ذاكرة حرب أكتوبر.. الوثائق تُنصف الرجال

لسنوات طويلة اختزلت حرب أكتوبر (1973) فى رجلين: «أنور السادات بطل الحرب والسلام»، ثم «حسنى مبارك بطل الضربة الجوية الأولى». كان ذلك إجحافا بالقادة العسكريين الذين خططوا ودربوا وقاتلوا، وبعضهم لامست سيرته الأساطير، كما كان إجحافًا ببطولات الجنود الذين قدموا من قلب الحياة المصرية وضحوا بحياتهم حتى يرفع البلد رأسه مجدداً.

امتد الإجحاف إلى القادة الكبار فى حرب الاستنزاف، التى كانت بروفة لحرب أكتوبر.
التاريخ لا يكتب على الهوى، أو بمقتضى الأحوال المتغيرة.
بعد خمسين سنة على أكتوبر تحتاج مصر إلى إنصاف أدوار الرجال فى ملحمة الحرب، أن تتوافر أمام أجيالها الجديدة المعلومات الأساسية عن كل دور فى حجمه وحدوده دون مبالغة فى دور، أو تهوين من آخر.
إنها مسألة وثائق تغيب بفداحة عن السجال العام.
يحسب للرئيس «أنور السادات» أنه الرجل الذى تحمل مسئولية قرار الحرب.
هذا حقه دون شك.
كل شىء بعد ذلك يحتاج إلى إسناد بالوثائق، لا بالدعايات.
بحكم موقعه فإن مسئوليته الأولى هى الإدارة السياسية للحرب.
حسب شهادة «هنرى كيسنجر» وزير الخارجية الأمريكى فى ذلك الوقت فإن القوات المصرية ألحقت بإسرائيل حتى يوم (13) أكتوبر/تشرين الأول هزيمة عسكرية لم تكن متوقعة استدعت طلبا ملحا لوقف إطلاق النار.
كان ذلك اعترافا بحقائق الموقف العسكرى على جبهات القتال بعد أسبوع من الحرب.
بالتوقيت نفسه مدت الإدارة الأمريكية جسرا جويا إلى إسرائيل ليعوضها بالأسلحة المتقدمة عن خسائرها الفادحة منعا لانهيار كامل.
الحقائق وحدها تتحدث، بقوة الوثائق والاعترافات.
كيف خذلت السياسة بطولة الرجال فى حرب أكتوبر؟
هذا هو السؤال الجوهرى الذى يطرح نفسه على الرأى العام دون إجابة موثقة وكاملة.
بصياغة أخرى: ما الحسابات التى حكمت تصرفات «السادات» فى لحظة احتدام المعارك العسكرية؟

الوثائق وحدها هى التى تنصف الرجال، هذا ما تحتاجه مصر لسلامة ذاكرتها الوطنية بعد خمسين سنة على حرب أكتوبر

