

وكان للشرعة الدولية لحقوق الإنسان الأثر الواضح في تحديد معايير استقلالية السلطة القضائية ضماناً للممارسة الديموقراطية. وقد عملت الأمم المتحدة منذ بداية الألفية الثالثة على وضع توصيات حول أخلاقيات العمل القضائي، أعلنتها ضمن ما عرف بـ”مبادئ بنغالور للسلوك القضائي”[1]، هدفت من خلالها وضع المبادئ التي تساهم في تحقيق دور القضاء. لذلك تسعى الدول التي تستظل بهذه الشرعة إلى سنّ قوانين تضمن حيادية القاضي وآليات خاصة للمحاسبة والرقابة. وتدخل هذه المعايير ضمن سياسات عامة تشكل توازناً في عمل السلطات وتراعي الخصوصية التي تتمتع بها المجتمعات. انطلاقاً من هذا الإطار، سنوضح بداية القواعد الضامنة للحقوق في نظام التقاضي اللبناني، ثم نعرض للتحول في موقع القاضي، لننتهي إلى الدور الذاتي للقاضي في تأدية عمله، تطبيقاً لقواعد الرقابة الذاتية وتحفيز الأخلاقيات.
القواعد الموضوعية الضامنة لانتظام التقاضي
أرست الشرعة الدولية لحقوق الإنسان معايير ضامنة للعدالة في الأنظمة الديموقراطية انطلاقاً من مبدأ فصل السلطات، برغم التباينات في تطبيق هذا المبدأ في القوانين الداخلية للدول. وتم تكريس الحق في التقاضي أمام محاكم عادلة وحيادية ومختصة من الحقوق الأساسية للإنسان، في المواد 8 و9 و10 و11 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان. وتختلف تفاصيل هذه الضمانات من دولة لأخرى ومن نظام لآخر.
وفي لبنان، جرت العادة تاريخياً أن تُعيّن السلطة التنفيذية معظم القضاة، وخصوصاً في المراكز العليا والنيابات العامة. وتأخذ آلية تدخل السلطة التنفيذية في تعيين القضاة وتشكيلاتهم أشكالاً مختلفة حسب ارتقاء النظام الديموقراطي في الدولة. فبموجب المادّة 5 من قانون القضاء العدلي اللبناني الصادر بالمرسوم الاشتراعي 150/83 تخضع تعيينات القضاة لمجلس الوزراء؛ وبموجب قانون “تنظيم القضاء العدلي” الصادر في ٣١ تموز/يوليو 2025 (الرامي، افتراضاً، إلى تعزيز استقلاليّة القضاء في لبنان) تم إعطاء مجلس الوزراء حق تعيين أربعة قضاة في مجلس القضاء الأعلى، وترك للقضاة أن ينتخبوا أربعة وعندما يكتمل المجلس يحق له تعيين عضوين، أما التشكيلات القضائية التي كانت تصدر بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل، فقد أصبح بامكان مجلس القضاء أن يصدرها مباشرة خلال مهلة شهر من تاريخ إقرارها إذا لم توقعها السلطة التنفيذية، علماً أن مشروع التشكيلات والمناقلات كان يُقدم من مجلس القضاء الأعلى، بموجب القانون السابق، ولكنه كان يتوقف عند بوابة وزارة العدل بسبب التجاذبات السياسية والطائفية. ويعتبر هذا النموذج من تنظيم القضاء العدلي أحد أهم الانتهاكات لاستقلالية السلطة القضائية، إذ أن التوجهات الحديثة تقضي باستقلالية القرار داخل هذه السلطة. واعتبرت عملية التعيينات والمناقلات المعتمدة في لبنان أحد أهم المخاطر التي تهدد استقلالية السلطة القضائية. كما أن إتاحة تولي القضاة مواقع مرتبطة بعمل السلطة التنفيذية تُعَدُّ من المخاطر التي تدخل، بموجب المعايير الحديثة للحوكمة، كأحد أشكال تضارب المصالح. لذلك تقترح التوصيات مبادئ أخرى تسعى لفصل المصالح الشخصية “المشروعة” عن المصالح العامة، لتشكل ضمانات للقاضي في ممارسته أخلاقياته القضائية.
وتجسد بعض المبادئ التي تحكم تعيين القاضي ومسيرته المهنية ضابطاً لعملية تدخل السلطة السياسية بعمل السلطة القضائية، وذلك من خلال احترام معايير الكفاءة في التعيين، والشفافية في إعلان الشواغر واحترام مبدأ عدم نقل القاضي إلا بناء على موافقته، واعتماد أسس واضحة ودقيقة للحماية أو للملاحقة والمحاسبة. وإضافة إلى آلية تعيينه، يفترض بالقاضي ألا يكون مرتبطاً بأية جهة سياسية وإن كان من المقربين لها، فيبقى من واجبه أن يجسد مبدأ الاستقلالية في أداء عمله، وولائه للدولة دوناً عن أي ولاءات أخرى. إلا أن غياب النصوص الواضحة الناظمة لهذه الآليات أدى إلى أداء غير ضامن للسلطة القضائية، وعزز الولاءات الطائفية في الممارسة، ما انعكس بشكل واضح على حقوق المتقاضين وحسن سير مرفق العدالة.
