الإخوة في “حماس”.. وجب النقد ولو في عز المعركة

إن أول ما يفقده المرء لحظة الفاجعة هو لغتُه. تتشظى اللغة بين هول الواقع الآني وانقلاباته من جهة والمنطق الجمعي الذي يقود وجهة الفعل السياسي للخروج عن أحكام المفروض علينا من شروط المعركة من جهة أخرى.

تتخبط اللغة، وهي خط دفاعنا الاستراتيجي الوحيد، فنتلهف لانقاذ غدنا بترميم لغة الحاضر واعادة جبل حججها وهويات جمهورها. لغة تتشظى بين قواعد قتلنا وقتالنا المعسكَر من جهة وصيرورة التحرير من جهة أخرى. في الشطر الأول، تتكسّر اللغة عند حجارة التنازلات المحكومة بموجب واقع الدمار وسياسات الموت المتغوّلة، فتفقد شيئاً من جلاء الهوية السياسية في تراكيبها. في الشطر الثاني، ننتقم من المفروض علينا من أثمان عبر تفنيد رؤيتنا حول عملية الرفض المنظم التي ستخط معالم معركة الغد وتتصدى لإعدامنا السياسي المتربص بخاتمة المعركة على شاكلة هيئات التفاوض وخطط إعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي ونظريات العمق الاستراتيجي وعقيدة الردع والرد.

لذا تتكئ حركات التحرر على فكرها السياسي لكي تُبقي في المعركة رؤية أوضح وأشمل من عيون بنادقنا ودموع أهلنا وجوعهم. لكن التاريخ الفلسطيني المعاصر أكثر تعقيداً من حركة تحرر منظمة ضمن جسد متجانس متين في آليات نقده وقراءاته الداخلية والخارجية. نحن في حالة تشظّ مردها تآكل فكرنا السياسي لمصلحة وقائع التناقضات الطبقية ضمن دولنا القومية الرجعية. دون الخوض في تفصيل أكثر، أقول إن حالة التشظي هذه متّهمة بالتأخر الفاضح في إنتاج قراءة وتحليل سياسي شامل لتطورات المشهد الأمني والسياسي والإجتماعي في الأراضي المحتلة منذ طليعة العام الماضي حتى السابع من تشرين الأول/أكتوبر.

***

في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، أصدرت “الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين” قراءتها السياسية للإبادة في غزة (دون أن تستخدم تلك التسمية) وفي العشرين من كانون الثاني/يناير 2024، أصدرت حركة “حماس” قراءتها للمعركة التي تخوضها، وفي هذين النصين (نموذجاً) مشاغل سياسية مقلقة كثيرة، نكتفي الآن بالتمعن في الأخيرة قبل الأولى.

***

أصدرت حركة “حماس” مذكّرة بعنوان: “هذه روايتنا.. لماذا طوفان الأقصى؟”. تتكون الوثيقة من خمسة عناوين. إن كان مضمون العنوانين الأولين “لماذا معركة طوفان الاقصى وأحداث 7 أكتوبر والرد على اعتداءات وأكاذيب الاحتلال” لا غبار عليه لأنه يطرح سردية تأريخية لفعل مقاوم في الحاضر، إلا أن العناوين الثلاثة التي تلت تطرح إشكاليات أكثر ثقلاً من عمق التحليل المطروح وصلابته. ففي العناوين الثلاثة الأخيرة تحاول “حماس” محاكاة الآتي: أولاً؛ سؤال التحقيق الدولي النزيه. ثانياً؛ من هي حماس (“تذكير للعالم وفي كل تذكير إعادة تعريف”) وأخيراً والأكثر إرباكاً سؤال: ما المطلوب؟

إن وصف الحركة لذاتها كحركة تحرر وطني تناضل ضد المحتل كان يفترض أن يكون نقطة الارتكاز الأساس للوثيقة ولغتها وأهدافها، أمّا أن تنزلق الوثيقة في دهاليز الدفاع عن النفس، كحركة إيديولوجية تتبنى خطاً إسلامياً معتدلاً وسطياً، وأنها ليست معادية لليهود وأن الصراع وطني وليس دينياً قومياً، فهذا لا يندرج إلا في جانب أحادي الرؤية في محاولة ترميم صورتها على المستوى الدولي، إن صح التعبير، في حين أن الإبادة مُعلنة ومستمرة بحق شعبنا الفلسطيني ومن المفترض أن تكون قد تجاوزت بحجمها وبهمجيتها كل الحسابات التكتيكية والاستراتيجية لهذا التنظيم أو ذاك.

إن نية “حماس” التراجع عن لغة التفكيك السياسي والتصعيدي مرفوضة تماماً، فلا مكان لاستعادة شرعية بيروقراطية، ولا مكان لفصائل فلسطينية لن تُسخّر مواقعها القاعدية لإعادة تشييد هوية فلسطينية تقي من يتبقى منا من صيرورة المحو المؤسسية والتأريخية والبيولوجية التي ستأتي على شاكلة سؤال “حل الدولتين”

وعليه، نرى أن ما حدث في السابع من تشرين الأول/أكتوبر لهو فعل أعاد حركة “حماس” إلى موقع الفاعِل المستعمَر المقاوم؛ أعادها من موقع السلطة والبيروقراطية القائمة على البراغماتية الوصولية التي تسعى إلى إعادة إنتاج نفسها كسلطان على بقعة جغرافية محدودة وأسواق مال وحدود، إلى جسد مقاوم بمعناه التحرري لا الدولتي. وعند هذه النقطة يجدر بنا التمعن في معنى الإبادة بالنسبة لسلطة إدارية دفعت بها الأوضاع الإقليمية والأيديولوجية إلى العودة إلى ركب الرفض الجماهيري.

