اختطاف مادورو.. حين تتحول “عقيدة مونرو” إلى سياسة تغيير أنظمة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في صباح الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، أنّ الولايات المتحدة نفّذت عملية عسكرية داخل فنزويلا انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما جوًا خارج البلاد، وسط تقارير مصوّرة أكدت حدوث ضربات وانفجارات في كاراكاس، ولم تمض ساعات حتى كانت واشنطن تُعلن عن نقل مادورو إلى سجن في بروكلين بمدينة نيويورك، تمهيداً لمحاكته.

هذه العملية التي تجاوزت كلّ القوانين الدولية، وصفها الرئيس الأميركي بـ«الناجحة»، وحرص، قبل مؤتمره الصحافي في فلوريدا، على نشر صور «مادورو» مكبّلًا على متن السفينة الحربية «يو إس إس إيو جيما»، معلنًا إعادة إحياء “عقيدة مونرو» (Monroe Doctrine)، وهي إعلان سياسي–دبلوماسي أعلنه الرئيس الأميركي جيمس مونرو في رسالته السنوية إلى الكونغرس سنة 1823، وصار لاحقًا أحد أهم أسس السياسة الأميركية في الجزء الغربي من العالم، والتي تجعل من «الأميركيتين» محرّمتين على التدخل الأوروبي، وبالمقابل تمتنع الولايات المتحدة الأميركية عن التدخل في القارة الأوروبية. لكن هذه العقيدة تمّ توسيعها عام 1904 بما اصطلح عليه بـ«ملحق روزفلت» (1901–1907)، لتتحوّل إلى حق الولايات المتحدة الأميركية بالتدخل في دول الأميركيتين لحماية الاستقرار والديون. كلّ ذلك يفتح الباب على مصراعيه للسؤال: إلى أين يتجه العالم في ظلّ جنون القوّة؟ وهل ما حدث اليوم في فنزويلا يفتح شهية مجانين القوّة الآخرين إلى أعمال مماثلة؟ وهل لهذه العملية سابقة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية المعاصر؟

إنّ اختطاف رئيس دولة منتخب بالقوّة ليس «قصة أميركا اللاتينية» فحسب، بل هو اختبار قاسٍ لفلسفة الأمن والسلام الدوليين التي تأسست عليها مرحلة ما بعد 1945، والتي قنّنت استخدام القوّة في ما يتعلق بتغيير الأنظمة، وأوجبت مروره عبر شرعية دولية واضحة. لذلك، فإن ما حدث يُقوّض أكثر فأكثر «ميثاق الأمم المتحدة»، ويُعزّز أكثر فأكثر النظام القائم على «المصالح والقدرات». ولهذا اعتبرت دول كثيرة أن ما جرى اليوم يُقوّض مبدأ منع استخدام القوّة في العلاقات الدولية، من قبل أكثر دولة معنية بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

لماذا تمسّ هذه الواقعة بشرعية مجلس الأمن؟

وضع ميثاق الأمم المتحدة قاعدة عامة تتمثّل بحظر التهديد أو استخدام القوّة ضد سلامة الدول أو استقلالها السياسي، وأوكل إلى مجلس الأمن سلطة تفويض استخدام القوّة عندما يرى «تهديدًا للسلم والأمن الدوليين». ولكن على الدوام كان ذلك الميثاق يتداعى كلّما تصرّفت دولة كبرى من أعضائه خارج هذا الإطار، لأنّه يقع في معادلة حرجة: الإدانة، وهي مستحيلة لاصطدامها بحق “الفيتو”، أو الصمت، فيبدو كأنّه يشرعن الأمر الواقع.