المبادىء التي ترعى عمل القضاة
وبالعودة إلى مضمون القانون اللبناني، ولناحية المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان وتفعيلاً لمبدأ المحاكمة العادلة، تناولت النصوص العديد من القواعد القانونية الناظمة لعمل القضاء، كما تضمنت القوانين المتعلقة بالتنظيم القضائي القواعد المرتبطة بإنشاء وتشكيل المحاكم وتحديد صلاحياتها، على اختلاف أنواعها ودرجاتها. ويستند التنظيم القضائي في لبنان، وفقاً للقواعد الواردة في الدستور وفي القوانين، إلى خمسة مبادئ أساسية تعتبر أركاناً في احترام حقوق الإنسان وضامناً لها، سواء في طبيعة القواعد أو في مضمونها وتوزيع الصلاحيات، أو في قيمتها القانونية وقوتها. وتشكل هذه القواعد مبادئ أساسية تعرض الحكم الصادر، في حال مخالفتها، إلى الإبطال. ويشكل وجود المحاكم الاستثنائية ذات الصلاحيات الواسعة، كالمحكمة العسكرية والمحاكم الدينية، استثناء على العديد من هذه الضمانات.
ومن المبادئ المتعلقة بحقوق الإنسان وعمل القضاء، نذكر مبدأ المساواة أمام المحاكم، يواجه هذا المبدأ إشكالية أساسية مرتبطة بتعدد الجهات القضائية في قوانين الأحوال الشخصية على وجه التحديد. وكذلك مبدأ مجانية القضاء الذي يواجه ارتفاع تكاليف التقاضي أمام الاجراءات والتقنيات والخبرات المتعددة التي تتطلبها المحاكمة؛ بالإضافة إلى مبدأ التقاضي على درجتين ومبدأ علنية المحاكمة ومبدأ الوجاهية والحق بالدفاع.
ومن المبادئ المرتبطة باجراءات المحاكمة نذكر مبدأ القاضي الفرد وتعدد القضاة ضمن المحكمة الواحدة ويضاف إلى ذلك مبدأ سلطان الخصوم على المحاكمة، سنداً للمادة 366 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني.
ومن المبادئ الموضوعية المتعلقة بعمل القاضي يخضع القضاة في اختيارهم للنصوص وبحثهم عن الحلول إلى القواعد الأساسية التي من شأنها المحافظة على حقوق الانسان وتحقيق العدالة. فقد فرضت المادة 2 أ.م.م. الالتزام بمبدأ تسلسل القواعد وتقدم المعاهدات الدولية على أحكام القانون المحلي عند تعارضها. وقد لجأت المحاكم إلى تطبيق المعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان في هذا السياق عندما كان القانون المحلي مخالفاً لها، وذلك من المحاكم على اختلاف اختصاصاتها ودرجاتها، باستثناء المحاكم الدينية طبعاً. علماً أن الهيئة العامة لمحكمة التمييز صالحة للنظر في الاعتراض على قرار مبرم صادر عن محكمة مذهبية أو شرعية “لعدم اختصاصها أو لمخالفة صيغ جوهرية تتعلق بالانتظام العام”، “وكل قضية يثير حلها تقرير مبدأ قانوني عام”، “ونقض الأحكام لمنفعة القانون” من خلال استدعاء مقدم من المدعي العام. وفي ذلك ضمانة للانتظام والعدالة عندما يتعلق الموضوع بأسس النظام العام الذي يعود للقاضي تحديد أبعاده على وقع التطورات.
الجدير ذكره أن القاضي المدني في العديد من المواقع استطاع أن يفرض صلاحيتة والتدخل في المفاصل المرتبطة بحقوق الإنسان في القضايا التي تجاوزت فيها المحاكم الدينية هذه المبادئ وكرس بذلك مرجعاً ضامنا للنساء بشكل خاص عندما يتم الركون إليه، شرط أن يبقى النزاع بعيداً عن التدخلات السياسية. فاستطاع أن يفرض الحماية للطفل برغم وصاية الأب بتوسيع هامش العنف المعنوي الذي يتعرض له الطفل، أو بفرض مبادئ النظام العام المدني على حساب الصلاحيات الدينية في قضايا الزواج المختلط والإرث الخاضع لمبادئ القانون الدولي الخاص[2].
كما يدخل في دور القاضي موجب البت بأي نزاع سنداً للمادة 4 أ. م.م. تحت طائلة اعتبار القاضي الذي يمتنع عن الحكم بحجة غموض النص أو انتفائه، أو الذي يتأخر دون سبب عن إصدار الحكم، مستنكفا عن إحقاق الحق. يشكل هذا الموجب ركيزة لإعطاء كل ذي حق حقه، وذلك استكمالاً لقاعدة عدم أخذ الحق باليد. كما فرضت الفقرة الثانية من المادة 4 على القاضي قواعد تفسير النصوص الغامضة من خلال إعطائه “المعنى الذي يحدث معه أثراً يكون متوافقاً مع الغرض منه ومؤمناً التناسق بينه وبين النصوص الأخرى”. وهي التي تشكل المدخل إلى الدور الاجتهادي للقاضي.
يضاف إلى ذلك المعايير المرتبطة بالمحاكمة العادلة كمبادئ العلنية والوجاهية وحق الدفاع وسلطة الخصوم على النزاع من خلال حقهم في تقديم الدفوع والطلبات الطارئة أو التدخل أو الإدخال والتي تدخل ضمن صلاحية القاضي في إدارة المحاكمة. كما نذكر المعايير التي يترك للقاضي تقديرها في إدارة النزاع كسرعة المحاكمة ضمن معيار المهل المعقولة، وآلية استخدام الحقوق القانونية في الإجراءات كالحق في استخدام الدفوع وطلبات رد القاضي أو تنحي القاضي حماية للحيادية ومحافظة على الثقة[3]. كما نشير إلى أهمية البيانات التي يفترض أن تندرج في الحكم أو القرار، سنداً للمادة 537 من قانون أصول المحاكمات المدنية، والتي تسمح بتقييم أداء القاضي وجديته ومدى احترامه لأصول التقاضي[4]. علماً أن بعض هذه البيانات تشكل شروطاً إلزامية، وبعضها تترك هامشاً للقاضي للتدخل تسمح بتقدير موجب العناية اللازمة.