لم يكن «السادات» معنيا بالتوثيق أو تسجيل المحاضر الرسمية، على عكس «جمال عبدالناصر» حيث وثائق مرحلته مرتبة ومنظمة فى الأرشيفات الرسمية.
الوثائق مسألة دولة وذاكرة أمة لا يصح بأية حال تغييبها حتى تصل بعد عدد من السنين إلى الرأى العام حتى لا يكرر أية أخطاء ارتكبت فى الماضى.
هناك سؤال جوهرى آخر: لماذا أبلغ «السادات» «كيسنجر» عبر قناة المخابرات الأمريكية يوم (7) أكتوبر/تشرين الأول: «إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباكات، أو توسيع مدى المواجهة»؟
كانت تلك الرسالة، التى حملت توقيع مستشاره للأمن القومى «حافظ إسماعيل»، داعية لاستغراب «كيسنجر» متسائلا: «لماذا لم ينتظروا؟».
وفق الأستاذ «محمد حسنين هيكل»، الذى كان أول من أشار إلى الرسالة الخطيرة، فإنها «لأول مرة ــ ربما فى التاريخ كله ــ يقول فيها طرف محارب لعدوه نواياه كاملة ويعطيه من التأكيد ما يمنحه حرية فى الحركة السياسية والعسكرية على النحو الذى يراه ملائما له وعلى كل الجبهات».
الإدارة السياسية هى الملف الأخطر فى قصة حرب أكتوبر.
الحروب تقاس فى نهاية المطاف بنتائجها السياسية.
الوثائق الأمريكية متوافرة لمن يريد أن يطلع.
والأرشيف الإسرائيلى يفرج عنه بمناسبة خمسين سنة على الحرب دون أن تتوافر أية وثائق رسمية تشرح وتوضح الصورة على الجانب المصرى.
ويحسب لـ«حسنى مبارك» صعوده لموقعه العسكرى باعتبارات انضباطه وكفاءته فى ظروف ما بعد هزيمة يونيو (1967).
وقد بلغ دوره العسكرى ذروته يوم (14) أكتوبر/تشرين الأول (1973) فى معركة المنصورة الجوية، التى تعد واحدة من ملاحم الحرب.
قبل أربعة شهور من رحيله اختار هذا التاريخ ليطل على المصريين لآخر مرة مسجلًا شهادته عن أكتوبر فى مقطع فيديو عبر منصة «يوتيوب».
أراد أن يذكر بدوره فى «أكتوبر» ويسجل روايته للأحداث والوقائع التى عاينها من موقعه.
وهذا حق مكفول لكل الذين لعبوا أدوارا فى ميادين القتال، أو على مسارح السياسة، حتى يستوفى التاريخ رواياته قبل أن يخضعها للبحث والتقصى والتدقيق وفق المناهج المستقرة.
لكل دور سياقه وطبيعته وحدوده التى لا يصح تجاوزها وإلا فإنها تسحب بغير حق من أدوار القيادات الأخرى.
فى الفيديو الأخير أشار «مبارك» بأكثر من موضع إلى اسم الفريق «سعد الدين الشاذلى»، رئيس أركان القوات المسلحة فى حرب أكتوبر، وهو ما لم يفعله أبدًا طوال سنوات حكمه.
تبنى مجددا وجهة نظر «السادات» فى الثغرة دون أن يأت على ذكر فرية انهيار «الشاذلى».
أى بلد يحترم نفسه يحتاج إلى رد اعتبار تاريخه بالوثائق حتى يمكن التوصل إلى الحقيقة بما يحفظ سلامة الذاكرة الوطنية.
يستلفت الانتباه هنا أن الخطة (2000)، التى اعتمدت مع خطتى «جرانيت1» و«جرانيت2» فى شهر مارس/اذار (1971) قبل رحيل «عبدالناصر» بشهور قليلة، جهزت لاحتمال قيام القوات الإسرائيلية الخاصة باختراق قناة السويس فى اتجاه معاكس من الشرق إلى الغرب بقصد النفاذ وراء الجيوش وشل الصواريخ المصرية.
حسب «هيكل» فإن تفاصيل هذه الخطة تكاد تشير بالتحديد لمنطقة الدفرسوار.
الوثائق تساعد باليقين على سد فجوات وتباينات الرواية التاريخية لأكثر وقائع الحرب إثارة للجدل.
من يتحمل مسئولية الثغرة، ومن كان على صواب ومن كان على خطأ فى طريقة معالجاتها؟
فى تراجيديا حرب أكتوبر غاب أى إنصاف لدورى القائد العام المشير «أحمد إسماعيل على» ورئيس الأركان الفريق «سعد الدين الشاذلى».
الأول، غيب ذكره بعد رحيله عام (1975) حتى يفسح المجال لبطل أوحد للحرب!
والثانى، شوهت صورته فى عهد «السادات» وأدخل السجن فى عهد «مبارك» وحذفت صورته من بانوراما أكتوبر، كأن رئيس الأركان لم يكن موجودا فى غرفة العمليات!

الإدارة السياسية هى الملف الأخطر فى قصة حرب أكتوبر. الحروب تقاس فى نهاية المطاف بنتائجها السياسية

نسب إلى «السادات» أن «الشاذلى» انهار أثناء الثغرة، غير أن «عبدالغنى الجمسى»، الذى لم يؤيد وجهة نظر «الشاذلى» فى الثغرة وطريقة مواجهتها، نفى تلك الفرية.
فيما سجل «الشاذلى» و«الجمسى» وقادة آخرون مثل اللواء «عبدالمنعم واصل» شهاداتهم على التاريخ، فإنه لم يتسن للمشير «أحمد إسماعيل على» أن يكتب روايته للأحداث.
لا يعقل التجهيل الكامل بدور القائد العام للقوات المسلحة المصرية، كأنه لم يكن موجودا أو مؤثرا فى صناعة الحوادث العاصفة.
المشكلة الحقيقية فى النظر إلى التاريخ غلبة الأهواء على حساب الحقائق.
الوثائق وحدها هى التى تنصف الرجال، هذا ما تحتاجه مصر لسلامة ذاكرتها الوطنية بعد خمسين سنة على حرب أكتوبر.

إقرأ على موقع 180  جوليو ريجيني.. شبح يقض مضاجع الحكومة المصرية

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  لو يذكر الزيتون غارسه..!