سيناريو حصار بيروت عام 1982.. هل هو خطة نتنياهو البديلة؟

حرب "طوفان الأقصى" تدخل غداً (السبت) أسبوعها الرابع وسط توقعات متضاربة بشأن احتمال الغزو البري لقطاع غزة أو عدمه، وفي ظل دعم أميركي وغربي غير مسبوق لإسرائيل، وهذا ما يدفع إلى طرح سؤال حول سبب تأخر الغزو البري؟ والأهم هل سيحصل هذا الغزو؟ وإن لم يحصل ما هي الخطة الإسرائيلية البديلة؟

قبل محاولة الإجابة على السؤال الأول، لا بد من قراءة مسرح العمليات. خلال عشرين يوماً لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من تسجيل انجاز عسكري واحد بالرغم من قتله أكثر من سبعة آلاف فلسطيني وجرح ثلاثة أضعاف هذا الرقم، وجُلهم من النساء والأطفال، وكأنه يسعى إلى قتل جيل قادم من الفلسطينيين الذين لا بد أن يحملوا راية فلسطين. وفي هذا الإطار، يجد بنيامين نتنياهو نفسه أمام معضلة كبيرة، فهو، من جهة، يحتاج إلى انجاز عسكري يغسل به عار فشله وفشل تحالفه اليميني المتطرف في حماية المستوطنين في “غلاف غزة” من الهجوم المباغت الذي شنّته المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ومن جهة ثانية، يجد نفسه عاجزاً عن التقدم براً لتحقيق انجاز ما وذلك لسببين، الأول، الكلفة العالية لهكذا توغل، والثاني هو الضغط الأميركي لمنع الغزو البري بسبب تهيب واشنطن من تداعيات هكذا تقدم لأسباب عديدة أولها عدم اكتمال جهوزية الأميركيين إقليميا (حماية السفارات والقواعد وترحيل الجاليات التي تقدر بعشرات الآلاف)، فضلاً عن محاولة تحرير عدد كبير من الرهائن مزدوجي الجنسية أو حملة الجنسية الأجنبية فضلاً عن التهيب الأميركي من احتمال انخراط إيران وحلفائها في معركة منع استفراد المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي يُهدّد باندلاع حرب إقليمية يُمكن أن تترك تأثيراتها على المشهد الدولي.

هذه الرسائل الإيرانية تولى نقلها شفهياً وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان عبر مندوب دولي التقاه في بيروت وعبر مسؤولين قطريين وعُمانيين وربما أوروبيين.

وثمة شكل آخر للانخراط، وهو الأهم، ويتجسد بالاشتباك المضبوط الإيقاع، حتى الآن، في جنوب لبنان، بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، وإن كان عرض هذه الجبهة يقارب التسعين كيلومتراً بعمق خمسة كيلومترات (450 كلم2)، فضلاً عن الإشغال الذي يحصل في “جبهات” أخرى في العراق وشمال وشرق سوريا والجولان السوري المحتل، وأيضاً من قبل “أنصار الله” في شمال اليمن (إطلاق مسيرات وصواريخ إعترضتهم، الأسبوع الماضي، حاملة طائرات أميركية في البحر الأحمر، وقال مسؤولون في البنتاغون انها كانت تستهدف الكيان الإسرائيلي). هذه الرسائل النارية من حلفاء ايران ترافقت مع مناورة عسكرية لبحرية الحرس الثوري في مياه الخليج العربي تضامناً مع غزة لتكتمل معها مشهدية التهديد الإيراني وجديته.

بالمقابل، هناك حشد عسكري أميركي يتصاعد في الشرق الأوسط عبر حاملة طائرات هجومية باتت موجودة وأخرى في طريقها إلى المنطقة بالإضافة إلى القواعد الأميركية الموجودة في العراق وسوريا وبعض دول الخليج العربي. لا يعني ذلك أن واشنطن على استعداد لإنزال عسكرها على أرض المعركة لأسباب معروفة للقاصي والداني لا سيما بعد هزيمتها المُدوية في أفغانستان، لا بل هي تتهيب حتى المشاركة في هكذا حرب بسبب تداعياتها المرتقبة على مسرح الصراع الدولي، فإن انغمست واشنطن في حرب شاملة في الشرق الأوسط، من يمنع الصين من استرجاع تايوان بعملية عسكرية؟ ومن يمنع موسكو من توجيه ضربات جديدة إلى كييف، بعد فشل الهجوم الأوكراني المضاد الذي استمر اكثر من ثلاثة أشهر؟ ومن يمنع صربيا من اجتياح كوسوفو؟ ومن خلال هذه الوقائع والأسئلة يمكن أن يفهم القارىء سبب التدريبات على حرب نووية كبرى، أعلنت موسكو عن اطلاقها مؤخراً، وترافقت مع تصريحات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين حذّر فيها من أن أي اشتعال للحرب في الشرق الأوسط سيؤدي إلى امتداد نيرانها إلى أماكن أخرى في العالم.

