“إخوان لبنان” أبعد من “الفجر”.. “الأمر لي” لمن؟

أشعل السجال الدائر بين نواب العاصمة بيروت وبين "الجماعة الإسلامية" وجمهورها، نقاشات في الشارع السني، وذلك على خلفية تزايد ما اعتبر "عراضات عسكرية" في شوارع العاصمة ومدن أخرى، في ظل إعادة تفعيل "الجماعة" لجهازها العسكري المعروف باسم "قوات الفجر".

النائب البيروتي إبراهيم منيمنة كان النجم الأبرز لهذا السجال، بعدما شنّت قواعد “الجماعة الإسلامية” هجوماً عليه بدءاً من وسائل التواصل الإجتماعي مروراً بالبيانات وصولاً إلى منابر المساجد التي تعتبر إحدى أبرز أسلحة التعبئة السياسية لـ”الجماعة”.

وهذا السجال ليس وليد اللحظة، بل يستمر منذ اندلاع “طوفان الأقصى”، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وينطوي على همس مشترك بين نواب ووزراء ومرجعيات سنية حول أفق المرحلة المقبلة في ظل تنامي خطاب التعبئة الحاصل في الشارع السني والذي يُترجم مشاعر تفيض حماسةً للمقاومة “بعد احتكارها لعقود من الزمن”، وفق السردية الشائعة.

أزمة في العمق

من هذا المنطلق، بدا أن لهذا السجال جذوره الفكرية العميقة، فكلام نائب الأمين العام لـ”الجماعة الإسلامية” عمر حيمور والذي بلغ حد استخدام مصطلحات اتهامية قاسية تجاه إبراهيم منيمنة ونواب آخرين، يعكس النظرة الداخلية لـ”الجماعة” إزاء قوى ليبرالية ومدنية في الشارع السني، على اعتبار أن ما قاله حيمور انعكس في نقاشات محازبي “الجماعة” ومناصريها على وسائل التواصل الإجتماعي من خلال الزحف “الإخواني” على تغريدات النواب والتي تشابهت إلى حد كبير مع ما قاله الرجل الثاني في “الجماعة”.

في الخطاب السياسي حدث افتراق جذري، فالقيادة السابقة أطلقت وثيقتها العصرية “رؤية وطن” التي تتحدث فيها عن الدولة المدنية وحصرية السلاح بيد الدولة وتكريس الحوكمة الرشيدة، وبدا أن الأصابع التي خطت هذه الورقة ومفرداتها جرى إبعادها عن الواجهة لمصلحة خطاب جديد أعاد إلى الأذهان مراحل سابقة قبيل تحرير الجنوب في العام 2000

وبرغم فشل “الجماعة” في تحويل وسم “بيروت عاصمة المقاومة” إلى “ترند”، إلا أن ضعف التفاعل يُبرز أمرين في الوقت نفسه:

الأول؛ أن حالة التخبط والضياع التي أصيبت بها الساحة السنية منذ سنوات تعثر “الربيع العربي” باتت المؤثر الأول على أي حالة تفاعل أو تأييد لأي خط سياسي وتحديداً مشروع الإسلام السياسي الذي يعيش حالياً حالة تراجع وتقهقر في الإقليم.

الثاني؛ أن مزاج الشارع السني ليس من السهل اقتياده من ضفة إلى ضفة بسرعة البرق، فهذا المزاج قبيل “طوفان الأقصى” كان يتركز على الاستفاقة من صدمة خروج “تيار المستقبل” من الشارع السني وما نتج عنه من حالة ضياع وتشتت “زعاماتي” وقيادي، والأكيد أن الأغلبية الساحقة من المكون السني، وبحسب الأرقام التي تتمظهر في الاستحقاقات الانتخابية، تُظهر صعوبة أن تحصل التيارات الإسلامية اللبنانية على حضور وازن في المجلس النيابي وحتى في البلديات على عكس كل المزاج الشعبي في العالم العربي والذي كان دائماً ما يميل إلى الإسلاميين في الاستحقاقات الانتخابية وتحديداً في البرلمانات والمجالس المحلية.