ونذكر أيضاً المادة 375 من القانون نفسه التي كرست دور القاضي في التوفيق بين الخصوم بتوجه واضح للمشرع على تكريس السلام في المجتمع بدلاً من النزاعات، وفي لعب دور اجتماعي فاعل لا يؤثر على مبادئ حياديته وموضوعيته واستقلاله. وقد صدر في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2018 قانون الوساطة القضائية رقم 82.
انعكاس النسق القانوني الجديد على موقع القاضي
كان للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية أثرها على طبيعة القواعد الفاعلة في المجتمع والناظمة له، فقد انعكس التطور الذي طرأ على المجتمعات مع العولمة والثورة الرقمية وما رافقها من دور للإعلام، على الأثر الاجتماعي لدور القاضي. فهو، إضافة إلى ما ذكرنا من تحوّل في طبيعة وظيفته المؤسّساتية، أصبح يشكل نموذجاً اجتماعياً يفترض أن يقدم رمزاً حقيقياً للمواطن الصالح في سلوكه، كأحد الأدوار الفاعلة في ثقافة القانون[5]. فشكل هذا الدور المستجد للقاضي الفرد في عمله أحد مسببات المخاطر من شخصنة القضاء، سواء في تحويله لصورة الرجل البطل على حساب أداء السلطة كمؤسسة قضائية، أو وضعه في مواجهة حملات تسعى للنيل من سمعته أمام الديناميات المستخدمة على وسائل التواصل الاجتماعي ودور الإعلام. لذلك، فبقدر ما لجرأة القاضي الذاتية من فعالية، بقدر ما يتطلب الأمر حصانة وضمانات على مستوى المؤسسة والدولة، من دون أن يشكل ذلك تهديداً للحريات التي تقوم عليها الثقافة المعاصرة. من هنا تصبح فاعلية العمل والشفافية والكفاءة في الرقابة المؤسساتية، وبالتوازي مع الرقابة الاجتماعية، عناصر متكاملة بدلاً من أن تكون عناصر متحاربة. وفي ذلك مفتاح قوة المؤسسات المنشودة في التوصيات الدولية للأمم المتحدة.
لناحية دور القاضي وموقعه من هذه التحولات، وأمام تشظي مصادر القاعدة وتداخل المصالح المرتبطة بها، أصبح هو الضابط لهذه التوازنات من خلال دوره الذي عرف بالرقيب على القانون. ولكن هذه المعايير نفسها فُرِضت على أداء القاضي، فأصبح هو أيضاً خاضعاً للقواعد الناظمة بموجب النصوص الوضعية، ولقواعد أخلاقيات العمل القضائي التي وضعت في “مبادئ بنغالور للسلوك القضائي” التي تهدف إلى تفعيل دوره. إذ إضافة إلى دوره الموضوعي في تطبيق النصوص، نلحظ دوره الشخصي في التفاعل مع النصوص والمحيط والتحلي بالمسؤولية أمام هذا الدور. لذا يمكننا أن نُميّز نوعين من الأداء، أحدهما في الهوامش القانونية التي تركت للقاضي دوراً في التقدير لأنسنة القاعدة وتحويل النص المجرد إلى قاعدة مطبقة على ظروف واقعية. وفي هذا دور قانوني أيضاً تحكمها مسؤوليته المهنية في تحسين أداء المرفق القضائي. أما الأداء الآخر فهو مرتبط بعامل شخصي ذاتي مبني على قناعات وأفكار وتوجهات شخصية لا يمكننا أن ننكرها على القاضي، ولا يمكن أن تدخل شرطاً في أدائه عمله إلا في ما يكون من شأنه تفعيل هذا العمل ضمن ضوابطه الذاتية.
هوامش القضاة
فالتحولات تركت أمام القاضي ضرورة تفعيل دوره التقديري ضمن الهوامش المتروكة له لتقدير ظروف النزاع والبحث عن التوازن. على ألا يبقى مستريحاً خلف النصوص الجامدة التي أوصلت المجتمعات إلى الانهيار. فقد فرضت على القاضي في عمله على النزاعات معايير مرنة أصبحت أكثر أهمية من التطبيقات التقليدية للقواعد القانونية الواضحة. وتجلى دور القاضي في البحث عن الانصاف وليس فقط عن المساواة كأحد أهم التوجهات الحديثة، والتي تجد لها سنداً في العديد من النصوص اللبنانية. يتجسد ذلك من خلال البحث في موجب الحذر وموجب التبصر وموجب الرعاية والعناية ومبادئ حسن النية وأشكال التعسف وإساءة استخدام الحق، والمعقولية والجدوى والتناسب والمشروعية.. وغيرها من المعايير التي تشكل مفتاح التقدير والحسم. لا يمكن أن تفعّل هذه المعايير المرنة إلا من خلال قاض يتسم عمله بهذه الموجبات نفسها. ويخضع هذا الأداء للرقابة ضمن المؤسسات القضائية، والتي بدورها يفترض أن تشكل ضمانة لحرية عمل القاضي وفقا لقناعته. كما سيترك أثراً على المجتمع الذي يشكل الرقيب على عمل القاضي أمام اتساع مساحة تبادل المعلومات، ووعي المجتمع لحقيقة هذا الدور. لذلك تصبح معايير استقلالية القاضي واستقلالية القضاء لزاماً ضرورياً في مقابل ضمانات عمل القاضي بما يسمح له بممارسة هذا الهامش من العمل دون أي تأثيرات، مهما اختلفت طبيعتها ومصادرها. فبعض هذه القواعد التي تحكم استقلالية القاضي قابلة للتقدير والرقابة من قبل المؤسسات الرقابية المعنية، وبعضها تدخل ضمن أخلاقياته المهنية، وبعضها الآخر ضمن ضوابطه الذاتية وجرأته وشخصيته، وهي لا تشكل بالضرورة مخالفة قانونية في عمله. لذا أقرت القوانين هوامش في عمل القاضي منها ما يدخل في صلاحياته التقديرية لحسن إدارة الملفات وفقاً لمصالح أطراف النزاع وحماية المصلحة العامة، والتي تشكل أحد أوجه موجب العناية المهني المنوط به، ومنها ما يدخل في تقديره الذاتي وفق المعايير العامة لحسن أداء مرفق العدالة.