إن كان سيناريو حرب لبنان عام 1982 هو الخطة البديلة لنتنياهو في غزة، فهذا يعني أنه أمامنا في الأشهر المقبلة، شريط طويل من المجازر، بحسب تصريحات قادة العدو، ليأتي بعدها الحل الأميركي مُغلفاً بالأسباب الإنسانية لاخراج المقاومة الفلسطينية من غزة بشكل آمن وبطريقة ما إلى دولة عربية ما، قد يكون لبنان أحد هذه الدول

هذه التعقيدات الدولية والإقليمية تصبح سهلة في مواجهة تعقيدات الوضع الإسرائيلي الداخلي، فقد تراجعت قيمة الشيكل حوالي 13 في المئة خلال عشرين يوماً، وتراجعت قيمة البورصة بنسب مختلفة، كما أن معظم المؤسسات والشركات باتت في حال من الشلل التام بسبب استدعاء الحكومة جنود الاحتياط الذي يقارب عددهم 360 ألف جندي بالإضافة إلى 170 ألف جندي هم عداد جيش إسرائيل الحالي. ومع هذا الإستدعاء للإحتياط، فقدت معظم مؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة نسبة كبيرة من القوى العاملة لديها، ناهيك عن تدمير الموسم السياحي الذي يدر نسبة لا بأس بها من موازنة الدولة وإقفال مؤسسات كبرى عديدة (اقفال شركة “نستله” أحد أكبر مصانعها العملاقة في إسرائيل “مؤقتاً)، فضلاً عن مؤشرات اقتصادية سلبية مثل اتخفاض النمو وارتفاع نسبة البطالة إلخ..

وعدا عن تعقيدات الواقع السياسي الإسرائيلي، لا سيما غداة تشكيل حكومة الحرب، واستمرار التناقضات بين المستويات السياسية والعسكرية والأمنية وارتفاع أصوات إعلامية برغم “حالة الحرب”، هناك قرابة نصف مليون نازح معظمهم من مستوطنات غلاف غزة ومن تلك الموجودة على الحدود مع لبنان، كما أن عشرات آلاف الإسرائيليين غادروا الكيان الإسرائيلي على وجه السرعة باتجاه قبرص واليونان وبعض العواصم الأوروبية.

إقرأ على موقع 180  دروس النكبة.. وسبل إحياء عملية السلام

مع هذه المعطيات الدولية والإقليمية والإسرائيلية، يجد رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو نفسه أمام مأزق كبير، يتلخص بأنه غير قادر على التقدم براً وغير قادر على وقف الحرب من دون انجاز عسكري وغير قادر على مواصلة ارتكاب المجازر في غزة في ظل التحولات التي بدأنا نشهدها على مستوى الرأي العام العالمي، بدءاً من لحظة ارتكاب مجزرة المستشفى المعمداني، وبالتالي يصبح السؤال: ما هي الخطة البديلة لنتنياهو؟

كما في معظم الحروب الإسرائيلية، فإن واشنطن هي التي تُقرّر الحرب وهي التي تقرر كيف ومتى تُنهيها. وهنا بالامكان قراءة ما يجري تماماً وفقاً للسيناريو الذي حصل خلال غزو لبنان عام 1982، فقد حوصرت بيروت الغربية لمدة 72 يوماً، وقطعت عنها امدادات المياه والكهرباء والدواء والغذاء، وتواصل قصفها براً وبحراً وجواً طوال فترة الحصار، وفشل الجيش الإسرائيلي في التقدم ولو لأمتار قليلة على محاور القتال، قبل أن يستنجد بـ”القوّاد” الأميركي حينها فيليب حبيب ويطبخ حل خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية بحراً إلى الدول العربية ونشر قوات دولية متعددة الجنسيات (أميركية وفرنسية وإيطالية) في بيروت وضاحيتها الجنوبية، الأمر الذي مهّد لارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا واحتلال بيروت الغربية.

إن كان سيناريو حرب لبنان عام 1982 هو الخطة البديلة لنتنياهو في غزة، فهذا يعني ترقب شريط طويل من المجازر، في الأشهر المقبلة، ليأتي بعدها الحل الأميركي مُغلفاً بالأسباب الإنسانية لاخراج المقاومة الفلسطينية من غزة بشكل آمن وبطريقة ما إلى دولة عربية ما، قد يكون لبنان أحد هذه الدول.

الفارق بين سيناريو حرب العام 1982 والحرب في غزة حالياً هو أن الفلسطيني كان يُحارب في بيروت على أرض الغير، أما اليوم فإن الفلسطيني يحارب على أرضه وهو يعرف أن خروجه منها يعني انتهاء قضيته إلى الأبد.

في الخلاصة، قد تطول لعبة عض الأصابع التي تمارسها قيادة العدو بحسب قدرة كل طرف على التحمل، فالأصابع في قطاع غزة هي الأطفال والنساء وشلالات الدماء اليومية.. والأصابع في الكيان الصهيوني هم المستوطنون الذين باتوا إما نازحين وإما يعيشون أسرى الخوف والرعب من صواريخ القسام والبقاء في الملاجىء. وحتى في هذه الخطة التي قد تكون بديلة عن الغزو البري لا يمكن لمحور المقاومة ان يحتمل استمرار المجازر إلى ما لا نهاية. لذا إما أن تنتصر المقاومة في فلسطين وإما أن تنتصر.. دماؤها.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  لبنان بلا صندوق النقد.. النموذج الفنزويلي آتٍ لا محالة