تحرير الأسيرين الإسرائيليين في صحافة تل أبيب: فوق الأرض، غير ما تحتها!

للمرة الأولى، وبعد أربعة أشهر على شرارة "طوفان الأقصى"، ينجح الجيش الإسرائيلي في تحرير أسيرين من أصل 134 موجودين في قبضة المقاومة الفلسطينية، بين أحياء وأموات. السؤال هنا: هل تُشجّع هذه العملية إسرائيل على المضي في مفاوضات تبادل الأسرى ولكن من موقع تحسين شروط التفاوض، أم تنتهج خيار تحريرهم بالقوة؟

تمت العملية على تواضعها، ليل الأحد-الاثنين الماضي، بإشراف أعلى المستويات السياسية والعسكرية والأمنية، إذ استدعت حضور رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى غرفة العمليات لمتابعة مجرياتها عن كثب، حسب مراسل القناة 14، موتي كاستل. يضيف المراسل “نحن شاهدنا عن كثب انفعاله (نتنياهو) على اعتبار أنه الشخص الذي صادق على العملية وتحمل المسؤولية الكبيرة عنها”.

وبرغم تأكيد مصادر المقاومة الفلسطينية أن الأسيرين الإسرائيليين المحرريْن، فرناندو سيمون مارمان (60 عاماً) ولويس هار (70 عاماً)، كانا بحراسة مجاهدين لا ثالث لهما، في الطابق الثاني-العلوي من المبنى المستهدف، في حي سكني مكتظ جداً بالسكان من مخيم الشابورة للاجئين، الذي أصبح أكثر اكتظاظاً في أعقاب تهجير الفلسطينيين من شمال غزة إلى جنوبها. وبالتالي، لا حاجة لقوة عسكرية وأمنية بهذا الحجم، حيث شارك في العملية عدد من وحدات النخبة، وقوة الاقتحام تشكلت من جنود “اليمام” و”الشاباك”. في الغلاف الخارجي، عمل مقاتلو كوماندوس البحرية واللواء 7 في سلاح المدرعات. وهذا كله إن دلّ على شيء إنما على أن جيش العدو فقد الثقة بنفسه وبات يخشى الإقدام على عمليات “متواضعة” من هذا النوع ويأخذ أقصى احتياطاته لضمان “صفر أخطاء.. وخسائر”.

وتعتبر إسرائيل أن هذه العملية هي الثانية بعد عملية تحرير الجنديّة أوري مغيديش، في نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عشية العملية البرية للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، علماً أن عملية “التحرير” هذه يحوم حولها الكثير من الشك، كونها حصلت بطريقة مفاجئة للعدو نفسه، وأكدت مصادر فلسطينية بأن مغيديش “كانت محتجزة لدى إحدى العشائر العربية التي رغبت في التخلص منها، فأقدمت على تسليمها”، فيما رجحت مصادر أخرى حصول مقايضة مادية.

هذا، دون أن ننسى ما حصل في 10 كانون الأول/ديسمبر الماضي، عندما قتلت قوة من لواء “غولاني” ثلاثة أسرى من الجنود الإسرائيليين في حي الشجاعية في شمال غزة، وكان هؤلاء عراة الصدور ويلوّحون بعلم أبيض عند إطلاق النار عليهم، ويصرخون بالعبرية “نحن إسرائيليين مُختطفين.. أنقذونا”، وفق التحقيق الذي أجراه جيش العدو لاحقاً. و”أصبحت كتاباتهم (الأسرى الثلاثة) على الحائط علامات بارزة لدى زعماء احتجاج 7 أكتوبر”. حسب تعبير المحلل السياسي في “يسرائيل هيوم”، أمنون لورد. أضف إليهم عدد من الحالات في الأشهر الأخيرة، والتي تمّ فيها العثور على جثث أسرى نتيجة القصف الإسرائيلي.