واليوم ومع الثورة التكنولوجية والسيولة الثقافية الحاصلة، من اللافت للإنتباه عدم قدرة الحركات الإسلامية اللبنانية على مواكبة هذه الثورة على الرغم من أن نظراءها في تركيا ودول جنوب شرق آسيا (ماليزيا وأندونيسيا) وبعض دول أوروبا تمكنوا من التكيف معها ومواكبتها، وهذا الفشل في الالتحاق الثقافي مرده الرئيسي ضعف الاجتهادات الدينية وتراجع الخطاب المعتدل وتصدر أصحاب خطاب التسطيح الفكري، ما يُعزّز الافتراق بين الأجيال الناشئة في الجامعات الرسمية والخاصة وبين هذه الجماعات.

هواجس سنية.. سراً وعلناً!

وعلى الرغم من أن السجال الإعلامي كان ظاهراً بين النواب الخمسة: إبراهيم منيمنة، وضاح الصادق، فؤاد مخزومي، مارك ضو وميشال دويهي وبين “الجماعة الإسلامية”، إلا أن النقاشات الأكثر عمقاً كانت بعيدة عن الإعلام وهي ليست وليدة اليوم، بل تُشكّل امتداداً لأكثر من سنتين من القراءة والتمعن على تموضع “الجماعة” السياسي، وتُظهر هذه النقاشات من خلال مجموعة لقاءات واتصالات وتقديرات موقف أهمها:

أولاً؛ مع انتخاب القيادة الجديدة في “الجماعة” في صيف العام 2022، بدا أن شيئاً ما قد تغيّر، فمع فوز جناح “موظفي حماس”، كما يُطلق عليهم في الأروقة الداخلية، ثمة مشاهد سياسية جرى تصديرها للإعلام وبشكل لافت للإنتباه، بدءاً من الإجراءات الأمنية لمركز عائشة بكار، وانتهاءً بحالة الاستنفار والتسلح المحيط بأمين عام “الجماعة” الشيخ محمد طقوش لدرجة أنها لاقت استغراباً داخلياً، فعكفت القيادة على تبريره لزوم الهيبة، إلى درجة أن القيادة الحالية تتحدث عن “إعادة صورة العز التي أطاح بها الأمين العام السابق عزام الايوبي بالتواضع القاتل”!

ثانياً؛ في الخطاب السياسي حدث افتراق جذري، فالقيادة السابقة أطلقت وثيقتها العصرية “رؤية وطن” التي تتحدث فيها عن الدولة المدنية وحصرية السلاح بيد الدولة وتكريس الحوكمة الرشيدة، وبدا أن الأصابع التي خطت هذه الورقة ومفرداتها جرى إبعادها عن الواجهة لمصلحة خطاب جديد أعاد إلى الأذهان مراحل سابقة قبيل تحرير الجنوب في العام 2000، وأبرز تلك المصطلحات: “يدنا على منتصف الزناد”، وهذا الكلام تزامن مع توقيع لبنان على اتفاق الترسيم البحري برعاية أميركية، وبالتوازي مع مرحلة المصالحات الإقليمية بين “حزب الله” وايران من جهة وبين دول المنطقة وتحديداً السعودية والامارات ومصر من جهة أخرى، ما يعني أن الأزمة ليست في الخطاب، بل تمتد إلى عمق التحليل السياسي للأحداث والتحولات.

إقرأ على موقع 180  "دين العقل وفقه الواقع".. سباحة فكرية بلا يقينيات

ثالثاً؛ حافظت “الجماعة” في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية ثم الإستقطابات (2005 حتى الأمس القريب) على أدبيات سياسية وأطر تواصل مع الإعلام اللبناني الذي وبرغم التهميش الذي يمارسه أحياناً إلا أن الاحترام كان سمة التعاطي طيلة العقدين الأخيرين، لكن ومنذ أيلول/سبتمبر 2022 حدث افتراق كبير مع هذه الأدبيات التاريخية، تم التعبير عنه مع تهديد مسؤول جهاز أمن “الجماعة” مقداد قلاوون إحدى الصحافيات اللبنانيات على خلفية مقالة، ثم على صحافي آخر عبر كيل التهم للقيادة السابقة و”مؤامراتها على القيادة الجديدة”، وليس آخرها الاعتداء على صحافي في قاعة مناسبات اجتماعية والتي أفضت إلى دعوى قضائية للمرة الأولى في تاريخ علاقة “الجماعة” بالصحافة اللبنانية.

