع الديناميكيات الحالية. في نيسان/أبريل 2023، نجحت وساطة بكين في اتمام اتفاق إيراني-سعودي، عادت بموجبه العلاقات الدبلوماسية كاملة بين البلدين بعد خلاف استمر سبع سنوات.

قد يكون التقارب السعودي-الإيراني هشاً حتى الآن. لكن هناك دافعاً أساسياً وقوياً للرياض للعمل عن كثب مع طهران. فأي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة، أو إيران وإسرائيل، يمكن أن يضع السعودية في مرمى النيران. وهذا ما حصل بالفعل. فبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018، تعرضت منشآت نفطية سعودية لهجمات عسكرية. اليوم، تُدرك السعودية جيداً أن توطيد علاقاتها مع إيران يمكن أن يساعد في حمايتها من هجمات مشابهة، وكذلك في خفض حدَّة التصعيد في جميع أنحاء المنطقة. إن الانفراج مع إيران والعلاقة مع الصين مهمان للغاية بالنسبة للسعوديين، الذين لن يفرطوا بما تحقق حتى الآن من أجل تحالف أحادي الجانب، كما هو الحال مع الولايات المتحدة.

التوقعات بأن “الصفقة” ستفيد الفلسطينيين منفصلة عن الواقع، والحقيقة أنها ستخفف الضغط السياسي على نتنياهو وتضعف الحراك الشعبي ضده

النقطة العمياء

تتمثل إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجية الأمن القومي التي أطلقها بايدن في تشرين الأول/أكتوبر 2022 في فكرة أن شركاء أميركا في الشرق الأوسط يقع على عاتقهم فعل الكثير حتى تتمكن هي من فعل القليل، والتوفير على نفسها مشقة التدخلات العسكرية المكلفة. ومما تضمنته تلك الإستراتيجية: “أن الشرق الأوسط المستقر والمتكامل يصب في صالح حلفائنا وشركائنا، ويعزز السلام والازدهار في الإقليم، ويقلل من متطلبات الموارد التي تفرضها المنطقة على أميركا على المدى الطويل”.

لكن، وكما يبدو، فإن “الصفقة” الإسرائيلية السعودية التي تقترحها إدارة بايدن سوف تقلب تلك الاستراتيجية رأساً على عقب، وتخاطر بتورط أميركي في المنطقة بشكل أكبر، وتفرض التزامات أمنية على شريك له تاريخ من التدخل الإقليمي غير المنتظم وشن الاعتداءات الخطيرة.

ويبدو أيضاً أن تلك الإستراتيجية تفترض أنه إذا قدمت الولايات المتحدة الضمانات الصحيحة فقط، فسوف يلتزم الشركاء بها، وتعود هي إلى مكانها الصحيح كوسيط قوة في الشرق الأوسط. لكن من شبه المؤكد أن هذا الأمل سوف يتلاشى. فالقوى الإقليمية، التي باتت اليوم حازمة على نحو متزايد، لم تعد تقبل بلعب دور ثانوي في مشاريع واشنطن، ولم تعد تسمح بأن يتم التعامل معها على أنها أقل أهمية من أي طرف آخر . القوى الإقليمية اليوم تسعى وراء مصالحها الخاصة بقوة أكبر، والتي قد تتوافق أو لا تتوافق مع المصالح الأميركية.

تفترض “الصفقة” المحتملة أيضاً وجود شريك إسرائيلي قد لا يكون موجوداً. فعلى مدى عقود مضت، افترض قادة أميركا أنه إذا عُرضت على إسرائيل الحوافز اللازمة، وعلى رأسها قبول العرب بها، فسوف تقدم تنازلات إقليمية من أجل السلام. هذه الصيغة نجحت إلى حد ما في اتفاقيات “كامب ديفيد” للسلام مع مصر قبل أكثر من 40 عاماً، لكنها لن تنجح اليوم. إن الصفقات الإقليمية الكبرى التي لا تأخذ الحقائق المتغيرة للسياسة الداخلية الإسرائيلية في الحسبان بعيدة كل البعد عن الواقع وقد تعزز مواقع المتطرفين السياسيين في البلاد، الذين بدأوا يحققون مكاسب بالفعل.

إن “الصفقة” السعودية، التي يبدو أن بايدن يفكر فيها كثيراً، ستتطلب ثمناً باهظاً، ربما دون أن تعود بفوائد حقيقية لإرثه السياسي. ومن غير المرجح لمثل تلك “الصفقة” أن تحسن العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، ولا أن تحتوي الصين وإيران، ولا أن تحد من الصراعات في الإقليم. الآن ليس الوقت المناسب لدفع إسرائيل والسعودية لتطبيع العلاقات بينهما. يجب على إدارة بايدن إعادة النظر في خطتها، فالمعالم المُبَلَّغ عنها لهذه “الصفقة” تكشف فقط أن واشنطن لديها الكثير من النقاط العمياء العميقة عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

(*) داليا داسا كاين، باحثة أولى في مركز UCLA Burkle للعلاقات الدولية.

(**) الاسم الرسمي للعملة الصينية المعتمدة من جمهورية الصين الشعبية منذ تأسيسها في عام 1949، وتعني الكلمة “عملة الشعب”.

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "الثنائي" يُسوّق فرنجية داخلياً.. ماذا عن الخارج؟