في أمريكا.. مكارثية جديدة دفاعاً عن إسرائيل!

لم تتوقف محاولات استهداف الطلاب والأساتذة والجامعات التى شاركت أو دعمت أو سمحت بالمظاهرات والاعتصامات الواسعة التى شهدتها الولايات المتحدة، العام الماضى، بسبب الدعم الأمريكى الكامل للعدوان الإسرائيلى والإبادة الجماعية الجارية فى قطاع غزة.

ولمواجهة صدمة دعم أغلبية الشباب الأمريكى للحقوق الفلسطينية لم تتوقف حملات اللوبى الإسرائيلى فى مختلف الولايات الأمريكية، مدعوما بحلفائهم من المحافظين الجدد، والإنجيليين المتشددين، وبعض الجهات العربية المشبوهة، لمواجهة تبعات الحراك الطلابى بكل الطرق المتاحة والمتصورة.

ويُذكر كل ما سبق بمناخ فترة المكارثية فى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضى. وتميزت هذه الفترة بالقمع السياسى والاضطهاد للأفراد اليساريين وسط حملة تنشر الخوف من التأثير الشيوعى والسوفيتى المزعوم على المؤسسات الأمريكية.
ومع توافر تهمة العداء للسامية لاستخدامها ضد أى طرف مخالف حتى من الجماعات اليهودية التقدمية المعارضة للسياسات الإسرائيلية، وفعاليتها كسلاح حاد، ومؤثر، انتقل اللوبى الإسرائيلى إلى مرحلة أخرى أكثر خطورة ووحشية فى مواجهة التغيرات البسيطة التى يشهدها المجتمع الأمريكى، والتى تصب فى النهاية لصالح جوانب مختلفة من الحقوق الفلسطينية، الإنسانى، والحقوقى، والسياسى منها.

***

مَثّل وصول دونالد ترامب للحكم مرة ثانية فرصة لم يتردد اللوبى الإسرائيلى فى استغلالها بكل الصور الممكنة. وسهّل من مهمة اللوبى اختيارات ترامب لكبار مساعديه المعروف عنهم تبنى المواقف الإسرائيلية بصورة شبه كاملة، إضافة لاستغلال صمت الحكومات العربية والإسلامية، للتهوين من أى ردود أفعال ذات قيمة أو مكلفة للمصالح الأمريكية.
أصبح من الواضح تأثير جهات ومنظمات يهودية فى جهود ترحيل الكثير من الطلاب غير الأمريكيين ممن شاركوا فى الحراك الطلابى المعارض للدعم الأمريكى للعدوان الإسرائيلى على قطاع غزة. ولم يعد يخفى دور «مشروع إستير» و«حركة بيتار» وغيرهما فى إمداد السلطات الأمريكية بقوائم أسماء ومحل إقامة الطلاب المعارضين من أجل القبض عليهم وترحيلهم، وهو ما يبعث برسالة ترهيب وردع لأى سعى أو تفكير فى فضح الجرائم الإسرائيلية فى حرم الجامعات الأمريكية.
خرج مشروع «إستير» من رحم مؤسسة هيريتيج، وهى أحد أهم مراكز الأبحاث المحافظة، والتى تمد إدارة ترامب بالعديد من مسئوليها، وهى التى طرحت مشروع 2025. ويروج المشروع لسردية أن «الحركة المؤيدة للفلسطينيين، والمعادية لإسرائيل وللصهيونية، والمعادية للولايات المتحدة داخل أمريكا هى جزء من شبكة دعم حماس العالمية». كما يهدف مشروع «إستير» إلى القضاء على المعارضة ضد السياسات الصهيونية، والسيطرة على سرديات القضايا ذات الصلة، وحشد الدعم الممنهج لقمع الأفراد والمنظمات المعارضة بدءا من أنصار الحقوق الفلسطينية.

أما «حركة بيتار» فهى منظمة صهيونية أُسست عام 1923 للترويج للصهيونية بكل الطرق الممكنة فى جميع أنحاء العالم. وتفتخر الحركة بأنها أمدت مسئولى سلطات الهجرة الأمريكية بقوائم طلاب ليتم ترحيلهم، وأنها وضعت الطالب الناشط محمود خليل على رأس «قائمة الترحيل». وأضافت الحركة أنها قدمت جميع المعلومات، منها عنوان السكن وأماكن تواجد النشطاء للجهات المعنية.