فضمن صلاحياته التفسيرية التي تخضع لأسس علمية في التفسير والتحليل، وضمن حقه وواجبه بتقديم تعليل حكمه في بحثه عن الحل، وضمن صلاحياته وواجباته في إتمام القاعدة أو توضيحها أو ربما استصدارها، يدخل العمل الاجتهادي في طبيعة الدور الفكري والانساني. هذه الصلاحيات تجعل من أدائه ليس مجرد وظيفة تطبيقية وإنما أيضا سلطة مستقلة ذات دور قانوني اجتماعي إنساني.
الضوابط الذاتية للقاضي
تصدر استقلالية القاضي الفرد أساساً عن الرقابة الذاتية المرتبطة بأخلاقيات العمل القضائي. طرحت الإشكالية الأساسية في طبيعة دور القاضي في تطبيق القانون وما يكتنف هذا الدور من تحدي المواءمة بين طبيعة القاعدة القانونية العامة والمجردة والتطبيقات الواقعية على مصالح الأطراف المنادين بحقوقهم المشروعة، ومن مخاطر التضارب بين ذاتية القاضي وموضوعية عمله وحياده. أثارت هذه الجدليات نقاشاً فلسفياً منذ أمد وأدت هذه النقاشات إلى الوصول إلى أطر واضحة تحدد آلية عمل القاضي ودور السلطة القضائية وفقاً لطبيعة أنماط الحكم وتطور دور الدولة وأدوات الديموقراطية من جهة أولى، والنظام الدستوري للدولة وطبيعة المجتمع وتطور حضارته من جهة ثانية، والنظام القانوني الفاعل في ذلك المجتمع من جهة ثالثة. وأمام التحولات المعاصرة التي يمكن وسم أثرها بالأزمات على المستويات كافة، والتي تعكس تغيراً في الأنساق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كما تم شرحه، أعيد طرح إشكالية الدور الفاعل للقضاء وميزان الضوابط وفقاً للمعايير الحديثة للحوكمة.
وإذا كان مفهوم استقلالية القضاء ارتكز إلى استقلاليته عن السلطة السياسية باعتبارها مصدر القوة ومصدر القاعدة القانونية وحصرية الحكم، فإن هذا الواقع تبدل مع ما تم عرضه من تحولات. إذ أن القوة لم تعد مرتبطة حصراً بقوة السلطة السياسية المحلية، بل أصبحت سيادة الدولة معرضة للتداخل مع قوى أخرى بعامل العولمة الاقتصادية والعالم الرقمي وغيرها من معايير القوة. وكما أشرنا، فإن هذه القوى تجسد الأطراف الفاعلين المؤثرين بفرض قواعد تتحكم بالمجتمع على حساب مصالح الإنسان بكيانه وكرامته، وتنعكس منطقياً على الحياة اليومية للقاضي وأسرته وضماناتهم. فأصبحت الاستقلالية المرجوة معنية بالمعايير الثلاثة المؤثرة بالأداء:
أولاً؛ المعيار السياسي من خلال استغلال السلطة لموقعها والتدخل بالقضاء لتحصين نفسها وما يكتنفه من مؤثرات ترتبط بالنظام السياسي المحلي؛
ثانياً؛ المعيار الاقتصادي ودوره في الجذب والتأثير على القرار السياسي وعلى القرار القضائي؛
ثالثاً؛ الرغبات الشخصية والدوافع الذاتية التي تدخل ضمن ثقافة المنافسة والفردية، والتي تعززها الجوائز والتصنيفات الدولية التي تتحكم بها جهات غير حكومية محلية ودولية.
هذه الاستقلالية متعددة الأبعاد ترتبط بشخص القاضي إضافة إلى معايير قانونية واضحة يفترض أن تفرضها النصوص الصلبة. ويبقى أمر تفعيلها في الأداء والرقابة من ضمن ضوابط القواعد المرنة. فأصبح استقلال القاضي الموضوعي مبنياً على معيارين، أحدهما سياسي والثاني اقتصادي. ولنا في دور المصارف والتسهيلات التي قدمت للقضاة مثالاً أدى إلى خلل في إدارة الملفات المتعلقة بحماية المودعين.
