غزة إلى عام دموي جديد.. وعقارب الساعة لن تعود إلى الوراء

ثمة محاولة إسرائيلية لتبرئة ذمة حكومة بنيامين نتيناهو أمام الجمهور الإسرائيلي الغاضب، ولا سيما أهالي الأسرى الذين تحتجزهم فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، عبر إعطاء إشارات أن تل أبيب وافقت على تسوية ما وأن "حماس" رفضتها، وهو الأمر الذي استدعى رداً من القيادي في "حماس" أسامة حمدان بتأكيده أن الحركة متمسكة بشرط وقف العدوان، نافياً في الوقت نفسه أن تكون إسرائيل قد قدّمت أي طرح لتبادل أسرى مقابل هدنة لمدة شهر، معتبراً أن الهدف من التسريبات محاولة تخفيف الضغط الداخلي الإسرائيلي.

أوحت الاتصالات الإقليمية التي جرت، الأسبوع الماضي، بوجود فرصة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار عبر خطة متكاملة تتكون من ثلاث مراحل. تتضمن المرحلة الأولى بدء هدنة إنسانية لمدة أسبوعين قابلة للتمديد لأسبوعين أو ثلاث، تطلق خلالها حماس سراح 40 من المحتجزين الإسرائيليين من فئتي النساء والأطفال (أقل من 18 عاماً)، والذكور من كبار السن خصوصاً المرضى. وفي المقابل، تطلق إسرائيل سراح 120 أسيراً فلسطينياً من نفس الفئتين، ويتم خلالها وقف الأعمال القتالية وتراجع الدبابات من مناطق معينة، وتدفق المساعدات الغذائية والطبية، والوقود وغاز الطهي إلى غزة، ولا سيما شمال القطاع.

وتشمل المرحلة الثانية إقامة حوار وطني بهدف إنهاء الانقسام الفلسطيني وتشكيل حكومة جديدة يكون على سلّم أولوياتها إعادة اعمار قطاع غزة والتمهيد لانتخابات نيابية ورئاسية فلسطينية.

أما المرحلة الثالثة فتشمل في نهاية المطاف وقف كلي وشامل لإطلاق النار، وصفقة لتبادل الأسرى تشمل كافة العسكريين الإسرائيليين لدى “حماس” وحركة “الجهاد” وباقي فصائل المقاومة، على أن تنسحب قوات الاحتلال الإسرائيلي من مدن قطاع غزة ويجري تمكين النازحين الفلسطينيين من العودة إلى مناطقهم. إلا أن أسباباً كثيرة حالت دون أن تشقّ هذه المبادرة طريقها إلى التنفيذ لعلّ أبرزها تجربة المقاومة مع هدنة الأيام السبعة اذ ما أن انتهت الهدنة صبيحة يوم الجمعة في الأول من كانون الأول/ديسمبر الماضي حتى عاودت إسرائيل قصف القطاع، بشكل أكثر دموية ممّا كانت عليه وتيرة القصف، في المرحلة الأولى من الحرب، وبالتالي لا تريد المقاومة لهذه التجربة أن تتكرّر مرة أخرى.

اذاً، حرب غزة، تقترب من نهاية شهرها الثالث وستدخل مطلع العام الجديد مرحلة استنزاف حادة مع احتمال تغير نمطها كما أعلنت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، بإشارتها إلى اقتراب موعد المرحلة الثالثة من الحرب في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، على أن تشمل إنهاء المناورة البرية وتخفيض القوات وتسريح الإحتياط واللجوء إلى الغارات الجوية وإقامة منطقة عازلة

وفي الأسبوع الأخير، كان لافتاً للإنتباه ما صرّح به عدد من قيادات “حماس” بأنّ لا تفاوض بشأن الأسرى قبل وقف الحرب. ورفض “حماس” لهذا الأمر يتخذ مشروعيته من الثبات الميداني البطولي الذي أظهره مقاتلو القسّام وباقي فصائل المقاومة، إذ كبدّوا العدو خسائر فادحة خاصةً في الأسبوعين الماضيين، ما دفع بالجيش الإسرائيلي إلى سحب “لواء جولاني” وإحدى كتائب المظليين من أرض المعركة. وفي هذا السياق، تفيد تقارير إسرائيلية عن وقوع ثمانية قتلى من الجنود في اليوم الواحد ضمن إطار المعركة البرية المتواصلة على قطاع غزّة، حيث بلغت الحصيلة التي اعترف بها الجيش الإسرائيلي حتى الآن أكثر من 500 قتيل من ضباطه وجنوده خلال 85 يوماً من المعارك.

هذا في الجانب الميداني، أما في الجانب السياسي، فقد باشرت الإدارة الأميركية عقد سلسلة من اللقاءات بين مسؤولين عسكريين وسياسيين بهدف مناقشة مستقبل الحرب على غزة. ويندرج في هذا الإطار الاجتماع الذي جمع يوم الثلاثاء الماضي وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، مع كل من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، اضافةً إلى مسؤولين سياسيين آخرين في وزارة الخارجية الأميركية. هدف الاجتماع كان نقاش خطط إسرائيل للبدء في “مرحلة منخفضة الحدّة من الحرب” أي بكلام آخر، تقليل استهداف المدنيين.