***

فى خطابه عن “حالة الاتحاد”، الشهر الماضى، قال ترامب بفخر «لقد أوقفت كل الرقابة الحكومية وأعدت حرية التعبير فى أمريكا»، وقبل ذلك وبّخ نائبه جى. دى. فانس أوروبا فى خطابه فى مؤتمر ميونيخ للأمن فى شباط/فبراير، معلنا أن «حرية التعبير فى تراجع» فى جميع أنحاء القارة الأوروبية. إلا أن إدارة ترامب بدأت حملة مسعورة فى مطاردة المخالفين فى الرأى للدعم الأمريكى لإسرائيل فى عدوانها على قطاع غزة.
وبعد ثلاثة أيام من اعتقال سلطات إدارة الهجرة لمحمود خليل، بصورة تشبه أساليب ديكتاتوريات العالم الثالث، أكد البيت الأبيض أن خريج جامعة كولومبيا، والتى تعد من أفضل جامعات العالم، ولا يُقبل بها إلا 4% من عشرات الآلاف سنويا من المتقدمين للدراسة بها، لم يتم اتهامه بارتكاب أى جريمة. وبدلا من ذلك، أمر وزير الخارجية ماركو روبيو شخصيا باعتقال خليل. وقالت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارولين ليفيت للصحفيين «لوزير الخارجية الحق فى إلغاء البطاقة الخضراء (الجرين كارد) أو أى تأشيرة للأفراد المعادين للسياسة الخارجية ومصالح الأمن القومى للولايات المتحدة». ويمثل اعتقال خليل، وعشرات وربما المئات غيره، نقطة تحول فى كل من سياسة الهجرة لإدارة ترامب وموقفها من المعارضين فى الرأى.
لم يتوقف ترامب عند القبض على الطلاب، إذ بدأ إجراءات دراكونية توقف الدعم الحكومى المالى المقدم للجامعات التى شهدت تظاهرات الطلاب ضد إسرائيل العام الماضى.
كانت جامعة كولومبيا، التى تم تجميد 400 مليون دولار من التمويل الفيدرالى هى الهدف الأول برغم ما قامت به رئيستها السابقة نعمات شفيق من إجراءات تمثل وصمة عار فى سجلها ضد طلاب الجامعة.
يستهدف ترامب كذلك جامعات هارفارد، وكاليفورنيا، وكورنيل، وجورج واشنطن، وبرينستون، وبراون.. وآخرين ممن شهدوا مظاهرات واعتصامات طلابية مؤيدة للفلسطينيين. وهدفت التظاهرات، التى كانت سلمية فى طبيعتها، إلى الاحتجاج على تدمير إسرائيل لقطاع غرة، والمطالبة بسحب استثمارات جامعاتهم من الشركات المرتبطة بإسرائيل.

***

ما تشهده أمريكا من تصعيد ضد حرية التعبير المتعلق بإسرائيل هو مكارثية جديدة. ومنذ اندلاع الأزمة الجارية فى غزة، يحاول أنصار إسرائيل ولوبياتها ومنظماتها المتنوعة والمنتشرة فى أرجاء الولايات المتحدة، إسكات أى صوت يعرض الإطار الأوسع والتاريخى لهجمات حركة حماس، أو يدين الهجمات الإسرائيلية على سكان قطاع غزة، أو حتى من يطالبون بوقف إطلاق النار.
وعلى عكس بعض الدول الأوروبية، تعد معارضة إسرائيل فى الولايات المتحدة حقا يحميه الدستور، وكل الأفراد أو الجماعات أحرار فى التعبير عن آرائهم حول هذه القضية أو أى قضية أخرى دون خوف من أى عواقب قانونية، إذ يضمن التعديل الأول للدستور الأمريكى حرية التعبير والحق فى الاحتجاج السلمى أو التظاهر.
يطالب ترامب باحترام حرية التعبير فى أمريكا، إلا أنه لم يمانع فى مخالفة الدستور، وانتهك التعديل الدستورى الأول المعنى بحماية حرية التعبير بكل صورها. يمكنك – الآن – فى أمريكا حرق العلم الأمريكى فى العلن، ولن يتم القبض عليك، فى حين أصبح التعبير عن رأى مخالف للسياسات الإسرائيلية مرادفا للعداء للسامية، ويكلفك ربما وظيفتك أو تعليمك، أو ربما إقامتك فى أمريكا إن لم تكن تحمل جنسيتها.

إقرأ على موقع 180  الجيش اللبناني إمّا مفوضاً بالترسيم.. أو فليسحبوا تفويضهم

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  سوريا ساحة نارية مُتجددة أميركياً.. لماذا؟