أخلاقيات القضاة
على مستوى الدور الفردي/الذاتي للقاضي في عمله، فإن الحدود الذاتية لعمل القاضي تتجلى أيضاً في أبعاد جديدة غير محصورة بالحدود التقليدية التي كانت محصنة بموجب النظام الليبرالي، والمرتبط بقواعد مكتوبة واضحة. إذ يرتبط عمل القاضي بقواعد تنظم أداء عمله وآداب مهنته[6]، وهي وإن لم تذكر في نصوص ملزمة أو منظَّمة ضمن آلية قانونية واضحة، إلا أنها تبقى قواعد عرفية ترتبط بسلوكه، ضمانة لدوره كسلطة لها هيبتها الاجتماعية ومصداقيتها المفترضة. وقد ظهرت هذه القواعد ضمن ما يعرف بالقواعد السلوكية أو أخلاقيات عمل القاضي. هذه القواعد أصبحت عاملاً ضرورياً لضمان استمرارية الثقة وتحقيق الشفافية والنزاهة في عمل المؤسّسات، وتميز عمل القاضي بموجب الحياد والتحفظ اللذين أخذا معنى حديثاً تحت تأثير التحولات الثقافية المعاصرة.
كما أن منطق التعاون هو المطلوب لتحقيق الغاية المرجوة على حساب النجاح الفردي الذي يجسد أهم مغريات العصر. وبذلك، فإن أخلاقيات القاضي في عمله يفترض أن تتجسد في أداء تعاوني على حساب دوافع المنافسة.
والتوازن بين نوعي القواعد ينطبق أيضاً على القاضي في عمله القضائي بحيث لا تتقاطع مصالحه الشخصية مع المصالح التي ستعرض أمامه، أو أن تتقاطع طموحاته الشخصية والسياسية مع دوره كقاضٍ.
تجدر الإشارة في هذا السياق إلى ضرورة مقاربة دور القاضي في ممارسته لعمله إلى كونه إنساناً خاضعاً لكل أشكال التحديات التي يعيشها أي مواطن عادي وهو بذلك يتعرض كما غيره لمخاطر ومواجهات تجعل من عمله أكثر خطورة وأكثر حاجة لضمان جرأته وحمايته وتحصينه بموجب التوجهات العامة للدولة. وذلك من خلال حماية واقعه الاقتصادي والاجتماعي والمهني في مواجهة التشدد في مقاربة المجتمع لدوره وما ينتظره من هذا الدور. فكما هو معني بتطبيق القوانين التي تعبر عن التوجهات السياسية للدولة – للسلطة السياسية في بعديها التشريعي والتنفيذي- واختيار ميزان العدالة عند قيامه بعمله، فهو أيضاً مواطن يتأثر بحياته اليومية بهذه السياسات.
إلا أن التحدي الذي يطرح من جديد أمام القاضي، ينعكس في توجهات السياسات العامة في إصدار قوانين من شأنها أن تنفع فئات على حساب فئات أخرى. فإن التحسس أيضاً في أداء عمل القاضي تجاه أي مواطن وموقف المواطن من عمل القاضي يرتبط بطبيعة ما ينتظره لناحية مصالحه الشخصية. وهذا ما يعطي للعدالة أبعاداً ذاتية أكثر منها موضوعية، ويضع القضاة أمام تحدي عدم الرضا من فئات واسعة في المجتمع وتحت وطأة الحملات التي يمكن أن تثار ضده. وقد تكاثرت في ظل العالم الرقمي التأثيرات الناتجة عن الحملات التي من شأنها تشويه السمعة وإن كانت دون وجه حق.
مفهوم الرقابة الذاتية
أمام التحديات المختلفة المعاصرة، ومعايير الحوكمة المختلفة، برز بشكل خاص مفهوم الرقابة الذاتية في ممارسة الأعمال والتي ترتبط بأخلاقيات الفرد. هذا الضابط الذاتي أصبح هو الضامن الذي تركن إليه مناشدات الاستقرار والانتظام. فإذا كانت الأخلاقيات هي المعايير المرجوة في الإدارة الذاتية للمشاريع الاقتصادية أو في إدارة المرفق العام أو في السلوك الفردي للإنسان، فهي أيضاً مرجوة من السلطة القضائية في تحديد توجهاتها وتفعيل عملها، وكذلك من القاضي في إدارته لمحكمته والنظر في النزاعات الموكل حلها إليه وتحكيم حكمته.
وأمام سمو القواعد الوضعية على القواعد الواقعية، أو القوانين الصلبة على القواعد المرنة، فإن الضوابط القانونية تعلو على معايير الأخلاقيات المهنية وعلى الدوافع الذاتية وإن كانت مشروعة. ومخالفة هذه الأخيرة لا تعني بالضرورة مخالفات قانونية إلا بما يؤدي إلى تعطيل القانون وتعطيل مرفق العدالة. وكانت الحملات المتعددة على وجوه قضائية على خلفية مخالفة قواعد السلوك نموذجاً للتصارع السياسي الاجتماعي على القضاء برغم عدم تعطيل هذه المخالفة للعدالة، وكذلك تحجج العديد من القضاة بنصوص تضيّق عملهم وتم خلال فترة الأزمة إهمال العديد من الهوامش المهنية التي كان يفترض أن تكون دافعاً مهنياً للقضاء. لا تشكل مخالفة الأخلاقيات بالضرورة مخالفة قانونية سواء لناحية التحفظ أو أبعاد الحيادية، ولا يعني احترامها بالضرورة تكريساً لحكم القانون إلا بما يفعّل القانون ويجعله متناغماً مع المجتمع وحاجاته.
ومن المفترض ضمن معايير حوكمة القضاء أن يترك تقييم مخالفة الأخلاقيات للرقابة المؤسساتية، إضافة إلى الرقابة الاجتماعية والتي ترتبط بالسمعة المهنية. إذ بين حياته الاجتماعية المرئية وأدائه المهني الذي يخضع أيضا للرقابة الاجتماعية، يعود للقضاء استنتاج آليته في تحقيق التوازن وفرض موقعه على النظام والمجتمع. فالأخلاقيات وإن كانت مرتبطة بالتقدير الشخصي للقاضي، وتضمن ممارسته مساحة حريته في حياته ومهنته ووظيفته، إلا أنها أيضاً تهدف إلى غاية عامة قوامها انتظام المجتمع وضمان الحريات.
