لبنان جبهة إسناد أم ساحة رئيسية للحرب؟

سجّلت إدارة جو بايدن رقماً قياسياً في زيارات كبار المسؤولين فيها، إلى منطقة الشرق الأوسط، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر حتى يومنا هذا، بدءأً ببايدن نفسه (18 ت1/أكتوبر) وصولاً إلى المبعوث الرئاسي آموس هوكستين الذي تكتسب جولته الحالية بين تل أبيب وبيروت طابعاً إستثنائياً ربطاً بالتحذيرات (الأصح بالتهديدات) التي حملها من إسرائيل إلى لبنان.

أكثر من مائتين وخمسين يوماً على الحرب الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، ربما لم تكن كافية لكي تتبلور قناعة لدى المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل بقبول خيار الوقف النهائي والدائم لاطلاق النار تمهيداً للبدء بعملية تبادل للأسرى من الجانبين. هذا يعني أن خطة الرئيس الأمريكي لوقف اطلاق النار في قطاع غزة التي مضى على تسليمها إلى حركة حماس ثلاثة أسابيع ستبقى مُعلقة ومجهولة المصير، في ضوء عدم تقدم الإسرائيليين بملاحظاتهم المكتوبة عليها، برغم الزيارة الثامنة التي قام بها وزير خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وبرغم المنحى الإيجابي الذي تضمنه رد حركة حماس على الخطة والذي سلّمته الى قطر ومصر، معطوفاً على ملاحظات جميع فصائل المقاومة الفلسطينية على الخطة ولا سيما رفض “الفيتو” الإسرائيلي على أسماء تضمنتها لائحة الأسرى الفلسطينيين وتحديداً الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد السعدات والقيادي الفتحاوي البارز مروان البرغوثي، فضلاً عن تفاصيل تتعلق بالضمانات التي تحول دون الانزلاق مجدداً إلى هدنة جديدة لا إلى وقف الحرب.

وقد وضعت حركة حماس سقفاً غير قابل للتنازل يتضمن العناصر الآتية: وقف نهائي ودائم للنار، انسحاب جيش الإحتلال الكامل من قطاع غزة، عودة النازحين الفلسطينيين إلى المدن والقرى التي كانوا يقيمون فيها، رفع الحصار، إطلاق برنامج إغاثي عاجل والبدء بورشة الاعمار فوراً.

وفي انتظار أن تُجاهر إسرائيل ببلوغها الحائط المسدود، خصوصاً أنها بدأت باطلاق تسريبات عن قرب انتهاء عمليتها العسكرية في رفح وجنوب قطاع غزة، وهو مسار قد يحتاج إلى أسابيع وربما أشهر إضافية، فإن المقاومة الفلسطينية، تحاول من خلال الواقع الميداني في غزة والضفة الغربية وبالتشاور مع حلفائها في الإقليم، ولا سيما حزب الله، أن توفر صياغات من شأنها كسر الاستعصاء الميداني لتدفيع الإحتلال أثماناً أكبر، بما يجعل كلفة الحرب الآن أكثر مما كانت عليه في الأشهر الأولى.

في هذا السياق، شهدنا هذا التطور النوعي في عمليات المقاومة على أرض غزة من جهة وهذا التدرج في القدرات والضربات النوعية للمقاومة اللبنانية (وآخرها ما رصدته مُسيّرة “هدهد” في حيفا والكريات) من جهة أخرى، وهو الأمر الذي جعل الإدارة الأمريكية تطلب من الموفد الرئاسي آموس هوكستين التوجه على الفور إلى تل أبيب للاستماع إلى هواجس القادة الإسرائيليين إزاء ما يحصل على الجبهة الشمالية مع لبنان، في ظل تبلور قناعة إسرائيلية أن “سر” ثبات موقف حماس في المفاوضات يتصل بالتطورات النوعية التي تشهدها الجبهة الشمالية مع لبنان، فهل تذهب إسرائيل فعلاً إلى خيار الحرب الشاملة مع لبنان فينتقل لبنان من جبهة إسناد إلى ساحة حرب رئيسية؟

من المعروف أن قرار الحرب بهذا المستوى لا يمكن لإسرائيل أن تتخذه منفردة ومن دون ضوء أخضر أمريكي، وهو أمر غير متوفر حتى الآن لأسباب أولها أمريكي، فدخول المنطقة في حرب شاملة من شأنه أن يُقوّض فرص بايدن في الفوز في الانتنخابات الرئاسية المقررة في الخريف المقبل، لما يمكن أن يتسبب به من تداعيات خطيرة على المصالح الأمريكية في الشرق الاوسط، أما في الأسباب الإسرائيلية، فان الأمور أعقد من ذلك بكثير، وهي تتصل بشقين استراتيجي وتكتيكي.

