قدم أوكرانية في “الأطلسي”.. تُعيد روسيا إلى هافانا وبيونغ يانغ!

تصعيدٌ يُقابله تصعيد. تلك سمة الحرب الروسية-الأوكرانية التي تمر بعامها الثالث. اتفاق أمني أميركي-أوكراني يضع رجلاً لكييف في حلف شمال الأطلسي، يدفع روسيا وكوبا إلى التذكير بأزمة 1962 وإيحاءاتها النووية. تعاون عسكري بين اليابان وأوكرانيا يستعجل قدوم فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية التي لا تكلّ عن اجراء تجاربها الصاروخية، غير بعيد عن أجواء طوكيو، التي تنبعث نزعتها العسكرية بعد عقود من الرقاد.   

بينما العالم كله يتشكل على صخب الحروب التي تفجّرت في عهد الرئيس الأميركي جو بايدن، من أوكرانيا إلى غزة والسودان وعشرات النزاعات المتقدة على نار خافتة في غير منطقة من العالم، يستخدم الرئيس الأميركي الأشهر المتبقية من ولايته الأولى التي من غير المضمون تجديدها في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، للدفع نحو توفير مظلة أمنية لأوكرانيا تحمل صفة الاستمرارية، حتى ولو عاد دونالد ترامب إلى الرئاسة مع كل الهواجس التي يُثيرها في الدول الأوروبية حول امكان النأي بأميركا عن أوكرانيا، وتالياً تمكين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الانتصار في الحرب.

الاتفاق الأمني لمدة عشرة أعوام الذي وقّعه بايدن والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة بوليا بجنوب إيطاليا، يوم الخميس الماضي، لا شبيه له إلا الاتفاق المماثل بين أميركا وإسرائيل. وهذا يعطي فكرة عن النقلة الاستراتيجية التي يُوفّرها الاتفاق الذي يجعل العلاقات العسكرية بين واشنطن وكييف مشابهة إلى حد كبير لتلك القائمة بين الولايات المتحدة والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ومع ذلك، لا يرقى الاتفاق الأميركي الأوكراني إلى مستوى المعاهدة التي تستوجب مصادقة الكونغرس الأميركي، ولذلك في امكان ترامب لو فاز في الانتخابات إلغاء الاتفاق إذا شاء.

ومن باب التحوط لهذا الاحتمال، دفع بايدن نحو توقيع اتفاق أمني مماثل بين اليابان وأوكرانيا، في أول دور أمني واسع يمكن أن تلعبه طوكيو على الساحة الأوروبية. وسبق لفرنسا أن وقعت اتفاقاً مماثلاً ستُوفر باريس بموجبه مقاتلات “ميراج 2000” لكييف.

إذا كانت معظم دول حلف شمال الأطلسي لم تلبِ دعوة ماكرون إلى ارسال قوات إلى أوكرانيا، فإن السماح باستخدام الأسلحة الغربية، ينطوي على مجازفة كبيرة في تقريب احتمالات الصدام المباشر مع روسيا. الرد الروسي جاء على شكل مناورات بالأسلحة النووية التكتيكية قرب الحدود مع أوكرانيا. وأعلن بوتين أنه منذ الآن فصاعداً ستُرسل موسكو أسلحة إلى الدول التي تعادي الولايات المتحدة

لم يكن الاتفاق الأمني وحده الضمانة لاستمرارية المساعدة العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا، إذ هناك القرار الذي اتخذه قادة مجموعة السبع بصرف 50 مليار دولار من عوائد الفوائد المترتبة على الودائع الروسية المجمدة في المصارف الغربية البالغة أكثر من 300 مليار دولار، وتحويلها على شكل مساعدات بعيدة المدى لأوكرانيا من أجل بناء قاعدة عسكرية دفاعية تغنيها عن شراء الأسلحة من الغرب. وبذلك تكون ادارة بايدن والدول الأوروبية قد ضمنت تلافي أزمة كتلك التي نجمت عن تجميد المساعدات العسكرية الأميركية لمدة أشهر بفعل خلافات داخل الكونغرس.

هذا الدعم الغربي الجديد لأوكرانيا، أتى مصحوباً بحزمة عقوبات أميركية واسعة طاولت 300 فرد وكيان في روسيا ودول أخرى تتعامل مع البنوك الروسية الخاضعة للعقوبات. هناك شركات صينية كثيرة استهدفتها هذه الموجة من العقوبات، بتهمة توفير التكنولوجيا اللازمة للصناعات العسكرية الروسية.

وتحت وطاة الحاح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بضرورة مبادرة حلف شمال الأطلسي إلى تقديم دعم نوعي لأوكرانيا بعد التقدم الروسي في منطقة خاركيف بشمال شرق البلاد، سمح بايدن للجيش الأوكراني باستخدام الأسلحة الأميركية في قصف أهداف روسية في نطاق جبهة خاركيف.

وتستخدم كييف الآن بفاعلية صواريخ “سكالب” الفرنسية و”ستورم شادو” البريطانية البعيدة المدى في قصف أهداف في الداخل الروسي، كما حصلت على ترخيص من المستشار الألماني أولاف شولتس باستخدام الأسلحة التي تبرعت بها برلين لكييف، يُجيز قصف الأراضي الروسية.

