أكتب هذه الكلمات ظهر السبت، وقبل أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفاصيل ما حدث.
كتب ترامب على حسابه في منصة «تروث سوشيال» صباح أمس ما يلي: «نجحت أميركا في تنفيذ ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا وزعيمها مادورو، الذي أُلقي القبض عليه هو وزوجته، ونُقلا جوًا خارج البلاد، وتم تنفيذ الضربة بالتعاون مع جهات إنفاذ القانون الأميركية». ولاحقًا أعلنت وزارة العدل الأميركية أنها ستحاكم مادورو أمام دائرة التحقيق في جنوب نيويورك بتهمة تهريب المخدرات وتمويل الإرهاب.
وفي ظل غياب المعلومات التفصيلية، فلن نخوض اليوم في تخمينات وتكهنات ما حدث، لكن سنحاول التعليق بسرعة على دلالات العملية الأميركية.
أولًا؛ الضربة كانت متوقعة منذ قررت واشنطن قبل أسابيع فرض حظر على الأجواء الفنزويلية، وتوجيه ضربات لسفن يُعتقد أنها فنزويلية في البحر الكاريبي، بحجة أنها مرتبطة بكارتيلات المخدرات داخل فنزويلا.
ليس غريبًا أن يكون الهدف الأميركي الحقيقي من وراء هذه العملية هو توجيه رسالة إلى الصين وروسيا وكوبا وإيران بأن أميركا اللاتينية، خصوصًا الكاريبي، هي منطقة نفوذ أميركية، وغير مسموح لأحد بالعبث فيها، وهو ما جاء بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأميركي الأخيرة
ثانيًا؛ وبرغم ذلك، فإن القبض على مادورو كان مفاجئًا للبعض؛ لأنهم اعتقدوا أن أقصى ما ستفعله الولايات المتحدة هو القصف الجوي فقط، على أساس أن ذلك قد يدفع بعض القادة المعارضين لمادورو داخل الجيش إلى التحرك وتنفيذ انقلاب عسكري. ويرى البعض أن إعلان واشنطن تخصيص ٥٠ مليون دولار مكافأة لمن يقدم معلومات تقود إلى القبض على مادورو، كان تشجيعًا لانقلاب داخلي أو خيانة من أحد كبار القادة، حتى يتم التخلص منه بأقل التكاليف الممكنة.
ثالثًا؛ من السذاجة أن يعلّق كثيرون بالقول إن العملية تعود بنا إلى عصر الغابة. والسؤال لهؤلاء؛ وهل كنا نعيش قبل العملية في «عصر المدينة الفاضلة»؟
هل نسي هؤلاء اعتقال قوات أميركية لرئيس بنما مانويل نورييغا عام ١٩٨٩، ونقله إلى أميركا ومحاكمته بتهمة تهريب المخدرات وغسل الأموال؟
وهل نسي هؤلاء غزو العراق والقبض على رئيسه صدام حسين عام ٢٠٠٣، ومحاكمته ثم إعدامه؟
وهل نسي العالم أن حلف “الناتو”، بزعامة الولايات المتحدة، شن هجومًا شاملًا على ليبيا أواخر عام ٢٠١١ وقتل رئيسها معمر القذافي؟
الخلاصة أنه منذ أن خلق الله الدنيا وحتى تقوم الساعة، فإن شريعة الغاب موجودة. فهي أحيانًا تكون سافرة، كما هو الحال الآن مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أو ناعمة جدًا، وتتم خلف الستار.
رابعًا؛ نحن هنا لا نسأل هل كان نورييغا أو صدام حسين أو القذافي مذنبين أم لا، بل نركز أساسًا على سؤال جوهري؛ هل من حق أميركا أو غيرها أن تدخل وتحتل بلدًا وتعتقل رئيسه وتحاكمه طبقًا لقانونها الخاص، بعيدًا عما تقرره الشرعية الدولية، بل وربما بعيدًا عن موافقة الكونغرس؟
الإجابة هي لا، فالقانون الدولي لا يعطي أي دولة الحق في هذه القرصنة والبلطجة الدولية.
خامسًا؛ النقطة الجوهرية في العملية الأميركية، التي أراها عدوانًا سافرًا على دولة مستقلة، هي أنها رسالة شديدة الخشونة إلى كل الدول التي تريد إدارة ترامب إخضاعها تمهيدًا لتغيير أنظمتها.
سادسًا؛ في هذا الصدد، علينا تذكّر أن ترامب ما زال يصر على ضرورة السيطرة على بنما وجزيرة غرينلاند الدنماركية، وضم كندا لتصبح الولاية رقم ٥١.
سابعًا؛ أظن أن الطرف الأكثر استهدافًا من هذه العملية هو إيران، فالقبض على مادورو رسالة واضحة لقادتها بأن هذا السيناريو ليس مستبعدًا. وفي هذا الصدد يمكن فهم التسريبات الإعلامية الأميركية، وآخرها ما جاء في «وول ستريت جورنال» أمس الأول، بضرورة أن يتدخل ترامب لدعم المتظاهرين الإيرانيين ضد نظامهم.
صحيح أن إيران ليست فنزويلا، وهي بعيدة عن أميركا، لكن العامل الإسرائيلي يظل حاضرًا، حيث يصر نتنياهو على ضرورة توجيه ضربة أخرى لإيران، ليس فقط للقضاء على ما تبقى من برنامجها النووي، بل وربما إسقاط وتغيير النظام.
ثامنًا؛ ليس غريبًا أن يكون الهدف الأميركي الحقيقي من وراء هذه العملية هو توجيه رسالة إلى الصين وروسيا وكوبا وإيران بأن أميركا اللاتينية، خصوصًا الكاريبي، هي منطقة نفوذ أميركية، وغير مسموح لأحد بالعبث فيها، وهو ما جاء بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأميركي الأخيرة.
تاسعًا؛ وليس غريبًا أن يكون الهدف الأميركي الفعلي هو السيطرة على ثروات فنزويلا النفطية، حيث تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، إضافة إلى وجود العديد من المعادن النادرة.
عاشرًا وأخيرًا؛ علينا أن نصبر قليلًا حتى تتضح بقية التفاصيل، وهل يستمر نظام مادورو من دونه، أم يحدث انقلاب داخلي، أم ماذا؟
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