سجال “الجماعة” مع نواب العاصمة اللبنانية إذا لم تجرِ معالجته بحوارات حقيقية عميقة توضح الأسباب وتُبدّد الهواجس، فإن حالة “الحنق السياسي” تجاه التنظيم مرشحة للتصاعد في المرحلة المقبلة، وهذا الموقف لا يمكن حلّه بخطاب المظلومية وسردية المحنة والحصار والحديث عن “الأجندات” الخارجية والداخلية!

رابعاً؛ مع دخول “الجماعة” عهد تلزيم الموقف السياسي لحركة “حماس”، بدا أن السردية السياسية ألقت بظلالها على العلاقات الداخلية مع مختلف الأطراف، فمركز عائشة بكار أصبح جزءاً لا يتجزأ من محور “قوى 8 آذار” مع استقبال رئيس “حزب التوحيد العربي” وئام وهاب وقيادتي “حزب الله” وحركة “أمل” و”الحزب الديموقراطي اللبناني” و”جبهة العمل الإسلامي” والشيخ ماهر حمود، فيما غابت عنه زيارات ما تبقى من “قوى 14 آذار” مثل “القوات اللبنانية” و”الكتائب” و”الاعتدال الوطني” و”تجدد”، باستثناء “الحزب التقدمي الاشتراكي” الحريص على علاقة متوازنة مع كل مكونات إقليم الخروب، ما يعني ابتعاد “الجماعة” عن حالة “الوسطية” التي كانت تمتاز بها بين “حزب الله” ومعارضيه.

خامساً؛ إن اعتراض منيمنة وزملاءه لا ينحصر بهذا الحد؛ ثمة لقاءات سياسية على مستوى نواب ووزراء وشخصيات سنية تُبدي منذ أشهر تخوفها من حالة الاستقطاب العسكري للحالة الجهادية، وعلى الرغم من التهويل الحاصل لهذه الحالة نتيجة مخاوف بعض الدول، إلا أن مظاهر الاستعراض العسكري التي جرت في صيدا مع تشييع الشهيد محمد بشاشة والشيخ صالح العاروري في بيروت ومؤخراً مع تشييع شهداء “الجماعة” الثلاثة، زادت منسوب المخاوف من إمكانية اقدام أطراف إقليمية على استثمار هذا الاستنفار في المستقبل إذا قرّرت “الجماعة” فتح أبواب الانتساب لـ”قوات الفجر” من البيئة السنية المفتوحة، ما قد يُعزّز المخاوف بممارسات مستقبلية اذا ما جرى ضبط هذا الكيان الجهادي.

سادساً وأخيراً؛ ثمة شعور سني أنه ومع اقصاء “الثلاثي” عزام الأيوبي (الأمين العام السابق) وعماد الحوت (النائب الوحيد لـ”الجماعة” في مجلس النواب) وأحمد العمري (الرئيس السابق لـ”هيئة علماء المسلمين”) وتصدر التيار الأمني والعسكري للصورة، فإن حالة التململ الداخلي بات يُعبّر عنها في النقاشات الداخلية.

وعليه، فإن سجال “الجماعة” مع نواب العاصمة اللبنانية إذا لم تجرِ معالجته بحوارات حقيقية عميقة توضح الأسباب وتُبدّد الهواجس، فإن حالة “الحنق السياسي” تجاه التنظيم مرشحة للتصاعد في المرحلة المقبلة، وهذا الموقف لا يمكن حلّه بخطاب المظلومية وسردية المحنة والحصار والحديث عن “الأجندات” الخارجية والداخلية!

Print Friendly, PDF & Email
صهيب جوهر

صحافي لبناني وباحث مقيم في مركز "أبعاد" للدراسات الإستراتيجية في لندن

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  السياسة الخارجية اللبنانية.. ولّى الزمن الذهبي