“ناتو الشرق الأوسط” يُطل برأسه.. من جديد!

برغم حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، للشهر التاسع على التوالي، لم يجد قادة عدد من الجيوش العربية حرجاً في المشاركة في اجتماع عسكري عربي ـ إسرائيلي، استضافته دولة البحرين هذا الأسبوع، برعاية قائد القيادة العسكرية المركزية الأميركية الجنرال مايكل إريك كوريلا، وبحضور رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال هرتسي هاليفي وضباط عرب يمثلون السعودية والامارات والبحرين ومصر والأردن، كما نقل موقع "إكسيوس" الأميركي.

فكرة التعاون الأمني الإقليمي بين هذه الجيوش طُرحت للمرة الأولى علناً في مستهل عهد الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، قبل أن نرى فكرة “ناتو الشرق الأوسط” تُترجم عملياً في لحظة الهجوم الجوي الإيراني على الكيان الإسرائيلي في أواسط شهر أبريل/نيسان الماضي رداً على الاستهداف الإسرائيلي للقنصلية الإيرانية في دمشق.

عندما طُرح الاقتراح القاضي بجمع دول الخليج العربي ومصر والأردن مع الولايات المتحدة الأميركية ضمن تحالفٍ شبيهٍ بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لم ينل استحسان بعض الدول العربية التي لطالما كانت تتكل على الضغوط الأميركية الغربية على إيران، غير أن أحد أبرز الأسباب التي أدت إلى التردّد العربي هو أن الخطة المستقبلية كانت تقضي بانضمام إسرائيل إلى “الحلف”؛ الفكرة التي كانت صعبة الهضم (علناً) وقتها عند بعض الدول العربية، برغم التشبيك الأمني الحاصل من تحت الطاولة؛ أما وقد أطلقت إيران قبل شهرٍ صواريخ وطائرات مُسيَّرة، حلَّقت في أجواء دول عربية عدة، وهي في طريقها للوصول إلى الأهداف الإسرائيلية في فلسطين المحتلة، فقد وجدت هذه الدول في الرد الإيراني خطوة “بالغة الخطورة” تجعل إحياء فكرة ذلك التحالف أمراً قابلاً للنقاش، إن لم يكن قد تكرَّس عملياً قبل الإعلان عن ولادته رسمياً.

استندت الولايات المتحدة، إلى ثلاثة معطيات من أجل طرح فكرة التحالف الإقليمي المنشود، وهي:

أولاً؛ تَوجُّه إدارة الرئيس الأميركي ترامب نحو تقليل مساهمات بلاده في توفير الحماية لبعض الدول، خصوصاً دول الخليج العربي (كما ألمح إلى ذلك مع الأوروبيين)، وبالتالي ضرورة أن تعقد تحالفاً ناجعاً في مواجهة التحديات الماثلة أمامها.

ثانياً؛ وجدت واشنطن في تحالف “درع الجزيرة” حلفاً قاصراً، حين عجز عن إنجاز المهمة التي أوكلها لنفسه في اليمن منذ العام 2015 حتى الأمس القريب، ما يُحتم البحث عن بديل أكثر نجاعة.

ثالثاً؛ مواجهة إيران التي تُعدّها بعض دول الخليج مصدر خطر دائم عليها، منذ انتصار الثورة الإيرانية في العام 1979،علاوة على مواجهة الإرهاب الذي تمثل في تلك الفترة بتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)”، وتفضيل ترامب الانسحاب من تلك المهمة بعد تدخل قوات بلاده في سوريا. وقد تداول الإعلام في تلك الفترة تسميات عدة لذلك الحلف، منها “ناتو الشرق الأوسط”، مع العلم أن الأميركيين أطلقوا عليه تسمية مؤقتة هي “تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي”، وتمثل الاختصار الإنكليزي له بكلمة (MESA) أو “ميسا” بالعربية.

غير أن بعض وسائل الإعلام العربية اعتمدت تسمية “الناتو العربي”، بعدما تحدّث عنها نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الخليج العربي، في تلك الأيام، تيموثي ليندركنغ، في لقائه مع صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، في 26 سبتمبر/أيلول 2018، والذي حدد ثماني دول عربية سيضمها الحلف إلى جانب الولايات المتحدة، وحدّد له هدفاً هو مواجهة الأخطار التي تتربص بالخليج، ومصدرها الإرهاب وإيران، على حد تعبيره.

ومع عدم وضوح شكلٍ محدّدٍ لـ”الإرهاب” الذي تحدث عنه الأميركيون، تبيَّن مع الوقت أن إيران هي الهدف الأساس من وراء انشاء هذا التحالف. لكن الكلام حول الحلف ازداد حين جال وزير الخارجية الأميركية خلال عهد ترامب، مايك بومبيو، على دول الخليج الست ومصر والأردن، في أوائل يناير/كانون الثاني 2019، في زيارة خصّصها للتسويق للحلف المذكور وتحدث علناً عنه في خطاب ألقاه، وقتذاك، في القاهرة.