هنا تتجدّد «أزمة النظام الدولي»، ليس لأن النصوص غابت، بل لأن تطبيقها بات انتقائيًا ومشحونًا بموازين القوى. ومع كل سابقة تُمرَّر، تتّسع مساحة «التقليد»: إذا كان هذا ممكنًا في كاراكاس، فلماذا لا يصبح نموذجًا يُستدعى في ساحات أخرى؟

سجلّ «تغيير الأنظمة» أميركيًا

تتمتّع الولايات المتحدة الأميركية بتاريخ طويل من التدخلات الخارجية بهدف تغيير أنظمة من خارج شرعية مجلس الأمن، لا سيما في قارة أميركا الجنوبية، سواء من خلال عمليات سرّية، أو بتدخل عسكري مباشر، وأحيانًا بالمزج بينهما. هذا السجل لا يُستحضَر لتبرير ما يحدث، بل لفهم كيف تتكوّن السوابق وكيف تضعف القاعدة حين تتكرر الاستثناءات.

  1. إيران 1953 
    أظهرت وثائق «العلاقات الخارجية للولايات المتحدة» (FRUS) أنّ الولايات المتحدة قامت بتخطيط وتنفيذ عملية سرّية أدّت إلى إسقاط حكومة رئيس الوزراء المنتخب ديموقراطيًا محمد مصدق في إيران عام 1953 (عملية أجاكس – TPAJAX)، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات البريطانية، بعد قرار حكومته التدقيق في حسابات شركة النفط «الإنكلو–إيرانية»، ما أدّى إلى تعزيز سلطة شاه إيران محمد رضا بهلوي وزيادة تعاونه مع الولايات المتحدة الأميركية.

  2. غواتيمالا 1954
    أظهرت وثائق (FRUS) مجموعة من البرقيات العملياتية التي تؤكد وقوف الولايات المتحدة الأميركية وراء إسقاط الرئيس الغواتيمالي جاكوبو أربينز غوزمان (1951–1954) عبر عمل سرّي منظّم. وقد قاد أربينز إصلاحات زراعية طموحة أثارت غضب شركة «يونايتد فروت كو» الأميركية، ما أدّى إلى تدبير انقلاب عسكري بدعم أميركي لإزاحته وتصويره على أنّه شيوعي، حيث أُجبر على المنفى وانتهت حكومته بنتيجة تلك العملية.

  3. التشيلي 1973
    بعد نجاح الزعيم اليساري التشيلي سلفادور أليندي، المعروف بمناهضته للغرب، في الانتخابات الرئاسية التي جرت في بلاده عام 1970، قُتل في ظروف غامضة خلال انقلاب عسكري نفّذه الجيش بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه في 11 أيلول/سبتمبر 1973. وقد وثّقت تقارير مجلس الشيوخ الأميركي (Covert Action in Chile) أدوارًا أميركية سرّية في المسار الذي انتهى بإسقاط الحكومة الشرعية واستبدالها بحكومة عسكرية ديكتاتورية بقيادة بينوشيه.

  4. غرينادا 1983
    غزت الولايات المتحدة الأميركية «غرينادا» عام 1983 لتغيير النظام الاشتراكي فيها بقيادة موريس بيشوب، مؤسس حركة New Jewel Movement (NJM) for Welfare, Education and Liberation، التي قادت ثورة شعبية في جزيرة «غرينادا» في الكاريبي، وحققت سلسلة من المكاسب للطبقة العاملة والشرائح المتدنية من الطبقة الوسطى. وكان بيشوب من أشدّ المناوئين لسياسة الولايات المتحدة الأميركية في أميركا الجنوبية، واشتهر بقوله: «هل كان رونالد ريغان مهتمًا يومًا بالانتخابات والديموقراطية؟ متى دعا ريغان هايتي لإجراء انتخابات؟ متى دعا ريغان الجزار بينوشيه في تشيلي، أو كوريا الجنوبية، لإجراء انتخابات؟ هل دعا نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا لإجراء انتخابات؟ كلا!».
    وبرغم نجاح الغزو والانقلاب على حكم بيشوب، فقد قوبل الغزو الأميركي بإدانة أممية صريحة، ولا سيما عبر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (رقم 38/7)، الذي اعتبره انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي بأغلبية كبيرة، بعد فشل مشروع قرار مماثل في مجلس الأمن بسبب الفيتو الأميركي. ورأت دول العالم في التدخل انتهاكًا لسيادة غرينادا، رغم تبرير واشنطن الغزو بحماية مواطنيها وطلب دول كاريبية المساعدة.