وبحسب بعض الأوساط في إدارة جو بايدن، فإنّ الأخير قد حدّد نهاية يناير/كانون الثاني، كي تشرع إسرائيل في هذه المرحلة. الأخذ بالنصيحة الأميركية كان قد بدأ يظهر قبل زيارة ديرمر اذ أفادت “القناة 12” التلفزيونية الإسرائيلية بأنّ الجيش الإسرائيلي يستعدّ لتغيير خطته في غزة لإدراكه أن حركة “حماس” لن تُهزم إلا بحرب استنزاف طويلة، ولذلك سيقوم بإنشاء منطقة عازلة غرب السياج الفاصل بين القطاع وإسرائيل. وانتقال الحرب إلى هذا النمط يعني أنّ ديمومة الحرب باقية ولكن شكلها فقط سيتغير. ولكن ثمة احتمال الا ينصاع نتيناهو لطلب بايدن بتقليل وتيرة قصف المدنيين. سيرة الرجل وغروره الشخصي دفعاه الى الاصطدام مع بايدن، في أكثر من مناسبة لعلّ أبرزها، ما صدر عن بايدن من تصريحات تنتقد خطة نتياهو الرامية إلى إعادة تشكيل السلطة القضائية ومحاولته تمرير هذا المشروع على الرغم من المعارضة الداخلية التي واجهها آنذاك في الشارع الإسرائيلي. اصطدام وتّر العلاقة بين الرجلين، لكن اندلاع حرب غزة، غيّر تعامل إدارة بايدن إلى حد إحتضان حكومة الحرب بزعامة نتياهو، فضلاً عن توفير تغطية أميركية، سياسية وعسكرية كاملة لتل أبيب.

وفي سياق متصل، فإنّ جبهة الجنوب اللبناني والتي تتشابك مساراتها مع حرب غزة، كانت قد شهدت في الأيام الماضية، تصعيداً ميدانياً كبيراً من قبل العدو الإسرائيلي. تمثّل هذا التصعيد بقصف بيوت ومنشآت مدنية واستهداف متعمّد للمدنيين، اذ أغارت طائرة ٌإسرائيلية على منزل وسط مدينة بنت جبيل واستهدفته بصاروخ أرض- جو ما أدّى إلى مقتل مدنيين وأحد المقاومين. وتترقب الأوساط السياسية، ما سيقوله الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله، في خطابه المقرّر في الثالث من كانون الثاني/يناير من العام القادم (الذكرى الرابعة لإغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس)، بشأن تطورات الجبهة الجنوبية والملفات المتصلة بحرب غزّة.

إقرأ على موقع 180  هآرتس: نعم، إسرائيل مهتمة ببقاء اليونيفيل!

وبين تصعيد مستمر في غزة ومتصاعد في الجنوب اللبناني، فإن إسرائيل وفي سياق معاركها المتنقلة مع إيران، اغتالت القيادي البارز في “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، رضي موسوي، بصاروخ أصاب مقر إقامته في منطقة السيدة زينب بالعاصمة السورية يوم الاثنين الماضي. صحيحٌ أن هذا الاستهداف يندرج ضمن إطار الحرب المفتوحة على أكثر من صعيد بين طهران وتل أبيب، ولكن توقيت تنفيذ العملية على وقع حرب غزة، يشي بأنّ إسرائيل وبعد فشلها في توريط حزب الله في نزاع أكثر مما هو حاصل حالياً في الجنوب اللبناني، قامت بتوسيع دائرة استهدافاتها، لتشمل قيادياً “إيرانياً” على أراضٍ “سورية”. وفي قراءة لردود الفعل، فإنّ الجانب الإيراني وعلى لسان المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، رمضان شريف، قال إنّ الردّ على اغتيال موسوي، سيشمل رداً مباشراً، وتحركات من جانب جبهة المقاومة. إسرائيل نفسها تخشى من أن يأتي الردّ من الجبهة الشمالية، بحسب صحيفة “جيروزاليم بوست” في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضي.

يوم غدٍ الأحد وعندما تشير عقارب الساعة إلى الثانية عشرة منتصف الليل، سندخل عاماً جديداً. لن تعود عقارب الساعة إلى الوراء. هذه ليست فقط قواعد الزمن انما قواعد صنعها شعب فلسطيني جبّار، قرر الاّ تعود عقارب الساعة إلى ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر

اذاً، حرب غزة، تقترب من نهاية شهرها الثالث وستدخل مطلع العام الجديد مرحلة استنزاف حادة مع احتمال تغير نمطها كما أعلنت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، قبل أيام قليلة، بإشارتها إلى اقتراب موعد المرحلة الثالثة من الحرب في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، على أن تشمل إنهاء المناورة البرية وتخفيض القوات وتسريح الإحتياط واللجوء إلى الغارات الجوية (اغتيالات بشكل أساسي) وإقامة منطقة عازلة على طول الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة.

ستستقبل غزة العام الجديد بمزيد من القتل والعنف والدمار. ومفارقة الزمن أن غزّة استقبلت العام ٢٠٠٩، في ظلّ حرب بدأت في كانون الأول/ديسمير من العام ٢٠٠٨. فكان أن استقبلت عام جديد حينها، بحرب. يوم غدٍ الأحد وعندما تشير عقارب الساعة إلى الثانية عشرة منتصف الليل، سندخل عاماً جديداً. لن تعود عقارب الساعة إلى الوراء. هذه ليست فقط قواعد الزمن انما قواعد صنعها شعب فلسطيني جبّار، قرر الاّ تعود عقارب الساعة إلى ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر.

Print Friendly, PDF & Email
عطالله السليم

كاتب وباحث سياسي

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  من بشارة الخوري إلى شارل حلو.. الزمن الرئاسي الجميل!