ولا شك أن مرحلة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية تزيد من أهمية طرح الأسئلة المتعلقة بالاخلاقيات القضائية أو أخلاقيات القاضي، نظراً لدور هذا المرفق في تقديم ضمانات أساسية للمجتمع والأفراد، ولكن أيضاً نظراً للتغيير الحاصل في قراءة طبيعة الحريات وضوابطها. فإن كانت الحريات في المجتمع تخضع لتقدير القاضي عند حصول خلل ما، فإن حرية القاضي تخضع أيضاً لرقابته الذاتية في تأدية مهامه ووظيفته. هذه المهام والوظيفة من جهة وعلاقة الأخلاقيات وممارستها مع الظروف الواقعية من جهة ثانية، تفترض أن تتم مناقشتها وتحليلها وتوضيح معانيها في أبعادها النظرية والتطبيقية والواقعية. فبين حياديته ونزاهته واستقلاله وتجرده وتحفظه، تختلف التفسيرات انطلاقاً من طبيعة النظام القضائي أو القانوني أو الاجتماعي أو الثقافي أو حتى الظروف المرحلية المتغيرة. وأمام الأزمات وضرورة المواجهة والجرأة ومواكبة التطورات، يدخل تقدير هذه المعايير إلى معايير متغيرة ومتقلبة سنداً للظروف المرحلية والخصوصيات المحلية. بالخلاصة، تدخل أخلاقيات القاضي بعمله ضمن ضرورة التوازن بين القواعد الملزمة والحرية الشخصية وسلطة التقدير، وكذلك يدخل ضمن التقدير غير الثابت دور القاضي في أدائه الذاتي بين المعايير الموضوعية والشخصية، وبين أخلاقيات التحفظ أو ضرورة المواجهة.
اختلاط الحقوق بالأزمات
على ضوء هذه الأطر النظرية، نعرض بعضاً من التحديات التي واجهها القضاء اللبناني في ظل الأزمات المتتالية التي عصفت بالبلاد منذ العام 2019. فعلى خلفية الأزمة الاقتصادية اتخذ القضاة موقفاً مشروعاً بالإضراب أثار النقاش حول موجبهم القانوني. ففي سبيل المحافظة على ضماناتهم، وبهدف حماية استقلالية القضاء، أعلن القضاة إضراباً عن عملهم الوظيفي ورفعوا راية دعم مداخيلهم، وطرح الموضوع نقاشاً على مستوى أخلاقيات القضاء بين حقوقهم وضماناتهم الاقتصادية والاجتماعية مقابل استمرارية المرفق. هذا الموقف أعاد العمل القضائي إلى هامش الوظيفة العامة علماً أنه سلطة يطلع بدور أعلى من تقديم خدمة عامة. وطرح الموضوع في النقاش العام على صفحات وسائل التواصل ما أضعف حصانة القاضي في وجه المجتمع. وعلى مقلب آخر، وفي القضايا المرتبطة بتفجير مرفأ بيروت وبالأزمة المصرفية، فرضت ممارسة الحق القانوني بالتنحي تعطيلاً لمرفق العدالة، وطرح النقاش على خلفية حدود الحق في التنحي وواجب التنحي وواجب عدم التنحي.
أثارت معايير ممارسة المهنة الأسئلة نفسها التي تطرحها أخلاقيات المهن المختلفة، والمجابهة بين حقوق مختلفة بما يعكس أزمة قانونية حقيقية، لم يستطع القضاء تجاوزها وفرض معايير ضبطها. بل على العكس، وقع في فخ التجاذب بين الشرعي والمشروع وبين الحق والقانون وبين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، علماً أنه السلطة المنوط بها فرض المعايير الضابطة لحل هذه الأزمة على المستوى الاجتماعي والمؤسساتي. فوجد القضاء نفسه طرفاً في هذه الصراعات، وإن لم تتجسد مخالفة قانونية واضحة، عكست خللاً في منطق التوازن بين القانون وأخلاقيات الأداء.
لذلك، يعود للقاضي، ضمن المبادئ المفروضة في أنظمة التقاضي والمبادئ الأخلاقية لطبيعة عمله، والهوامش المتروكة له، أن يساهم في تكريس الحقوق من منطلقات المبادئ الحديثة القانونية والاجتماعية. هذه المبادئ الأخلاقية تشكل ركناً من أركان التنمية المستدامة وتحدياتها وهي مرتبطة بالدور الاجتماعي للقاضي.
الخاتمة
تمثل العدالة قيمة إنسانية عليا، وغاية منشودة منذ تكون الاجتماع الانساني. وقد سعت المجتمعات إلى مأسسة العدالة ضمن أطر تنظيمية مع بدء تكوين الدول. فارتبطت أسسها بطبيعة النظام الراعي للحكم والمجتمع. وتطورت أنماطها وقواعدها مع تطور هذه الأنماط والمؤثرات التي تساهم في تفعيلها.