في العام 2024، وعلى وقع تداعيات “طوفان الأقصى”، استهدف الإٍسرائيليون مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، في 1 أبريل/نيسان الماضي، وجاء قرار الرد الإيراني المباشر ليوفّر ذريعة كافية من أجل تنظيم وتنسيق رد أميركي ـ إسرائيلي ـ عربي في مواجهة الهجوم الذي أعلنت طهران عزمها القيام به رداً على قصف القنصلية الإيرانية.. ثم نفّذته في ليل 13ـ14 نيسان/أبريل الماضي.

وإذ جرى الحديث علناً عن تصدي الطائرات الحربية الأردنية لبعض الأهداف التي أطلقتها إيران، وفتح أجواء الأردن أمام المقاتلات الأميركية وغيرها، وبرغم ابلاغ طهران عواصم خليجية (بما فيها بغداد) عن نيتها الرد قبل ساعات من “ساعة الصفر”، لم تتوانَ هذه العواصم عن تقديم كل ما تملك من معلومات استخباربة للجانبين الأميركي والإسرائيلي، علاوة عن فتح دول عربية أخرى مجالاتها الجوية أمام الطائرات الحربية الأميركية، ومشاركة معلومات التتبع بالرادار بين الجميع. ومهما كان حجم هذه المشاركة العربية إلا أنها تعد خطوة غير مسبوقة في إطار التنسيق العسكري بين الإسرائيليين والعرب، وهي الخطوة (المُحرّمة سابقاً) التي لم تفلح الولايات المتحدة في تحقيقها، من خلال اتفاقات التطبيع المختلفة التي رعتها بين الإسرائيليين والعرب.

عملياً؛ أفشى الإسرائيليون بما يرغب العرب في سَتْرِه، خصوصاً في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة وتنفيذ الجيش الإسرائيلي جرائم إبادة يومية بحق الشعب الفلسطيني هناك؛ إذ أعلن عضو مجلس الحرب الإسرائيلي السابق، بني غانتس، في تصريح متلفز عشية الهجوم الإيراني، في 14 أبريل/نيسان الماضي: “سنُقيم تحالفاً إقليمياً ونجبي الثمن من إيران”. ولمّح غانتس إلى تحالف التأمَ يومها حين أشار إلى نجاح ما اسماه “الائتلاف الاستراتيجي ومنظومة التعاون الإقليمي التي بنيناها في الاختبار الكبير ويجب تعزيز هذا الائتلاف الآن”. ولكي يحض الأطراف العربية على السير في هذا الاتجاه، لم ينسَ غانتس النفخ في فزاعة “الخطر الإيراني” قائلاً: “إيران مشكلة عالمية وتحدٍّ إقليمي وهي أيضاً تُشكّل خطراً على إسرائيل”..

إقرأ على موقع 180  حوار 25: مصالحة بين جنبلاط وحزب الله.. وللحريري مطلبه

واذا رصدنا الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وإسرائيل، منذ سنوات، لتأسيس تحالف عسكري مع بعض الدول العربية (بالمناسبة تم التأسيس لهذا المشروع في الاجتماعات الأمنية العربية الإسرائيلية التي عقدت في شرم الشيخ في أعقاب حرب تموز/يوليو 2006)، فإن الولايات المتحدة ماضية في مسعاها لشيطنة إيران من جهة وتحشيد الدول العربية (إلى جانب إسرائيل) في مواجهة “التهديد الإيراني” من جهة أخرى. هذا الأمر سيرتد على توازنات المنطقة وتحالفاتها ولن يساهم إلا في تثبيت حالة عدم الإستقرار، وسيؤدي احتدام صراع الطرفين الإسرائيلي والإيراني على النفوذ في المنطقة العربية، إلى جعل شعوب المنطقة الخاسر الأكبر من استمرار وتوسع هذا الصراع وأخذه أشكالاً جديدة.. وسيُؤدي هذا الواقع إلى زيادة منسوب الضغط على الشعوب العربية، وعلى ما تبقى من حرية رأي وتعبير، ذلك أن الشركاء العرب في “الناتو الشرق أوسطي”، سيجدون أنفسهم معنيين بقمع أية تعبيرات في الشارع العربي دعماً لفلسطين وإدانة للمجازر الإسرائيلية، ما يؤدي إلى زيادة الاستبداد وقمع الشعوب وسلبها حقوقها، وهي التي لم يكن ينقصها إلا حلفٌ مع الإسرائيليين يساهم في زيادة مآسيها.

Print Friendly, PDF & Email
مالك ونّوس

كاتب ومترجم سوري

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  هوكشتاين.. "روحوا بلطوا البحر"!