  5. نيكاراغوا 1986
    أصدرت محكمة العدل الدولية في العام 1986 حكمًا تاريخيًا أدانت فيه الولايات المتحدة الأميركية لانتهاكها القانون الدولي بدعمها وتمويلها وتسليحها المتمردين (الكونترا) ضد حكومة نيكاراغوا الساندينيستا، وزرعها الألغام في موانئها، وأمرتها بدفع تعويضات. وقد رفضت الولايات المتحدة تنفيذ الحكم، في دليل واضح على تدخلها في زعزعة استقرار الدول ودعم الاضطرابات فيها، بما يندرج ضمن انتهاك الالتزامات الدولية المتعلقة بعدم استخدام القوّة وعدم التدخل.

  6. بنما 1989
    غزت الولايات المتحدة الأميركية «بنما» في أيلول/سبتمبر 1989، وأدّى ذلك إلى إلقاء القبض على الرئيس البنمي مانويل نورييغا ونقله جوًا إلى ميامي، في خطوة أصبحت رمزًا لأكثر التدخلات الأميركية المباشرة في أميركا اللاتينية في التاريخ الحديث. وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار (44/240) في 28 كانون الأول/ديسمبر 1989، الذي ندّد بالتدخل العسكري الأميركي وطالب بانسحاب قواتها فورًا. ويعكس هذا القرار رفض المجتمع الدولي للغزو وتغيير الأنظمة بالقوّة، فيما لم يتمكن مجلس الأمن من إصدار قرار إدانة مباشر بسبب “الفيتو” الأميركي، حيث اعتبرت الولايات المتحدة الغزو ضرورة لحماية مصالحها وأمن مواطنيها وتطبيق القانون.

إقرأ على موقع 180  بوتين وأردوغان في أوكرانيا.. وبينهما "بيرقدار"!

وعليه، فإن ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية ضدّ فنزويلا ليس استثناءً في تاريخها المعاصر، بل هو القاعدة التي استندت إليها بناءً على “عقيدة مونرو» (Monroe Doctrine) و”ملحق روزفلت» (Roosevelt Corollary).

العالم يتعلّم من «السوابق»

إنّ الخطورة الأكبر في واقعة فنزويلا ليست فقط في كاراكاس، بل في «قابلية النسخ». فقد تزايدت التحذيرات من أنّ هذه الخطوة ستسرّع هدم ما تبقّى من «نظام دولي»، وتزيد من حدّة الاستقطاب الدولي، لا سيما بين الدول الكبرى. فمن يمنع أن تفعل الصين بتايوان ما فعلته الولايات المتحدة الأميركية بفنزويلا؟ ومن سيلوم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في غزوه لأراضي أوكرانيا واعتقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استنادًا إلى «الشرعية الدولية»؟

إنّ تغيير الأنظمة بالقوّة ليس أداة سياسة «عادية»، بل وصفة لتدويل الأزمات، وفتح أبواب الحروب بالوكالة، وانتقال العالم من الشرعية الدولية إلى شرعية القوّة، أي إلى منطق «شريعة الغاب». وللأسف، ونحن نفتتح عامنا الجديد، تثبت الدول الحضارية – كما تُقدّم نفسها – أنّ التطور الحضاري ليس بالضرورة تقدّمًا في الأخلاق والثقافة والقيم الإنسانية، بل قد يصحّ ما ذهب إليه الزعيم البوسني علي عزّت بيغوفيتش يومًا: «كلّما تقدّمت الحضارة، كلّما تقهقرت الثقافة»، وانحدرت القيم والأخلاق.

إمّا أن تعود فكرة «الشرعية الدولية» لتكون معيارًا فعليًا، أو يصبح العالم ساحة تنافس وجنون بين الأقوياء على حساب الضعفاء.

إنّ تاريخ تغيير الأنظمة من خارج الشرعية الشعبية قد يحقّق مكاسب آنية، لكن كلفته على المدى الإنساني البعيد هي مزيد من الانحدار في قيم العدالة والإنسانية، واستمرار الجدل بين الأضداد.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  "محور الشر التكنولوجي".. شريك إسرائيل في مذبحة غزة