تعيش المجتمعات المعاصرة مرحلة تغيرات مفصلية ناتجة عن العولمة والتكنولوجيا انعكست في مختلف الدول في العالم، كما انعكست في خلل في تفعيل القوانين الدولية. ويعيش لبنان أزمة مفصلية ناتجة عن تراكم الخلل الذي واكب تكوين الدولة، في أبعاده الاجتماعية والسياسية والنظامية. دخل مفهوم الحوكمة بديلاً عن الحكم بهدف تقليص دور الدولة وتخفيف تدخلها في الاقتصاد والاجتماع، إلا أنها بقيت الإطار المؤسسي الناظم لهما من خلال القوانين التي تصدرها سلطاتها السياسية. ونتيجة لهذا التبدل في نمط حكم المجتمع، استبدلت “دولة القانون والمؤسسات” بمبدأ “حكم القانون” أو “سيادة القانون”، وتفككت العلاقة الفعلية بين المجتمعات والسلطة السياسية مع التحول في معنى التمثيل في هذه السلطات، واستبدلت المقاربة التقليدية للديموقراطية بمشاركة مختلف الأطراف المعنية في وضع السياسات. أصبحت الدولة بموجب ذلك هي أحد الأطراف المتدخلة في صنع السياسات بدلاً أن تكون الطرف الحصري المعني بها، يشاركها بذلك الطرف الاقتصادي بما يشمله من دور للمنظمات الاقتصادية غير الحكومية، والمجتمع المدني بما يشمله من منظمات غير حكومية اجتماعية، ضمن النظام العالمي الجديد.
نتج عن التحولات في طبيعة الحكم انحراف في أداء السلطات السياسية في إصدار القوانين، وأدت سيطرة القوى الاقتصادية بضغطها على الدول وفرض قواعدها ضمن نطاق عملها، إلى بروز منافس للدولة في إصدار القواعد الراعية للمجتمع عُرفت بالقواعد اللينة.
وإذا كانت التوجهات الفكرية في العالم اتجهت نحو اعتبار القضاء السلطة المركزية لضمان تخطي هذه الأزمات والانتقال بالمجتمعات والدول إلى نموذج ديموقراطي معاصر يواكب التحولات، ركزت في سبيل ذلك على استقلاليته. فالقضاء هو سلطة في دولة هي نفسها مكوّن في نظام دولي، يحكم الشعب باسم الشعب بموجب القوانين، من خلال ولائه للدولة ومبادئها وانطلاقاً من أن الشعب هو مصدر السلطات. يقوم عمل القضاء على فض النزاعات بين السلطات، وبينهما وبين الأفراد، وبين الأفراد في ما بينهم. وهو محكوم بدوره لتفعيل القانون كما أنه محكوم بهاجس العدالة، بما يضمن الانتظام واستدامته.
لم يعد يكفي القاضي القيام بدوره الاستنتاجي أو الاستنباطي لتحقيق الغاية المرجوة من عمله، وإنما أصبح أمام ضرورة القيام بدور المقارن والمتكيِّف بانياً على قواعد النسبية والتوازن، ومن خلال البحث في القواعد الاحتياطية، والتي أصبحت هي المرتكز الأساس لمواجهة تطورات العصر مع ضعف إمكانية القواعد المباشرة في حل النزاعات المستجدة. وبموجب هذا التوجه، دخل في طبيعة عمله القانوني البحث في موجب الحذر وموجب التبصر وموجب الرعاية والعناية ومبادئ حسن النية وأشكال التعسف وإساءة استخدام الحق، والمعقولية والجدوى والتناسب والمشروعية.. وغيرها من المعايير المرنة التي تدخل في تقدير القاضي لاستنتاج عناصرها. وأصبح واجب القضاة في عملهم تحقيق المساواة والإنصاف في تطبيق القانون وضبط مضمونه وتحفيز إنتاجه بما يفعّل الدور المعاصر للقانون في خدمته للمجتمع ومصالحه وعدم انحصاره في خدمة السلطات المتداخلة.
أصبح إذاً القضاء رقيباً على القانون ومحفزاً له من خلال تأطير القواعد المتعددة المصادر. ونتج عن هذا التحول الواقعي تحولٌ في طبيعة الدور القضائي وفي معايير استقلاليته ومعنى حياده. والقضاء اللبناني وبرغم التحديات المتراكمة التي يعيشها، يواجه أزمة مركبة على هذا الصعيد. فهو إضافة إلى كونه أصبح معنياً بضمان الانتقال من التاريخ المأزوم إلى بناء الدولة، فهو معني أيضاً بضمان الانتقال بموجب هذا التحول العالمي إلى مرحلة جديدة معاصرة. وليس غريباً عن التاريخ القضائي اللبناني المواقف الجريئة التي شكلت إرثاً غنياً يسهم في تكريس هذا الدور، إضافة إلى مبادئ قانونية واضحة في الدستور اللبناني.
وإن كان القضاء اعتبر صمام الأمان الضامن لإنفاذ القانون في مرحلة دولة القانون والمؤسسات تحت مظلة الديموقراطية الغربية، فهو الحجر الأساس في بناء الدولة المبنية على حكم القانون، بما يتضمنه من دور أكثر مرونة غير محصور في تقدير الوقائع، بل يتخطاه لتقدير جدوى القواعد ومشروعيتها. وإن كانت العدالة هي الهدف الأسمى من حكم القانون، بعمل القضاء المستقل، فإن هذا الدور يتم من خلال قضاة أفراد، هم سلطة على ملفاتهم وهم بذاتهم مواطنون خاضعون للتأثيرات. لذلك برز دور العامل الذاتي أو ما عرف بأخلاقيات العمل القضائي كضامن لتفعيل الدور المرتجى لهذه السلطة وركيزة في تفعيل القوانين.