وعلى الرغم من ادعاء بن درور يميني في مقالة له في “يديعوت” بأن عملية رفح مذهلة، وأحدثت فرحة لا تضاهى بين الجمهور الإسرائيلي، لكنّه يعود ويستدرك بأنها “فرحة منقوصة، وفيها حزن على الجنديَين من وحدة “ماغلان”، عدي إلدور وألون كلاينمن، اللذين قُتلا قبل ذلك في عملية عسكرية، وهو ما يذكّرنا بالثمن الذي لا ينتهي لهذه الحرب التي لا تنتهي. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك تخوفاً من أننا نسير في المسار الخاطئ، لأن المعركة القومية من أجل تحرير الرهائن تتحول إلى معركة سياسية تؤدي إلى انقسامات”.

وإذا سلمنا جدلاً بأن عملية تحرير الأسيرين تُشكّل إنجازاً للجيش الإسرائيلي، لكن المحلل العسكري في “هآرتس”، عاموس هرئيل، يُحذّر من المضي بهكذا خيار ويشير إلى وجوب الأخذ بالحسبان “أنه ستكون هناك صعوبة في تكرارها (عملية التحرير)، برغم الضغط الكبير الذي يستخدمه الجيش الإسرائيلي على حماس. هذا بسبب أن حماس بالتأكيد ستستخلص العبر من العملية وستعثر على نقاط الضعف في استعدادها وستزيد الاستعداد في أوساط الوحدات التي تحتجز المخطوفين الآخرين”. ويضيف الكاتب، “أمام حقيقة أن المخطوفين يتوزعون في أرجاء قطاع غزة ويخضعون لحراسة مشددة من آسريهم فإنه سيكون من الصعب تحرير المخطوفين الآخرين، 134 مخطوفاً بينهم 30 لم يعودوا أحياء، بطرق مشابهة”. وحسب التقدير الذي نشرته “وول ستريت جورنال” فإن نحو 85 مخطوفاً فقط لا يزالون على قيد الحياة (83 بعد الإنقاذ الناجح لهار ومارمان).

بمعنى آخر، عملية رفح لا يمكن اعتمادها نموذجاً لتحرير باقي الأسرى، فلا بدّ من استعادتهم بالمفاوضات، حسب افتتاحية “هآرتس”، ذلك أن “حكومة إسرائيل ملزمة بأن تدفع قدر الإمكان نحو تحقيق صفقة لتحرير المخطوفين، لأن الزمن يعمل في طالحهم”. وتضيف “هآرتس” بأنه “يثبت الإنقاذ الناجح بالذات ضرورة الصفقة. بعد أربعة أشهر من القتال لم تنجح قوات الأمن إلا بإنقاذ ثلاثة مخطوفين على قيد الحياة”.

ويقول الكاتب أمنون لورد في “يسرائيل هيوم” إنه “على الورق، فإن حسابات الضغوط على حماس تخلق أملاً في أن تنتقل المفاوضات لتحرير باقي المخطوفين إلى مسارات منطقية يمكن لإسرائيل أن تقبل بها”، فيما يشير الكاتب بن درور يميني إلى إنه “حان دور (يحيى) السنوار. هو لا يريد صفقة، يريد إخضاعنا. لكننا مرة أُخرى نفشل في فهم النظرية. السنوار يعلم بأن الضغط الأميركي مستمر.. إنه يفكر استراتيجياً. ويعلم بأنه يُلحق ضرراً فادحاً بمكانة إسرائيل في العالم”، ويضيف يميني “يعلم (السنوار) أيضاً بأنه يزيد في حدة معاداة السامية، ويأمل بإلحاق الضرر باتفاقات أبراهام. هو يريد أن يحوّل إسرائيل إلى جنوب أفريقيا، ولا مشكلة لديه في خسارة المعركة تلو الأُخرى، لأنه يعتقد أنه ينتصر فيها”. (المصادر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، صحيفة “الأيام” الفلسطينية).

إقرأ على موقع 180  الإنتخابات.. مهنة تدريبنا على موتنا البطيء

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  قطار مصائر الشعوب يتحرك.. والعرب يتفرجون!