في الأسباب الاستراتيجية، أن قرار الحرب الشاملة على لبنان يتطلب من الحكومة الإسرائيلية أن تُحدّد مسبقا أهداف هذه الحرب، وهي بطبيعة الحال لن تكون أقل من “سحق حزب الله” (على طريقة سحق حماس حالياً وحزب الله في العام 2006) وجر الحكومة اللبنانية إلى توقيع اتفاق سلام على غرار اتفاق السابع عشر من مايو/أيار عام 1983 يضمن لإسرائيل اليد العليا في الداخل اللبناني من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه. وهذا الأمر شبه مستحيل حالياً، فالوضع السياسي الإسرائيلي المُفكّك حالياً لا يُمكنه أن يتوصل إلى قرار بهذا الحجم، والوضع الدولي لا يعطي لإسرائيل ميزة الغطاء الذي تمتعت بها في حروبها السابقة ضد لبنان لا سيما بعد العزلة الدولية التي باتت تعانيها إثر المجازر المروعة التي ارتكبها وما يزال يرتكبها جيشها في قطاع غزة للشهر التاسع على التوالي، كما أن جيشها الذي لم يستطع حسم الحرب في غزة يُستنزف يومياً ولا يملك الجهوزية المطلوبة لهكذا حرب تتطلب دعماً أمريكياً مفتوحاً بالسلاح والذخائر وحتى بالغطاء الدولي والدبلوماسي ناهيك بحاجته لتعبئة عسكرية واسعة من شأنها أن تُعطّل الاقتصاد الإسرائيلي كلياً لفترة لا أحد يستطيع التحكم بمداها.

أما في الأسباب التكتيكية، فإن المضي إلى حرب شاملة على جبهة لبنان مع استمرار الاستنزاف في قطاع غزة والضفة الغربية، يتطلب حشد أكثر من مائة ألف جندي على الحدود مع لبنان بكامل عتادهم وآلياتهم، فكيف لهذا الجيش ان يتمكن من تنفيذ هذا الحشد تحت النيران الكثيفة لحزب الله براً وجواً في الوقت الذي لم يتمكن من حماية المستوطنين في تلك المنطقة؟ ومن الناحية العسكرية أيضاً فإن أي هجوم يتطلب بعد حشد القوات ما يسمى بـ”فتح النسق القتالي” لهذه القوات قبل التقدم، وهنا تكمن معضلة أخرى، فلا يستطيع أي جيش الانطلاق إلى حرب من دون تأمين سلامة “فتح النسق القتالي”، وهو أمر متعذر جداً مع القدرة النارية التي يتمتع بها حزب الله. ولتعويض ذلك، كما يقول القائد السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تامير هيرمان، “ينبغي على إسرائيل أن تلجأ إلى القوة النارية الهائلة ضد كل المناطق التي تعتبر بيئة حاضنة لحزب الله”، ويضيف “أن الحرب في لبنان تتطلب احتياطاً كبيراً وإذا طال أمدها فمن المتوقع أن يتضرر الإقتصاد الإسرائيلي والاحتياط من الرجال والنساء وقد يجد الجيش الإسرائيلي نفسه في مواجهة أزمة خطيرة. إن الحل هنا يكمن في تقصير مدة الحرب، والتخطيط للحرب في الشمال يجب أن يتضمن هذا العنصر، ولتقصير مدة الحرب يمكن التصرف بطريقتين: استخدام اقصى قدر من القوة في أقل وقت ممكن وعلى حين غرة (عنصر المفاجأة غير متوفر) في بداية الحملة أو تحديد أهداف حربية متواضعة. من الناحية العسكرية الخيار الأول هو الافضل.. إن استخدام أقصى قدر من القوة في بداية الحملة وتحديد أهداف طموحة من المتوقع أن يؤدي إلى عدد كبير من الضحايا غير المتورطين في الجانب اللبناني وأضرار جسيمة لدولة لبنان، ومن المشكوك فيه إذا كانت إسرائيل لديها دعم دولي أم لا لتمكين ذلك”.

إقرأ على موقع 180  الحدود الأردنية-السورية.. الضفة، السلاح والجدار!

ويستدرك هيرمان قائلاً “قبل أن نُقرّر شن حرب شاملة ضد حزب الله علينا أن نُحدّد كيف ستنتهي. ما الذي سيدفع المنظمة اللبنانية إلى قبول وقف اطلاق النار؟ وتحت أي ظروف؟ ما هو الوضع العسكري الذي سيجبر التنظيم بقيادة حسن نصرالله على ذلك؟ من هم الحلفاء الدوليون الذين سيساعدوننا في تحقيق النتيجة النهائية. إن هذه الأسئلة الصعبة يجب أن يتم البت فيها حتى قبل عبور الدبابة الأولى الخط الحدودي من الشمال”.

لقد أصاب هيرمان عين الحقيقة بطرحه الأسئلة آنفة الذكر، وبالتالي فإن كل منها يؤكد أن لا امكانية لإسرائيل أن تشنّ مثل هذه الحرب إلا بقرار أمريكي يتحمل فيه صاحب القرار كل النتائج المترتبة عنه، فحزب الله ليس يتيماً في المنطقة، وحلفاؤه ينتظرون “ساعة الصفر” من اليمن والعراق إلى “زينبيون” في باكستان مروراً بإيران وليس صدفة أن تُنشر معلومات عن استعداد عشرات آلاف المقاتلين العرب والأفغان والعراقيين والسوريين للمشاركة في الحرب إذا ما توسعت نحو لبنان.

وبهذا نعود مجدداً إلى بيت القصيد، وهو أن إسرائيل لا تستطيع مواصلة حربها إلى ما لا نهاية في غزة، وأن فكرة وقف اطلاق النار على جبهة لبنان غير واردة من دون وقف حرب غزة.. وبالتالي فان الراعي الأمريكي لإسرائيل بات ملزما بتعديل خطة بايدن لوقف اطلاق النار من دون التشاطر وإلا فان “الستاتيكو” القائم يُمكن أن ينكسر في لحظة ما بفعل تدحرج أو خطأ غير محسوب من هذا الطرف أو ذاك.

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  لكتبة الإنذار الخليجي للبنان: "بلوه واشربوا ميتو"!