توسع مفهوم تفعيل القانون من مجرد آلية تطبيقه، باعتباره القاعدة التي تدور حولها أدوار السلطات الدستورية الثلاث، إلى تفاعل المجتمع معه وتناغمه مع المجتمع، بما ينعكس بانتماء المجتمع إلى القانون والذي يشكل أحد معايير ثقافة القانون وهي ركيزة حكم القانون. هذا الانتماء هو الذي يضمن الانتقال إلى النموذج الديموقراطي المعاصر، إذ بدونه يتحول استخدام القانون من نظام ديموقراطي قائم على حكم القانون إلى نظام أوتوقراطي قائم على الحكم بالقانون. فيختل بذلك دور الدولة، وبدلاً من توجهها نحو دولة العدالة والرفاهية في مرحلة ما بعد دولة الرعاية، ترتد إلى الدولة البوليسية.
أمام التحول العالمي على مستوى الحكم والأنظمة، وتداخل القوى العالمية والدولية والمحلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الذي انعكس في طبيعة القواعد الفاعلة، غابت الحصرية في التشريع وإنفاذه عن قدرة الدولة ومؤسساتها. أخذت العدالة أبعاداً جديدة، في بعديها الفردي والاجتماعي، مع التغيير الطارئ على طبيعة الحقوق، وتحويل الفرد في الدولة من مواطن إلى مستهلك، حيث دخلت الحقوق إلى عناصر السوق، تحكمها قواعد المنافسة. فأخذ دور القاضي من سلطة رقابة على حسن تطبيق القانون إلى ضامن للتوازن بين مختلف الأدوار بما يؤدي إلى استتباب الاستقرار والانتظام المنبثق عن الشعور بالعدالة. ومع اختلال التوازن بين المصالح السياسية والاقتصادية من جهة والمجتمع من جهة ثانية، أصبحت شرعية القانون وشرعية أداء القاضي منبثقاً عن مدى تمثيله لمصالح المجتمع. فدخل في صلب دور القاضي ضمان الديموقراطية وحماية السيادة ورقابة مشروعية القانون، وذلك من خلال تحديد أبعاد النظام العام الذي يشكل ضابط الحريات في عصر الحريات الواسعة المدى.
وأمام تعدد الأطراف الفاعلة المؤثرة على قرار السلطة السياسية في إنتاج قوانين لا تخدم بالضرورة المصالح الاجتماعية، أصبحت القيم والأخلاقيات هي المتمم للقواعد القانونية بغية استعادة التوازن بين المصالح المختلفة، والقبول الاجتماعي لمضمون القوانين، والتناغم بين السلطات والمجتمع والقانون. وفي ذلك، يصبح الدور القضائي تحقيق هذا التناغم بين القوانين الوضعية والقواعد الواقعية. يدخل هذا الدور كجزء من النسق المستجد ضمن قواعد الحوكمة والتشاركية والاستدامة.
وإذا كانت استقلالية، بموجب نموذج الدولة الديموقراطية، تعني الاستقلالية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال معايير دستورية وقانونية، وعن الشعب من خلال موجب التحفظ والحياد، أخذت الاستقلالية أبعاداً مختلفة مع اختلال التوازن بين القوى المختلفة وضمور دور الدولة الحامية. وأصبح قرب القضاء من قضايا المجتمع لا يتناقض مع موجب التحفظ بمعناه التقليدي. وقضايا الشعب لا تعني قضايا الفئات المختلفة التي تشكل مكونات الشعب على غرار التمثيل الطائفي لهذه المكونات في مرفق العدالة، بلا حامياً لوحدته المتمثلة بقيم الجمهورية العليا. فيتبلور بذلك معيار الولاء للدولة بدل الولاء للعصبيات.
كل ذلك لا يمكن تحقيقه دون استقلالية القضاء عن التأثيرات السياسية والاقتصادية والنزعات الشخصية. وضمن السياق نفسه، تصبح إدارة مرفق العدالة خاضعة للنسق نفسه في القرار والمحاسبة على أسس الشفافية والكفاءة والانتاجية.
وأصبح القضاة من خلال أدائهم الفردي والقضاء كمؤسسة منضويين تحت الحدود القانونية الناظمة لعملهم، ولأخلاقياتهم المهنية والشخصية ضمن توجه يفعّل مسؤولية القاضي الاجتماعية.
المصادر والمراجع:
[1] وضعت مسودتها في مدينة بنغالور بدعم من مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في شباط 2001، واعتمدت نسختها النهائية في نيودلهي في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2002، وفي شهر حزيران/يونيو من العام 2006، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لهيئة الأمم المتحدة قراراً بتأييد “مبادئ بنغالور للسلوك القضائي”.
[2] عزة الحاج سليمان، مشروع “حقوق المرأة الإنسانية: علامات مضيئة في أحكام القضاء العربي لعام 2020″، الدراسة الخاصة بدولة لبنان، منظمة المرأة العربية.
[3]A. EL HAJJ SLEIMAN, « L’accès des femmes à La magistrature au Liban : progrès ou épiphénomène ? Étude analytique sur l’effectivité du « procès équitable » dans un échantillon des jugements prononcés par Le juge pénal unique de Baabda-Mont Liban », Jurimétrie, Revue de la mesure des phénomènes juridiques, no 1/ 2022.
[4] مراجعة الدراسة الميدانية، في كتابنا مع ع. بيضون، نساء لبنان في سلك القضاء: تعزيز السائد وإهمال الهوامش، مذكور سابقاً، الفصل الرابع، ص. 133-162.
[5] GRANDJEAN Geoffrey, Pouvoir politique et audace des juges, Approche européenne et comparée, Bruylant, 2018, p. 278.
[6] J. Moret-Bailly et D. Truchet, Droit des déontologies, PUF, Paris, 2016, p. 317 et suiv.
(*) راجع الحلقات السابقة في موقع 180 بوست