ويُلحق القصف الأوكراني بالمُسيرات والصواريخ خسائر كبيرة بالمطارات العسكرية ومصافي النفط الروسية، وعلى وجه الخصوص تلك الواقعة في شبه جزيرة القرم، التي تقول صحيفة “الإيكونوميست” البريطانية، إن القيادة الأوكرانية تحاول جعل إقامة القوات الروسية فيها أمراً مستحيلاً، لا سيما بعدما تمكنت المُسيّرات الجوية والبحرية الأوكرانية من تحييد ثلث أسطول البحر الأسود الروسي، واضطرار موسكو إلى ابعاد بقية السفن إلى مناطق أكثر أماناً.

وإذا كانت معظم دول حلف شمال الأطلسي لم تلبِ دعوة ماكرون إلى ارسال قوات إلى أوكرانيا، فإن السماح باستخدام الأسلحة الغربية، ينطوي على مجازفة كبيرة في تقريب احتمالات الصدام المباشر مع روسيا.

الرد الروسي على الاندفاعة الغربية التسليحية، جاء على شكل مناورات بالأسلحة النووية التكتيكية قرب الحدود مع أوكرانيا. وأعلن بوتين أنه منذ الآن فصاعداً ستُرسل موسكو أسلحة إلى الدول التي تعادي الولايات المتحدة.

وفي ترجمة فعلية لكلام بوتين وصلت إلى ميناء هافانا، أربع سفن حربية روسية بينها الغواصة “كازان” التي تعمل بالطاقة النووية والفرقاطة “الأدميرال غروشكوف” التي سُميت هكذا تيمناً بقائد الأسطول السوفياتي السابق، لإجراء مناورات مشتركة مع البحرية الكوبية. وكي لا تتخذ الأمور طابعاً يُذكّر بأزمة 1962 النووية، أكدت هافانا أن السفن الروسية لا تحمل أسلحة نووية. وقلّلت واشنطن من شأن الحدث باعتبار أنها ليست المرة الأولى التي تزور فيها سفن حربية روسية موانىء كوبية. ومن كوبا ستُعرّج السفن الروسية على فنزويلا، الدولة الأخرى الحليفة لروسيا والمناوئة للولايات المتحدة.

إقرأ على موقع 180  صيفٌ ملتهبٌ، خريفٌ مضطربٌ.. ونهايةُ سنة متفجرة عالمياً!

وبينما استضاف الحلفاء زيلينسكي خلال إحياء الذكرى الـ80 لإنزال النورماندي في فرنسا في 8 حزيران/يونيو، استضاف بوتين الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل في أيار/مايو الماضي في موسكو خلال احتفال روسيا بالانتصار على ألمانيا النازية، في اشارة إلى توثيق العلاقات الروسية-الكوبية في هذه المرحلة. ترافق ذلك مع تقارير عن تجنيد روسيا كوبيين للقتال في الحرب ضد أوكرانيا في مقابل بدل شهري يصل إلى ألفي جنيه استرليني، وعن توظيف روسيا استثمارات في القطاعين السياحي والزراعي الكوبي، وامكان إحياء العصر الذهبي للعلاقات الروسية-الكوبية بين 1962 و1991، عندما كانت الدولتان تتبادلان النفط مقابل السكر وعندما كان الكوبيون في عهد “الرفيق” فيديل كاسترو يُسمُون مواليدهم بأسماء روسية.

ومن كوبا إلى آسيا، حيث ينظر الغرب بقلق بالغ إلى تنامي العلاقات العسكرية بين روسيا وكوريا الشمالية، في ضوء زيارة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ-أون العام الماضي لموسكو، والزيارة المرتقبة لبوتين إلى بيونغ يانغ في غضون أيام. وتتهم واشنطن كوريا الشمالية بتزويد روسيا بالقذائف المدفعية وراجمات الصواريخ في مقابل مساعدة الكرملين كيم جونغ-أون في تعزيز برنامجه الصاروخي، الذي يُسبّب متاعب لكوريا الجنوبية واليابان، المتحالفتين مع واشنطن.

 وفي ناحية أخرى جديرة بالاهتمام، كرّس قادة مجموعة السبع الكثير من الوقت خلال قمتهم الإيطالية، لدرس الوسائل الكفيلة بجعل الصين تمتنع عن مساعدة روسيا في الالتفاف على العقوبات الغربية. اتهامات قادت بكين إلى عدم تلبية دعوة كييف للمشاركة في مؤتمر دولي عقد في سويسرا السبت والأحد الماضيين للبحث في عملية السلام في أوكرانيا.

يفرض واقع التطوير المتسارع للمساعدات العسكرية الأطلسية لأوكرانيا، طرح السؤال الآتي: هل اقترب النزاع الأوكراني من التحول إلى حرب روسية-غربية تُطلق شرارة الحرب العالمية الثالثة؟

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  أمريكا والسعودية والتغيير الحتمي.. مَنْ يسبُق مَن؟