الإبادة تعني أن مفهوم الشرعية بات منتفياً، شرعية ماذا على من أو مِن مَن؟ حال الجسد المستعمَر لحظة المحو العسكري واحدٌ، فلا عودة إلى شرعية سلطوية، ولا مكان للمضي قدماً إلا بالتخلي عن مبادئ وبروتوكولات الشرعية الدولية التي تقف عاجزة أمام المحرقة بحق شعبنا. نعم، المطلوب هو الانغماس في خط الانتظام الجماهيري وإعطاء تعليمات لمن هم في الخارج للقيام بالعصيان القطعي التام لآلات العسكرة وأدوات الاحتواء الإنسانوية. المطلوب خلق لغة تسترد ما استحوذ عليه من قوى المقاومة من اليمن إلى لبنان، تبنّي من قام بالفعل وفضح من يتوانى برشقات صاروخية خرقاء. ما كان يجب على “حماس” وقد حقّقت إنجازها التاريخي بالعودة إلى صفوف العصيان والتمرد أن تُكرّس نصاً سياسياً يخلُص في فصله الأخير إلى أننا سنعود إلى ما كنا عليه، وننادي بإعادة الإعمار وأن ننادي السلطان الدولي ليؤطر ما سيبقى من شهيق على هذه الأرض المحاصرة. لا يجوز ولا حتى في براغماتيات السياسة أن نخلص في عز المعركة الى هكذا لغة إصلاحية، كما كان الحال في أوسلو وكامب دايفيد. لقد أعلن العالم بالفم الملآن عن تخليه عنا، فلنا أن نشد رباط اللغة السياسية، أي أن نعمل بوضوح على تعريف عدوّنا وأشكاله المختلفة ضمن السياقات والجغرافيات المتباينة التي تربطنا به وأن نحدد تباعاً معالم الإشتباك ضدّه.

إقرأ على موقع 180  عن فانون و"معذبي الأرض"، المستعمِر والمستعمَر، الفدائي واللاجىء

عطفاً على كل ما سبق، إن لم ينتج من كنف الإبادة في غزة والضفة لغة جديدة تعلن عن معالم الحل الجذري العالمي للقضية الفلسطينية، وعن مخاطر التطبيع على الكيانات العربية المصطنعة أصلاً وعلى اقتصاداتها وأسواقها وما سينتج عن ذلك من تصدّعات زلزالية في بنى المجتمعات العربية؛ لغة تعلن الشقاق بين نهج الدولة المهادن مع المشروع الصهيوني من السلطة الفلسطينية مروراً بلبنان على طول الطريق إلى الجزائر من جهة ونهج الانتظام الجماهيري المسلح والمؤدلج من جهة ثانية؛ لغةٌ تقول إن مظاهرات عالم الشمال وأهلنا فيه لهي فعل فارغ ما لم يترافق مع قراءة سياسية وترجمة تنظيمية. علينا أن نُحوّل أوروبا إلى خط اشتباك أول، على منطق البرجوازية العربية القائم على أساس المهادنة مع السلطات الأوروبية الفاعل الرئيس في نكبة الشعب الفلسطيني والمتآمر على نهضة الشعب العربي من خلال أنظمة التبعية التي عملت على اصطناعها. نعم ما زلنا نتكلم عن حركة “حماس”، عنوان الفعل العسكري المقاوم. إن نية “حماس” التراجع عن لغة التفكيك السياسي والتصعيدي مرفوضة تماماً، فلا مكان لاستعادة شرعية بيروقراطية، ولا مكان لفصائل فلسطينية لن تُسخّر مواقعها القاعدية لإعادة تشييد هوية فلسطينية تقي من يتبقى منا من صيرورة المحو المؤسسية والتأريخية والبيولوجية التي ستأتي على شاكلة سؤال “حل الدولتين”.

***

إن بسالة ووفاء مقاتلينا من شمال غزة حتى جنوبها، وذاكرة أطفالنا وأجساد أهلنا الماكثين والنازحين التي تشهد إبادة القرن الحادي والعشرين هم وكل ما يكتنفهم من عقيدة تصقل إراداتهم وتضع لحركتهم وجهة ولتصريحاتهم عنفواناً وعتاباً وكبرياء.. نقول لهم “أنتم أبطالنا التاريخيون”. لكن، ولأن التاريخ قد علّمنا أن البطولة تُزهَق معانيها عند تتابع الأحداث ما لم نَغرس سرديتَها في أحشاء فكر سياسي تحرري نابض، وجب النقد وإن كان في أوج المعركة. والمعركة قائمة سواء وجدنا لغتنا أم تهنا عنها، والمسؤوليّة تاريخية سواء انغمسنا في قاعدة الاشتباك حيث تصادف وجودنا أم تراجعنا عنها جهلاً أو تجاهلاً.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

باحثة فلسطينية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  أسئلة النار في الإقليم.. تركيا، إيران والضفة؟